القيم الوطنية .. مبادئ راسخة

.. تعددت الأدبيات والملاحم والمواقف العظيمة في حب الأوطان منذ فجر التاريخ ولا يوجد مواطن في أي وطن على سطح البسيطة إلا تتجاذبه قيم الوطن يعتز بها ويتمسك بها مهما اختلفت الظروف والأوقات، وهي مسألة فطرية وسمة طبيعية من سمات المواطن في كل مكان، ويتجلى حب الأوطان والانتماء لها بثوابت متينة وقيم راسخة هي ما تجعل الإنسان يفتدي وطنه بالروح والدم، ويفتدي كل ما يتصل بذلك الوطن من قيم دينية وارض وحدود جغرافية والاعتزاز بتاريخه والتمسك بعاداته وتقاليده الأصيلة، والاعتزاز بقائده، وكل ما يلامس كلمة الوطن من معاني وثوابت وطنية وهي بطبيعة الحال مشاعر معنوية لا يمكن التخلي عنها مهما استهدفت العقول.
ونحن في عُمان كانت ومازالت لنا ملاحم عظيمة في حب الوطن والاعتزاز به فلن ننسى تاريخنا الضارب في أعماق الزمن ولن ننسى حضارة بلد كانت منذ قبل الإسلام منارة شامخة لم تؤثر بها صروف التاريخ وغزوات الأمم، فكفى بك أيها الوطن العزيز أن تكون ضمن عدد قليل من الأقطار العربية التي احتفظت باسمها منذ ما قبل الإسلام فتاريخك يقارب تاريخ الأقطار العربية القديمة مثل مصر والعراق والشام واليمن، كما كانت عمان أحد الأقطار التي استقطبت اهتمام رسولنا الكريم فبعث إحدى رسائله صلى الله عليه وسلم لأهل عمان يدعوهم إلى الإسلام، وهذا بدوره له مدلولات هامة في تاريخية ومحورية هذا البلد، ولم تفت العمانيين هذه الدعوة التاريخية بل تلقفها أهل عمان كخير الأقطار التي أثنى عليها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وتاريخ عمان لم يكن غائبا قبل ذلك منذ مالك بن فهم الأزدي ومن جاء بعده، فأرض عمان فرضت على التاريخ أن ينصفها وهكذا هي الأقطار الكبيرة صاحبة الحضارة البشرية الراسخة لن يتخلى عنها التاريخ، وعندما أقول ذلك فلأن عمان برزت في ذلك التاريخ وما زال تاريخها في الحقب اللاحقة عظيما.
العمانيون كان لهم دور عظيم بالمساهمة في الفتوحات الإسلامية كما كان لهم دور في حفظ الأمن والاستقلال في الخليج العربي وما زال ذلك شأنهم، ويقال أن أحد ثلاث انتصارات حققها العرب على الفرس قبل الإسلام كانت في سلوت وكان الجيش من أهل عمان، ولم يكن من بعدهم بأقل من ذلك فكان الدعم العماني للفتوحات أثناء فترة الخلافة الراشدة وخلال الدولتين الأموية والعباسية والتاريخ يذكر ذلك، ولم تغب شمس عمان عن مسرح الأحداث العربية طوال العصور اللاحقة، بل أن العمانيين في كثير من المناسبات ساهموا في نجدة بعض الإمارات العربية لتحريرها من أيدي الغزاة، وكان الاحتلال البرتغالي خير شاهدٍ على ترابط ووحدة أبناء عمان وذلك عندما تستثار الأوطان وتستفز الشعوب فكان التحرير ليس لعمان فحسب بل شمل التحرير الخليج العربي وسواحل شرقي أفريقيا وتعززت صلات العمانيين مع الكثير من الأمم والبلدان وأحترم الغرب والشرق الدولة العمانية واجبر الدول الأوروبية على التعاون مع مسقط بهدف استمرار حركة الملاحة الدولية في الحريط الهندي والخليج العربي، والتاريخ فيه ما يكفي.
وعندما نتحدث عن تاريخ عمان فلا يعني أن التاريخ العماني لم يعتريه الجمود والتقهقر في بعض فتراته بل هي سنة الله في الكون، والتغيير أصل في الحياة ولكن الأهم أن البقاء والثبات دائما للأمم الكبيرة ونحن في عمان نعتز بتاريخنا وحاضرنا المجيد، ففي الحقب الأخيرة ربما تراجعت عمان عن منصات التاريخ، ولكن لأنها عمان لم يكن لها أن تغرب شمسها بل سخر لها الخالق رجل عظيم هو حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- فأشرقت شمس النهضة العمانية الحديثة على يد جلالته، واستطاع أن ينتشل عمان من رجعية الماضي وظلام الجهل إلى نور الحضارة والنهضة المباركة، فسابقت عمان الأقطار العربية في تسلق سلم الحضارة، ومن عاش قبل عام 1970 يدرك كل تلك التفاصيل، وأصبح الإنسان العماني يجول مختلف عواصم العالم شامخا واثقا بنفسه فقد سبقته شهرة بلاده، واحترام العالم لها لتضع من يمثل عمان في موقع العزة والكرامة والتشريف، وبرز هذا الاحترام العالمي لعمان من ثوابت السلطنة التي رسخها جلالته، وليسأل من يعش فترة ما قبل السبعين عن تلك الفوارق، وليس أدل على ذلك من حديث الشعوب في الخارج عندما يأتي الحديث عن عمان وكل ذلك إنما جاء بفضل السياسة الحكيمة التي انتهجها جلالته والتي قفزت بالسلطنة وبأهلها في مستويات التقدم الحضاري بين الأمم.
ولا يجب أن يفوت أبناء الوطن أيضا تلك المنجزات العظيمة الشامخة التي تحققت على أرض هذا البلد في جميع مجالات الحياة، ولكن الأوطان ليست في منأى عن الهموم بل أن الوضع الطبيعي للحياة أن تكون في صراع بين النهوض والهموم، إلا أن التنمية في عمان ولله الحمد تفرض نفسها والمواطن العماني الكادح المثابر يدرك ذلك ولا بد أن يدركه الجميع، أما أن نريد وطنا خاليا من المعوقات والمشكلات فلن نجد وطن على وجه الأرض بعيدا عن ذلك، أما قضية الدخل الفردي فهذه مسألة بالغة الدقة والتعقيد والجهد والإنسان يجب أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار، أما التخلي عن المسئوليات وإطلاق العبارات المطالبة بالمدينة الفاضلة فلن يوجد في كل مكان أو زمان.
في حقيقة الأمر لم أكن أنوي الإطالة في المقدمات ولكن كنت أود إيصال رسالة واضحة بأبعادها التاريخية والحضارية، حيث أننا اليوم أصبحنا في عالم تسوده العولمة ويتداخل مع مختلف التيارات وتستهدف القيم وتصدر الأفكار وتغزى الثقافة الوطنية وتبرز على المشهد الثقافة السلبية التي تمس قيم المواطن وثوابته وهنا تختلف المفاهيم الوطنية والمعاني الراسخة التي يفترض أن تكون حلقة وصل قوية يعزز المواطن قوتها بتمسكه بها، فليس ما تحقق بالشيء السهل واليسير، بل يحتاج إلى جهود جبارة، كما أنه للأسف الشديد من السهل التفريط بثوابت الوطن وقيمه والاعتزاز به والانتماء إليه طالما يتأثر البعض من صغائر الأشياء غير مدرك لأبعاد وخطورة التسريبات المفتعلة كمن ينشد الحق ويريد به الباطل، ولا يجب على المواطن الشريف العزيز أن يقع في مثل هذه المهاترات السلبية التي تمس الوطن بل يجب عليه أن يتصدى لكل من يحاول الإساءة للوطن بطريقة أو بأخرى وخصوصا عبر وسائط الاتصال، فقيم الوطن تفترض ذلك أما الانتقاد الهادف البناء فلا ضير وهو متاح لكل من يمتلك القدرة على التفكير والتعبير عنه بطريقة مقبولة بدون عشوائية سلبية لا يدرك مخاطرها! وكما أسلفت ينبغي لكل من يحمل أمانة الوطن أن يتحلى بالوعي العام، والتمسك بثوابت الوطن فهي ملكة عظيمة للمواطنة الحقيقية، ولا يجب أن يفوت الجميع التربص والاستهداف الذي ربما قد يكون حاضرا في مثل هذه الظروف.
الثورات التي تعم أرجاء الوطن العربي أصبحت في بعض الأحيان وسيلة للاستخدام الخارجي المغرض وخصوصا في الدول التي طالتها يد الخارج وبلا شك أن أهداف الخارج في منطقتنا العربية غير آمنة، بل أنها غدت تلوح بالعصا في بعض البلاد العربية ولا يستبعد أن تطال الكثير من الأقطار العربية وليس بمنأى عنها الجميع بلا استثناء، بهدف تمرير أجندتها الاستعمارية في المنطقة وبلا شك هي تبحث اليوم عن أية تحركات شعبية لتسلط أضواءها للتدخل في البلاد العربية وإحداث ضغوط لتحقيق مكاسب معينه تخدم مشروعاتها السياسية والاقتصادية وهي من الخطورة بمكان مما ينبغي على أبناء الوطن الواحد التيقظ والحذر، كما ينبغي على جميع أبناء الوطن التحلي بالدور الإيجابي في النقد الهادف البناء بدلا من ممارسة الأدوار السلبية في الإساءة للوطن والإثارة السيئة لنشر ثقافة التذمر وإذكاء التخاذل وهي حالة مرفوضة قطعا، والمواطن الغيور على سمعة الوطن لا يجب أن ينساق في مثل هذا الاتجاه الخطير ومثل هذه المهاترات التي قد تخلخل قيم الوطن والمواطنة واهتزاز الروح الوطنية وهو ما لا يرضاه الجميع، أما من يمتلك ثقافة النقد وقواسم الفكر والبناء فمرحى به ليكون عضوا مساهما في خدمة الوطن لا عضوا مسيئا له فكلنا وطن وهذه رسالة وطنية واجبة أرجو أن تكون قد وصلت !

خميس بن عبيد القطيطي
كاتب عماني
[email protected]