- محرك البحث العام
- المركبات
- الأراضي
- العقارات
- الوظائف
رؤية النتائج 1 إلى 5 من 5
-
20/11/2011 02:19 PM #1
قصة قصيرة / لقد رشحتك لمنصب كبير.. / للكاتب يونس الأخزمي
قصة قصيرة
لقد رشحتك لمنصب كبير..
"أنا ومن بعدي الطوفان"...
كمن أحس بما يجول في أعماقي من لهيب، استدعاني لمقابلته، وبابتسامته الصغيرة الخبيثة استقبلني عند باب مكتبه. أكاد أن أجزم بأنه يعرف حق المعرفة بأنني قد كشفته منذ مدة وأنني أعرفه جيدا، وأعلم نواياه المبيتة. يعلم ألا سبيل للضحك على واحد مثلي. أجلسني على كرسي وافر وجلس على الكرسي المقابل. بادرني:
ـ كيف العمل معك؟
ـ الحمد لله. أجبته.
وقد بدأت تتشكل لدي قناعات بأن ثمة مفاجأة يعد لها هذا الرجل المريض، فليس من عادته أن يقف ليستقبلني عند الباب، ولا أن يستهل جلساته بمثل هذا السؤال، وأن علي كما تعودت، أن أنتظر بفارغ الصبر وبكل ما أملك من برودة أعصاب حتى يصل هو إلى ما يريد قوله فعلا. وقد يستغرق ذلك في العادة وقتا طويلا وفي الكثير من الأحيان يتطلب مني الأمر جهدا استثنائيا لمساعدته للوصول إلى غايته ومبتغاه.
ـ مرتاح؟
سألني وهو ينكس رأسه ويرسل نظراته إلى السجاد الكشميري الفاخر وصدرت عن رأسه اهتزازة ما، أعرفها جيدا، تشبه تلك التي تصدر عن الهنود حينما يوافقون على شيء. ما يأتي بعد تلك الاهتزازة واحد من اثنين: لوم واتهام أو كذبة جديدة.
كنت ولستة ليال الآن، وما إن أضع رأسي فوق الوسادة ـ في محاولة لدخول المعركة المعتادة ضد الأرق ـ حتى أعاهد نفسي بأن أقف مع بدايات الفجر الأولى وأمام الملأ في مبنى المؤسسة المكون من طوابق خمسة، وربما يصل صوتي إلى أبعد من ذلك المبنى، وبصوت جهوري أصرخ: إن مسؤولنا "خليل" ما هو إلا أفاق مرائي يظهر ما لا يبطن ويخطط ما لا يعلن، وإننا إن بقينا صامتين وسائرين معه، فإننا لا محالة منحدرين إلى الهاوية، حيث تستحيل بعدها العودة مهما كان حجم الجهد والندم.
هل يعرفون عنه هذا المكر والخبث؟
صاحبي محمد يجزم بأنهم على علم بكل شيء، ظاهره وباطنه، حقيقته وزيفه، فيزداد السؤال حدة في أعماقي: إذا هم كذلك كيف يتركونه هكذا يعبث بكل ما هو جميل لدينا. يحرقه، يطمره، يدنسه بلا مبالاة. كل الأمور تتحول بقدرة قادر معه إلى كومة رماد لن يقوم لها قائمة.
يضيف محمد، بأنهم يتركونه يتمادى هكذا في غوايته إلى أن يصل إلى المستوى الذي تصبح بعدها العاقبة عنيفة صارخة مدمرة، قد تنتزعه تماما من الحياة، فتزداد حرقة السواد داخلي: لماذا لا يستأصلون المرض منذ بدايته حتى لا ينتشر فيصيب العشرات من حوله، وربما المئات.
لستة ليال الآن، وكل عزمي أن أفضحه حتى لو كانت رقبتي هي الثمن، لا يهم، المهم أن أنقذ ما يمكن إنقاذه. وحين أصحو أول الصباح ـ في معظم الأحيان ـ أتردد وأتراجع خطوات إلى الوراء. ربما لأني أميل في كثير من الأحيان إلى تصديق ما يجزم به محمد، وبالتالي فالعاصفة الجامحة قادمة بسرعة، وكل ما هو مطلوب مني في هذا الوقت هو المزيد من التريث والمشاهدة من على بعد. وقد بقيت وفي أكثر من مساء وأنا أرسم سيناريو الاقتلاع العاصف وفمي مملوء بابتسامة واسعة بعرض السماء.
ما يقلقني كذلك وبشدة بأنني لم أعد أتسامر كثيرا مع حبيبتي ليلى، التي لاحظت كثرة شرودي عنها وتحديقي إلى السماء بتجهم واستياء (ربما لكون السماء ـ التي كنت مقتنع منذ فترة قصيرة بأنها لن تسكت عمّا تراه، وأنها قد تقرر إرسال طير أبابيل للقضاء على المسئول الأفاق ـ لم تحرك ساكنا برغم كل ما تشاهده يوميا)، فوبختني وحذرتني بأنها لن تصبر عليّ طويلا وإنها ستبحث عن رجل يقضي الوقت كله في التغزل في وجهها المتشرب حمرة وعيناها المليئتان بالأسرار غير المكتشفة، وجسدها المدور وثوبها الجميل. لو حصل وفقدت ليلى الجميلة بسببه هو لقتلته بكل وحشية عرفها العالم وخلصت الكون من شره.
انتزعني من شرودي وتوغلي الشديد في الحنق عليه.
ـ عندي لك خبر سار، لكن أرجو أن يبقى سرا بيني وبينك.
وسخرت مما قاله في أعماقي، وكدت أن أفقع بضحكة مدوية يهتز مكتبه لقوتها، إلا أنني ولسبب ما ـ ربما خبث أو خشية أو رغبة في تصديقه ـ حولت الضحكة تلك إلى ابتسامة فرح أمامه، عاجلتها بكلماتي:
ـ خبر سار؟ ما هو يا سيدي الكريم؟ إن شاء الله خيرا..
ـ لقد رشحتك لمنصب كبير..
هكذا يبدأ ألاعبيه كل مرة، هذه هي المرة الثالثة بالتمام والكمال التي يمثل فيها أمامي نفس المسرحية الهزلية إياها. جاء إلينا ليصبح مسؤولا علينا منذ سنوات غائرة في الألم والغثيان، كنت قبلها مصمما على خدمته ومساعدته بكل ما أستطيع، إن شاء هو ذلك. كنت أعمل له ومعه لساعات متأخرة من الليل، وكان سعيدا من عملي ـ أو هكذا بدا لي ـ ومتعطشا للجلوس معي والاستماع بإنصات لما أقول. صدقت لهفته للعمل التي لم تكن لتقبل الشك.
لم أكن أصدق بأنه خبيث لئيم يعرف كيف يتعامل مع المخلصين الكادحين مثلي. كنت أحمقا أبلها غبيا لدرجة كبيرة حين انطلت عليّ حيله، أعترف الآن وأقر بذلك. نعم، كنت مقتنعا بأنني لم أكن أملك ذكاءً خارقا في حياتي، لكنني أيضا كنت أجزم بأنني لست غبيا. اليوم بإمكاني أن أقسم بأني غبي لدرجة لا تصدق حين وقعت ألعوبة بيد رجل مخادع لا يجيد سوى الضحك على الأذقان. فبعد أن أمضينا سويا قرابة الستة أشهر فاجأني بابتسامة رضى جميلة رسمتها شفتاه ومن خلفهما أسنانه الصفراء الصغيرة، ربت على كتفي مبادرا: "أنت أقرب الناس إلي، لقد حزت على ثقتي، يجب أن تعد نفسك لمسئوليات أكبر، لقد رشحتك لمنصب كبير".
ومضت سنة أخرى وأنا ببلاهة وحماقة أترقب المنصب أن يأتي. هل كذب علي؟ في تلك اللحظة لم يكن ليساورني الشك في صدقه. فلماذا يكذب رجل بمثل سنه وسمعته على شخص مثلي جاء من عائلة بسيطة تكاد لا تذكر؟!
انتظرت منه أن يخبرني بما يجري لكنه لم يشأ أن يطفئ حرقة السؤال الذي بدأ ينمو ويتطاول في أعماقي الكافرة بالدعة. ولم أكن في المقابل على مقدرة لمفاتحته بالأمر، وحتى حين حاولت أن ألمح له، اكتفى أن أرسل إليّ ابتسامة صغيرة دون أن ينطق.
سألت عنه بعدها وجوها كثيرة، قالوا لي بأن حياته عاشها هكذا كذب ولعب بمشاعر الناس .. قالوا قلّما يصدق.
قالوا لي لا يهمه إلا صالحه، وأنت الفقير المسكين لا يمكن أن تكون واحدا من أولئك الذين بالإمكان أن يحققوا له مجدا أو مالا. قالوا تحلم، قالوا تتوهم، قالوا عنه أفاق، خدع من هم أقوى منك وأعلى منزلة فكيف سيأخذ بيدك أيها المسكين المعتوه.
لكنني أبقيت على هاجس أمل ما، وإن كان صغيرا جدا.
ومع ذلك، كنت وفي كثير من الليالي وما أن اشرع في النوم حتى ينتابني أرق حاد وأنا أمرر أمامي شريط ذكرياتي معه.
في الليل قبيل النوم، أجزم بكذبه وصدق ما يقوله الناس عنه. إلا أنني وحال استيقاظي من نومتي أنسى كل ما فكرت به في الليل معتقدا بأن شيئا ما لصالحي سيأتي عمّا قريب. وكانت ليلى في المقابل قد بدأت في تأنيبي لكثرة انشغالي عنها.
في المرة الثانية، وكنت قد قدمت له طلبا ليساعدني في الحصول على أرض أبني فيها مسكنا لي ولحبيبتي ليلى لأنطلق بعدها محققا أحلامي الكثيرة التي تنتظرني بلهفة، ابتسم ونظر إلي بنظرة الأب العطوف وهو يقول:
ـ هذه الرسالة ليست في وقتها، ستضرك أكثر مما ستنفعك، لا تستعجل، ستحصل على كل ما تريد قريبا، لقد رشحتك لمنصب كبير.
وانطلت عليّ الكذبة مرة أخرى. استعدت الرسالة منه وخرجت من مكتبه ودمي يتقافز فرحا في عروقي. لم يكن بإمكاني ـ في تلك اللحظة بالتحديد ـ إلا تصديقه. قلت في نفسي ربما يحتاج أمر الوصول إلى المنصب الكبير وقتا ليس بقصير، وإنه ما يزال عند وعده لي وإنه بات لزاما عليّ أن أنتظر، وإنني سأجري إلى ليلى وأخبرها بما قال، وأن عليها هي الأخرى أن تنتظر معي، وأن وقت الفرح قد يحين عمّا قريب، وقريب جدا، وإنه قد يكون في الغد.
وهاهو اليوم يكرر معي نفس المحاولة القذرة إياها. ماذا يظن نفسه هذا الرجل الضارب في تجربة الكذب والخداع. كيف يسمح لنفسه أن يستخف بعقول البشر وقلوبهم. كيف تسول له نفسه اللعب بأعصابي وأعصاب آخرين مثلي. ولأجل ماذا أترك ليلى وحيدة تبكي بسبب إهمالي المتواصل لها؟ لماذا لم أعد أستطيع الجلوس معها ولو لساعة متكاملة دون أن يرحل فكري بعيدا عنها إلى السعادة المتوهمة؟ كيف استطاع هكذا بسهولة أن يحل بوعوده المزيفة محل حبيبتي التي كنت أحلم أن أقضي الأوقات كلها في تأمل وجهها الجميل وفي الحديث معها؟
ـ أي منصب تتحدث عنه..
سألته..
ـ طُلب مني أن أرشح أحدا لمنصب كبير، فلم يكن لدي غيرك. أنت موظف متفان في عملك ومخلص وتستحق من يأخذ بيدك..
"أيها الكذّاب" أقول في بالي..
"أما زلت تكذب حتى بعد كل هذه السنين بيننا"
"ألا يزال لديك الظن بأننا سنصدقك"
"ألم تعرف بأننا كشفناك كشفناك"
كنت سأسأله: وكم واحدا منا وعدته بهذا المنصب؟ ولماذا لا تزال تكذب أيها الرجل الذي يدعي الصدق والوضوح؟ إلى متى ستضل تلطخ تاريخك الذي اعتقدنا صدقه بالوحل؟ لا ريب بأن جهلك بمعرفة ما صارت إليه عقول الناس ومعرفتهم بخبايا الأمور وأصغرها تفصيلا غائبة عنك، أو بالأحرى أنك تجهلها. أقول لك الواقع: في هذه البناية والبنايات الأخرى المجاورة كلنا كلنا كلنا كشفناك، وكلنا على علم ويقين بكذبك ونفاقك.
كان في العديد من المرات، حين يتعمق في لعبة النفاق يقف من على كرسيه ويتنحى واقفا في البعيد، يبتسم وهو يشير إلى كرسيه: "يوما ما ستجلس أنت على هذا الكرسي، هذا ما أتمناه لك، وأنت تستحقه". أقول في سري "لو كنت في مكانك لشنقت نفسي، وأرحت العالم من شري".
وكنت على وشك أن يفلت مني لساني لأسأله: إلى متى ستكذب؟ أما حان الوقت يا سيدي أن ترتاح قليلا من هذا الجحيم الذي عيشت نفسك فيه؟ أما آن الأوان أن تنتحر وتترك العالم يعيش بخير بدونك. سحقا.. هل ألومك أم ألوم غبائي الذي جرفني معك. أعترف مرارا أنه أنا من يقع اللوم عليه، أنا من أوهمت نفسي بتصديقك أيها المحتال. وتمنيت في جلستي تلك لو كنت أملك خنجرا حادا ومسموما أو بندقية بعشرين طلقة.
لكنني وللمرة الثالثة أخرج من مكتبه دون أن أقوى على لطمه بالحقيقة التي نعرفها جميعا، والتي لا يزال يعتقد بأنها غائبة عنا وأنه قادر على جعلنا نعيش في الوهم الكبير الذي دربنا عليه.
"غدا لناظره قريب، وستكشف الأيام ما كان خافيا" أقول لنفسي
"ربما يقع عليه حادث فيقعد"
"قد يموت ونفتك"
"يا ليت يموت ونفتك"
"يا رب يموت ونفتك"
"أرجوك يا رب يموت ونفتك"
حين أويت إلى فراشي في تلك الليلة، وقد نسيت أن أحادث حبيبتي ليلى، وهي بالقابل سئمت مني، أقسمت بأنني سأفعل شيئا في الغد. لا بد أن افعل شيئا. لن أتركه هكذا يلعب بي كيفما يشاء. كنت عازما على فضحه مهما كانت النتيجة.
قمت إلى مكتبي وبدأت أخط الذي سأقوله في وسط البناية غدا. هذه المرة لا سبيل للصمت، سأفضحه. حلفت برأس والدي وغلاة أمي وبالكعبة المشرفة بأن لن أتراجع عن فضحه. كان منظر السجن أمامي وأنا أتخيل الحال الذي سأنتهي إليه قبل انتصاف النهار غدا. لا يهم، سأنفذ ما وعدت به نفسي، لن أتراجع.
لكنني في الحال تذكرت ليلى وسنواتي الجميلة القادمة معها، هل لو قتلت ذلك الخبيث ستذهب ليلى عني إلى الأبد؟ هل يستحق ذلك الخبيث أن أفقد ليلى بسببه؟ وهل أستطيع أنا أن أتخيل حياتي بدون ليلى؟
لا استطيع أن أتخيل حياتي بدون ليلى.
حين أويت الى السرير ودماغي مملوء بالحنق عليه وبليلى، قررت أن أستيقظ في الصباح الباكر جدا وأن أكتب قصتي هذه معه، وان أبعثها لكل العاملين في المؤسسة، وأن أنشرها في الصحف والمجلات ليقرأها القريب والبعيد، ولأفضحه شر فضيحة!
د.يونس الأخزمي
منقول ...
-
مادة إعلانية
-
20/11/2011 09:45 PM #2
مشرف سابق
- تاريخ الانضمام
- 27/12/2006
- الجنس
- ذكر
- المشاركات
- 3,749
جميل،
أضحكني أسم خليل،
الرسالة بالنسبة لي واضحة،
كالشمس في رابعة النهار،
شكرًا
-
20/11/2011 10:31 PM #3
محظور
- تاريخ الانضمام
- 01/01/2009
- الجنس
- ذكر
- المشاركات
- 2,466
.. مرحبا .. اخي القعقاع
... هل الاخزمي اول مره يكتب ام ان(ابو ابراهيم
) هو من دفعه الى الكتابه ... لان النص لو وضع في ميزان النقد ... لصرخ الميزان بأعلى صوته (الله المستعان
)ذاك من حيث الصياغه أما من حيث المضمون فكالذي يدهن من قاروره فارغه
-
20/11/2011 10:50 PM #4
-
21/11/2011 06:33 AM #5
محظور
- تاريخ الانضمام
- 01/01/2009
- الجنس
- ذكر
- المشاركات
- 2,466








رد باقتباس
