الإصلاح.. والتغيير

د.عبدالله عبدالرزاق باحجاج

تشهد بلادنا حاليا ديناميكية سياسية كبيرة في التعاطي مع إكراهات المرحلة الراهنة بأسلوب غير مسبوق محليا وعربيا من أجل استعادة الذات الجماعية، فهذا هو الآن الشغل الشاغل لقائد النهضة المباركة جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ،
وقد كنت من بين أكبر المتفائلين، وهم حتما غالبية هذا الشعب، بحدوث تغييرات كبرى منذ لقاء قائد الشعب مع ممثلي الشعب لبحث مطالب الشعب،
وكيف لا نتفاءل وقائد الشعب قد جاء للحكم في البلاد من أجل الشعب، ومن أجله وعده بحياة سعيدة، وماذا يعني ذلك؟ يعني أن شرعية القائد لحكم عمان قد جاءت من شرعية الشعب، وها هو أداء جلالته السياسي يتناغم مع رغبات الشعب رضاء له وتحقيقا لمطالبه.
من هنا، نراهن على التغييرات السابقة واللاحقة والإصلاحات المقبلة، فنحن في مرحلة مفتوحة ومنفتحة لصياغة عهد جديد بعد أن كشف الشباب عن نفسهم كقوة للبلاد لا يستهان بها، بعد أن تجاهلهم الأداء الرسمي وهمشهم اقتصاديا وأقصاهم اجتماعيا، فحرمهم من حق التعليم الجامعي وانتهك حقهم في العمل، وسلب منهم إدارة الفعل والفكر في المشاركة في بناء الوطن،
فأبشروا ايها الشباب أن غدا لآت، وغدا ستنصب التنمية حول تأمين مستقبلكم، ولن تجد الان مسؤولا أو مواطنا يختلف أو يعارض مطالب الشباب المشروعة، وهي حقوق مهمة وعاجلة تناولناها بصوت مرتفع في مقالات عديدة منذ عدة سنوات،
وقيل لنا من قبل بعض النخب الاقتصادية الرسمية البارزة، اكتبوا ما تشاؤون، وسنفعل ما نشاء، وقد نجحوا في الفعل بامتياز، بدليل، وصول حالة الاحتقان المرتفعة إلى الانشطار في صحار، وإلى استمرار الاعتصام والمظاهرات في بعض الولايات،
ونجحوا كذلك فعلا بنفس الامتياز في نشر حالة الاحتقان في كل القطاعات والشرائح الاجتماعية، وإذا كنا نتفق الآن على مشروعية المطالب، إذن، لماذا لم تؤمنها الحكومة خلال السنوات الماضية؟ وكيف تركتها حتى ينفجر الشعب في الظرفية الراهنة؟
من هذه الزوايا ينبغي أن تطرح قضية الاعتصام في صحار، واستمرار الاعتصام في صلالة لليوم الثامن على التوالي، واندلاع الاحتجاجات في بعض الولايات، وذلك لضرورات التقويم الترجيعي لاستيعاب وفهم شارعنا السياسي بوعيه الجديد وتصاعد سقف مطالبه كلما ظل طويلا في الشارع،
وهنا، يحتم علينا القول صراحة، إن (ما حدث وما يحدث) هو نتاج تراكم مجموعة سياسات منذ عام 1996،
نفذت بوعي وباللا وعي تنفيذا أمينا لمرئيات الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني 2020،
التي حولت ثروات مشاريعنا العمومية إلى جيوب مجموعة شركات محلية وعالمية،

واغتالت البعد الاجتماعي طوال العقود الماضية، ما نجم عنها إقصاء جيل كامل من الشباب وهمشهم اجتماعيا، وقد تناولنا في مقالات سابقة عديدة صورا للإقصاء والتهميش وحذرنا من خطورتها واعتبرناها كقنابل مؤقتة، وتنبأنا بانفجارها مستقبلا ليس مهما الآن فتح ملفاتها حتى نؤكد على دور الاقتصاد في حالة الاحتقانات الراهنة الناجمة عن إقصاء وتهميش الشباب،
وإنما الأهم، هو لماذا لم تنزع حزمة الاصلاحات الاقتصادية الفورية والسياسية المستقبلية فتيل الاعتصامات والاحتجاجات وتعيد الهدوء لصحار؟ ،
من هنا نقول إن طرح (50) الف فرصة عمل و(150) ريالا لكل باحث عن عمل، وفصل الادعاء العام عن السلطة التنفيذية، وتوسيع الصلاحيات الرقابية والإدارية وتفعيل أدوارها، واختيار وزراء من مجلس الشورى والتفكير في إعطائه صلاحيات تشريعية ورقابية .. الخ
ربما كانت حلولا مقبولة في مرحلة سابقة، أي قبل اتخاذ الشارع خيارا لتحقيق المطالب، وكانت ستعتبر تطورات كبرى لو صدرت أثناء أو بعيد عيدنا الأربعين المجيد،
أما الآن، فهي لم ترجع المعتصمين إلى منازلهم ولن تضمن عدم العودة إلى خيار الشارع، هذه قراءة ننقلها لصناع القرار من خلال متابعتنا لحالة الاعتصام في صلالة والحراك الشبابي المقبل المتأثر بسرعة المتغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة العربية، ولا يمكن أبدا فصل جغرافيتنا عن محيطها أبدا، إذن،

ما هي التغييرات المطلوبة في اللحظة الزمنية والمكانية العمانية الراهنة؟

نراها سياسية خالصة وبامتياز، وعاجلة جدا وبامتياز، فهناك حالة عدم الثقة بين الشباب وبين الفعل الرسمي لبعض النخب السياسية والاقتصادية،

فهل ينبغي إعادة النظر في بعضها سريعا وفي تأهيل البعض الآخر فورا؟

ربما تكون الاجابة جاءت أمس صريحة وواضحة، ونترقب التالية، وكذلك سرعة تأهيل الحقل السياسي كمجلس الشورى باعتباره مؤسسة سياسية شعبية ينبغي ان يناط بها صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة،
فهناك اعتقاد كبير وواسع في صفوف المعتصمين والمتظاهرين، أن كل خير سوف يأتي من تلك النخب السياسية والاقتصادية أو حتى يناط بها تنفيذه، سوف يقابل من الشارع السياسي بالشك أحيانا والرفض غالبا،
مثلما يحدث لحزمة الأوامر السامية التي تحمل في طياتها تباشير بعهد جديد للمواطنين، لكنها تصطدم بعقبة التنفيذ،

والتاريخ التنفيذي للأوامر والتوجيهات السامية يذكي حالتي الشك والرفض تماما،

ما يجعلنا نراهن على خيار التغييرات السياسية كخيار وحيد لنزع فتيل الاعتصام والاحتجاجات و..
لأن في ضوء عملية التغير السياسي المأمول سوف تطرح الحلول المقبولة للقضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الراهنة،
وسوف تطرح كذلك مكافحة الفساد وربط الجهاز التنفيذي بالرقابة والمساءلة، وفي ضوئها سيكون لمجلس الشورى البيئة المناسبة لممارسة دوره الرقابي والتشريعي، وفي ضوئها سنضمن استقلال القضاء.. ودونها سوف تظل الاختلالات قائمة باحتقاناتها وانتقال عدواها...

لأن الاصلاحات من سينفذها؟

هو نفس الفريق الرسمي الذي أوصلنا بعد اربعين عاما من نهضتنا المباركة إلى حالة الاحتقانات الراهنة، وما نطرحه نتمنى أن ينظر إليه بعقل منفتح ومفتوح على الحل الذي يضمن استمرار العيش الآمن والتعايش الجماعي اللذين أسسهما ورسخهما قائد نهضتنا المباركة ـ حفظه الله ورعاه ـ،
ونحن على ثقة بأن بلادنا قادرة على تجاوز الإكراهات الراهنة بأمن وأمان قياسا بحجم إكراهات السبعينيات،
فماذا تأتي الاكراهات الراهنة عند تلك التي كانت تواجهها الدولة عسكريا وسياسيا بدعم إقليمي وعالمي،
لكن، بلادنا بحاجة إلى قراءة صحيحة لتشخيص حالة الاحتقان عند الشباب واستشراف سريع لخياراتهم المقبلة...

وإلا، ماذا نتوقع أن تكون طبيعة خياراتهم في ظل حالة عدم الثقة الكبيرة السالفة الذكر..؟

الموضوع له تكملة غدا الاثنين بمشيئة الله.