مـن أنـت؟
"مـجـنـون أنـت؟"
بواسطة بتاريخ 13/06/2012 في 07:56 AM (1627 الزيارات)
الـسـلام عليكـم ورحـمة الله وبـركاته ..
.
.
بدت الدهشة على وجهه ثم قال مستنكرا: "مجنون أنت؟" ، لم يكن هذا شيئا غريبا فلم أعتد من الآخرين سوى الانكار والاستنكار والصد والهجران ، ولماذا؟ ألأني لا أوافق هواهم؟ ألأني أشكل خطرا عليهم؟ ألأني بنظرهم لا أرقى لمستواهم؟ الكثير منهم نعتني بالغباء والجنون والبله. يقولون "أترفس النعمة من عند بابك وقد ساقها الله إليك؟" ويستطردون في احتقار مهين: "ما أنت إلا طارئ دخيل ، ناكر للجميل ، ذئب في ثوب حمل ، تستغل حاجة الضعفاء ، وغرور الأقوياء فقط لنفسك ولنفسك فقط". قد يظن السامع أني سأنفجر غضبا ، وأصيح في وجوههم ، فكلامهم جارح شديد ، مبطن غليظ ، فيه من استعلائهم ما نعتوني به من غرور. ولكن الحقيقة أني أفرح كلما سمعته ، نعم أفرح ، وإلا كان ما فعلته خلال سنوات ذهب أدراج الرياح ، والناس لا تتكلم إلا لأنهم رأوا ، ولا يرون إلا لأنهم وجدوا ، ولا يوجد شيء إن لم أصنعه . الآن أدرك جيدا أن الطعنة التي لا تقتلك تزيدك قوة ، وأن الضربة التي تؤلمك تعلمك الصبر ، وأن الكلمة التي تؤذيك توسع الصدر.
فليقولوا ما يقولوا ، وليستنكروا ما بدا لهم ، فطريقي رسمته منذ سنين ، وعليه الآن أسير ، وكل ما حدث وسيحدث متوقع ، بل إني توقعت ما هو أسوأ والذي لم يحدث إلى الآن. أتريدني أن أغض الطرف لأجلك ولغيرك؟ أتريدني أن أتنازل لأوهامك؟ ما الذي يجعل إيمانك صادقا وإيماني كاذبا؟ بل ما الميزان الذي حكمتم عليّ به؟ أكاد أجزم أن ذنبي الأكبر ليس الفعل ذاته ، ولا أفكاري نفسها ، ذنبي الأكبر أني قلت ما كتمتم في صدوركم وخشيتم أن تخرجوه للناس ، فعلت ما عجزت عنه أيديك وخفتم العقاب. ذنبي لأني سبقتكم وتجاوزتكم ولم ألتفت إليكم. لا تظنوا لحظة واحدة أني سألتفت ، فالأرض التي عليها الآن لا حدود فيها ، لا سدود ولا قيود ، لا أغلال ولا حديد ، لا شرطي يطاردني ، ولا جلاد يلاحقني. أملك نفسي بنفسي ، وأسيّرها حيث أريد وأرى. أما أنتم فقد رضيتم بالقليل ، واكتفيتم باليسير ، والأدهى أنكم بقليلكم تفرحون ، وبيسيركم تفتخرون. كلها آمال زائفة ، ومفاخر كاذبة وستلعمون الحق ولو بعد حين.
أتدري يا صديقي كيف كان الحال قبل أعوام وأعوام؟ ألم أقل لك حينها ما قلته لك اليوم؟ ألم تنعتني بالجنون أيضا ذلك الوقت؟ ألم تعنفني وتهددني وتضيق عليّ؟ توعدت وأرعدت وأرغيت و أزبدت واحمرّ وجهك وعلا صوتك وأنت تصرخ بي "اصمت قطع الله لسانك". لعل صوتك قد بح فلا أسمعه الآن ، ربما كلماتك لا تزال ذات الكلمات ، إلا أني متأكد أن ما في لسانك غير ما في صدرك ، الأنفاس تفصح ما لا يفصح عنه اللسان ، الأعين والزفرات تستصرخانك أن تقول الحق والصدق ، لماذا تصر على طمس ما يختلج في أعماق أعماقك؟ لماذا تأبى أن يخرج الطفل البريء الجميل في داخلك؟ لما تضع العقبات و المطبات في طريقك؟ أنت فقط من يملك أمر نفسك ، لا تنتظر مني أن أمد لك يدي يوما ، فما بداخلك لا تصله كلماتي ولا يصله صوتي ولا قلبي ، هو صندوق مفتاحه عندك وحدك.
أما أنا فأشد الناس فرحا اليوم ، اليوم أستطيع أن أخلع القناع الذي وضعته عن وجهي ، اليوم أستطيع أن ألبس ثوب الحقيقة الأبيض بعد أعوام من ملابس الكذب والغش والخداع. اليوم أستطيع أن أقف على سفح الجبل وأصيح بأعلى صوتي "ألم أقل لكم؟" أجبرتموني سابقا على الصمت والذل والخنوع وظننتم أن نار صدري انطفأت و وقود عزمي نفد ، ظننتم أن بسمتي الزائفة دائمة ، وأن "حماقات" الماضي ذهبت بلا عودة. الآن تدركون جيدا أنكم خدعتم أنفسكم ، تدركون أني لم أغير ولم أتغير ، تدركون أن الثوب الذي ألبستموني إياه لم يكن لستري ، ولكن لستر أعينكم. اخترتم حينها أقصر الطرق وأقلها عناء ، وضعتم آلاف الحجب على بصائركم ، ترون الحق بأعينكم وتأباه قلوبكم ، استكنتم إلى الراحة والدعة وغرتكم أمانيَ كاذبة. اليوم تعلمون أن ما بي من عيب إنما عيب أنفسكم التي لم تدرك وقتها أنّ ما عليّ ليست جراحا ، وأنّ تلك الزوائد أجنحة حاولتم كسرها وإنكارها ، اليوم ترجعون إلى أنفسكم قائلين "أصاب وأخطأنا" وكل ما أتمناه ألا تنتكسوا بعد رجعتكم تلك .








