على مدى قرون طويلة عاشت شعوب الخليج العربية كأسرة واحدة بفعل القواسم المشتركة ولحمة الدم التي تربط بينها في ظل ثقافة ذات جذور واحدة، متأتية من قيم متوارثة نتجت عن مصير واحد ودين واحد.
وفي العصر الحديث وبعد التطور الذي شهدته المنطقة منذ السبعينات تحولت تلك العلاقة الكلاسيكية إلى طور حديث يقوم على منظومة الحياة الجديدة تبلور عنها مجلس التعاون الذي بقدر ما تأسس لاعتبارات عصرية في زمن يتسم بتبادل المنافع المشتركة وتقريب الرؤى بشأن خدمة الشعوب والحفاظ على أمنها وسلامتها وتحقيق طموحاتها، إلا أنه كان في الوقت نفسه يستحضر ذلك الوصال القائم في عمق التاريخ.
وخلال أربعة عقود كان حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه- حريصا بحكمته وإيمانه العميق بالمصير المشترك لهذه المنطقة أن تمتد علاقات الأخوة والتعاون إلى كل ما فيه صالح الشعوب، وعمل جلالته على إقرار هذا المبدأ عمليا من خلال منظومة مجلس التعاون ومن خلال اللقاءات الأخوية والودية مع أشقائه القادة، وتعزز ذلك بمشروعات ملموسة على كافة الأصعدة.
وكان أيضا الحرص من قبل جلالته وقادة دول مجلس التعاون على التفاكر في كل ما يستجد على الساحة من أحداث وتطورات، ذلك لإيمان القيادة العمانية بأن استقرار المنطقة ومستقبلها مسؤولية مشتركة وأن ما يؤثر على أي بلد يؤثر على الآخرين.
وفي هذا الإطار يأتي اللقاء الذي عقده جلالة العاهل المفدى - أبقاه الله - مساء أمس مع أخيه أمير الكويت ووفد الإمارات والذي تم خلاله بحث العلاقات الأخوية وسبل تعزيزها في كافة المجالات في إطار الأهداف المؤسس لها، وبالنظر إلى المصالح المتبادلة لشعوب المنطقة، بما يحقق لها الأمن والرخاء.
ويأتي هذا اللقاء في ظل الأوضاع التي تشهدها المنطقة العربية بشكل عام والحراك الذي يؤسس لفترة جديدة من تاريخ الشعوب العربية وتاريخ المنطقة، ما يستدعي مزيدا من التشاور وبلورة الأفكار التي من شأنها أن تخدم الاستقرار، وفي هذا الإطار تم بحث مستجدات الأحداث والتطورات على مختلف الأصعدة.
إن مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وعبر أكثر من ثلاثة عقود قد حققت الكثير لصالح الشعوب لاسيما في التكامل الاقتصادي، وهي تسير إلى الإمام في ظل حاجة عالم اليوم إلى التعاون والتعايش وتبادل المنافع.
وإذا ما كانت التحديات الراهنة كثيرة ومتشعبة فإن التنسيق لاسيما في ظل ميلاد جيل جديد بمتطلبات مشروعة، يتطلب المزيد من مساحات التباحث والتشاور بما يفتح أفق الخير والسلام للأجيال القادمة من أبناء الخليج الذين تربوا على قيم الآباء المؤسسين لقادة المنطقة الذين أوجدوا إرثا عظيما وبذلوا الكثير لكي ترقى هذه الدول وتتجاوز الكثير من المخاطر المحدقة بها بفعل عوامل عديدة وطبيعية في عالم يتسم بالمصالح المتبادلة.
وستظل عُمان تؤمن بهذا الوفاق الأخوي وتعمل على أن يكون متينا لإيمانها بالإخاء والسلام وروح التسامح وهو منهج القائد المفدى، ذلك المنهج الذي يقوم على الشفافية وما تعلنه هو الذي تؤمن به، فلا إزدواجية في الخطاب العماني الذي صاغته أسس لرؤية ثاقبة وأصيلة متأتية من البعد الحضاري لهذا الشعب


المصدر
جريدة عمان