ابن ليله
1-Click Setup for WordPress, Drupal & Joomla!
 
رؤية النتائج 1 إلى 7 من 7

الموضوع: ابن ليله

  1. #1
    تاريخ الانضمام
    30/08/2010
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    431

    مقال ابن ليله


    لحارتي ألف أقصوصة عن السحرة والجن ، ولها شعب من المولعين بقصص الجدات ، منذ نعومة أظفارنا ونحن نسقي آذاننا منها ولا ننسى شيئا منها ، إلا أن هناك ثمة قصص لا ترويها الجدات بل ترويها الأيام والأزقة ولا تعرفها سوى أرواح الحارات التي يتربع في عرش دوحتها سلطان الفضيلة عشنا طفولتنا نمرح في الأزقة ولا نسأل عن من كانوا عليها ؟ ولا عن من سكنوا منازلها الطينية الخاوية، كبرنا اليوم وكبر فينا السؤال ، من كانوا؟! ولما رحلوا ؟ ! فتشنا في ملفات الذاكرة عن صورهم وأسمائهم فلم نحظى سوى بالكلمات المتقاطعة ، تحيط بها الأوهام والخرافات.
    لم أتعب خيالي اليوم لأسقي أوراقي ولكن اكتفيت بريها من عيون الأزقة ، صورة لرجل رحل ولم يترك من آثاره سوى ابتسامة صورتها قلوبنا الصغيرة من قبل وتحاول أقلامنا الهزيلة تصويرها اليوم.
    كلما نظرت لداره الطينية القديمة من نوافذ منزلنا العلوية تذكرته وقد رحل منذ سنوات ، ولكنني أشعر اليوم وكأنه رحل منذ قرون ، بل وكأنه لم يكن موجودا يوما كواحد من عائلة كل منزل في الحي.
    عاش لأجل خبز الصباح وحليب الليل ،يقرع في كل صباح كل أبواب الحي ، يبتسم ونضحك نحن معه لا عليه ، ويدعو كل الحسناوات بخطيباتي .إنه عجوز أسمر يذكرني بغاندي ؛ فهو مثله دائماً يلف ثوبه الأبيض حول كتفه الأيمن.
    يمر علينا ونحن نجري ونلعب الغميضة فيخبر بعضنا عن أماكن اختباء البعض ، ويلوح لنا بابتسامتة أتعرفونني من أكون ؟ أنا ابن ليله ، ثم يروي قصته مثل كل مرة دون أن يكون هناك من أحد مستعد لسماعها ! قصة شجاعته عندما سار بأمر الشيخ من الجبل حتى الوادي من أجل الحراسة.
    أقف عندما تزدحم سطور الماضي بين دفتي كراستي واسأل جرته الطينية الصامدة التي لم تغير حرارة الشمس ولا شدة الرياح من هيئتها سوى القليل ، اسألها أي شئ يعني أن يرحل الإنسان عن الحياة فيرحل عن قلوب الآخرين ؟
    كان الكل يتحدث عن المال الذي كان الجميع يصر على أن العجوز قد خبأه في مكان ما في داره ، عاش العجوز على أثر ذلك برهة من الزمن في خوف من عقول السفهاء التي كانت شياطينهم تحدثهم بالسطو على دار العجوز.
    ومرت الأيام واستطالت أجسامنا للأفق بضع بوصات ، ولكننا ما زلنا صغارا ، نفرك قبضة أيدينا على محاجر أعيننا كل صباح . وقدم العيد واستقبله أهل الحارة كعادتهم بأهازيج الصغار وروائح اللحوم ، إلا أن القدر كتب للعجوز بداية فصل جديد
    في ليلة ثاني أيام العيد مر العجوز على منازل الحي ليعيد تقديم تهانيه وليساعد أخوانه ، أهالي الحي في كل ما يقدر عليه ، وصل إلى منزل جارنا وأصر كعادته على تقديم المساعدة ، وبينما كان يساعد في إعداد أعواد الشواء ، طعنه عود الشواء الحاد في إبهام يده اليمنى حاول الجميع إقناع العجوز بضرورة مراجعة الطبيب ولكنه رفض وأخفى جرحه بقطعة قماش قديمة - كما هي عادة البسطاء في إخفاء أوجاعهم- .مر زمن وجرح العجوز يزداد ألما ويرفض الالتئام ، مرض بعدها العجوز مرضا شديد أجبره على زيارة الطبيب ، ليفاجأ هناك بأنه مصاب بداء السكري مما تسبب في عدم التئام جرحه بل وإصابته بالسرطان!
    ومن هنا بدأت الأزقة تفقد من كان يرويها بقصصه الطويلة بحث أهل الحي عن أهل العجوز فلم يتوصلوا إلا لمجموعة شباب قالوا بأنه خالهم ! أخذوه وأخذوا معهم كل شئ عدا ملابسه الرثة! ثم قيل بأنه سافر بعدها لبلاد أجنبية طلبا للعلاج
    وجاء بعد ذلك خبر وفاته ، وترحم أهل الحي عليه من غير جثمان ! ولد في قمة جبل وعاش بغير أهل ودفن في غير الوطن ! ورغم ذلك فما زال خيال شباب الحي يحلم بيوم عودته على سيارته الطويلة مع حرسه ليشبه بذلك أبطال أفلامهم.
    (عاش وحيد كالأصداف ورحل حزينا كالصفصاف) لا ابن يرسم حروفه بعد اسمه ، ولا امرأة تلبس السواد على ذكراه ، هو قرر أن يعيش الماضي وحده فعاشه لوحده ، أما اليوم فمن له ليعيش حاضر ذكراه؟

  2. #2
    تاريخ الانضمام
    28/08/2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    2,517
    مشاركات المدونة
    1

    افتراضي

    أختنا أزرق ....القصة رائعة وقد أخذتني إلى كل مكان تخيلتيه أو فكرت فيه

    كنت بليغة للغاية

    بارك الله فيك
     التوقيع 

  3. #3
    تاريخ الانضمام
    09/12/2009
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    15,141

    افتراضي

    اسمي أزرق ..
    رائعة ..
    أجدتِ سرد أحداث القصة وحبكة احداثها ..

    موفقة بإذن الله ..
     التوقيع 
    [ ظِل هيرمافروديتوس ]
    الرواية التي أربكتني كثيراً، ونجحت في تلبُّسي حتى بعد انتهائي من كتابتها
    ظللتُ أشهراً أعاني مع سعاد، وفي كل صباحٍ أقف أمام مرآتي طويلاً

    تجدونها في مكتبة روازن/الفتح/المعراج/ الطيبات

    ودّي أغمّض عيني وْأمشي إلى
    ـــــــــــــــــــــ أيّة جهة! بس المهم أبقى معك

    ما وراء الفقد


  4. #4
    تاريخ الانضمام
    11/08/2009
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    17,615
    مشاركات المدونة
    189

    افتراضي

    ســــأعود إليكِ غاليتي
     التوقيع 


    اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة
    لا إله إلا الله


  5. #5
    تاريخ الانضمام
    17/04/2009
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    1,441

    افتراضي

    عزيزتي/أسمي أزرق

    أعجبني طريقتكِ في السرد وتطور الأحداث وتصاعدها..

    قلمكِ جميل يستحق الأعجاب....


    واصلي العزف
     التوقيع 
    (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )

  6. #6
    تاريخ الانضمام
    30/08/2010
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    431

    افتراضي

    لمن مرَّ ياسمين شكر وريحان ودّ

    .
    .
    .
    تقديري

  7. #7
    تاريخ الانضمام
    25/08/2009
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    2,584

    افتراضي

    مفردات متسلسلة "ورائعة"لديك أبدع رائع فى سرد القصص"
    فكوني دائما هنا"
    لكِ زهر الياسمين
    حماكِ الرحمان
    لك الود
    الراحلة
     التوقيع 




    يا جارح القلب أن الجرح يألمنى "اليك بقلبى فما عاد يلزمنى"

    لا تحسبوا رقصاتى بينكم طربا "فالطير يرقص مذبوحا من الألم""


    أرى َ الموتُ ديْناً لَهُ عِلَّة ٌ = فَتِلْكَ الَّتِي كُنْتَ مِنْهَا تحِيدُ

    تيقَّظْ فإنَّكَ فِي غَفْلَة ٍ = يَميدُ بكَ السُّكْرُ ،فيمَنْ يَميدُ

مواضيع مشابهه

  1. &&&كلام في ليله عيد الحب&&&
    بواسطة غيومي غطت عيوني في القسم: سبلة ترويح القلوب
    الردود: 5
    آخر مشاركة: 15/02/2011, 11:49 AM
  2. ابن ليله
    بواسطة اسمي أزرق في القسم: سبلة السرد
    الردود: 3
    آخر مشاركة: 13/02/2011, 10:13 AM

قواعد المشاركة

  • ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
  • ليس بإمكانك إضافة ردود
  • ليس بإمكانك رفع مرفقات
  • ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك
  •