عــلى قارعـة الطـريق - المدونات - سبلة عُمان
1-Click Setup for WordPress, Drupal & Joomla!

مـن أنـت؟

عــلى قارعـة الطـريق

قيّم هذه المشاركة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..


حاولت مرارا خلال الأسابيع الماضية أن أمسك القلم لأكتب بعض خواطري ، ليس لأن يقرأها أحد غيري ولكن لأفرغ فيها شحنات نفسي. والحق أني كلما بدأت بكلمة أعود لأمسحها وكلما فكرت في جملة أتراجع عنها ، خوفا من نفسي أولا ومن غيري إن قرأها ثانيا. ولكن الآن وبعد تفكير طويل لم أعد أكترث من سيقرأها ومن ستعجبه ومن لن تعجبه. هي أفكاري وخواطري وما يعتلج في نفسي ، ولا أظن أن فكرة لم تطبق أو غيظا لم يخرج سيؤثر على فرد أو يؤذي أحدا. فإن كنت تقرأ هذه السطور فاعلم أنما كتبتها لنفسي لا لك ، فإن خاطبت أحدا فأخاطب عقلي وضميري ، وإن أنبت أحدا أنبت نفسي وضميري ، لذلك قر عينا ، فليس بيني وبينك شيء .

بدأ الأمر عندما التقيت بشاب بهي الطلعة ، متوسط الطول ، حسن الملامح ، التقيت به صدفة وأنا أجول شوارع العاصمة ، لم يكن من عادتي أن أقف لأحد في شارع غير الشارع الرئيسي ، فالحوائر الداخلية أصبحت مرتعا خصبا لحوادث إجرامية ، وسرقة ونهب وسلب ، بل أن البعض ضربوا ضربا مبرحا رغم أنهم لم يقصدوا إلا خيرا . والأنكى من ذلك عجز الشرطة أو كسلهم عن البحث عن الجناة حتى أصبح هذا الأمر عاديا جدا أن يحدث ، وانتشرت ثقافة "الوقاية خير من العلاج" عند الناس . الأمهات دائما يوصين أبناءهن "لا تركبوا مع شخص لا تعرفونه ، ولا تثقوا في فلان و فلان وفلان" ، وكعادة المرأة الشرقية ، الترهيب عندها مقدم على الترغيب (عادات المجتمع ككل وليس المرأة فقط) إن لم يلتزم ولدها بتعاليمها حل عليه غضبها وناله منها الويل والثبور. في ظاهر الأمر قد يظن البعض أني أبالغ في قولي ، ولكن الحقيقة أحيانا تكون أكثر سذاجة و بساطة من الفكرة ، وأعني أنه ربما سمعنا بسلب ونهب ، ولكننا لم نسمع عن قتل واختطاف وضرب مبرح واعتداء جنسي وغيرها ، ولكن الواقع يقول أن ذلك كله موجود ولم نعلم لأن السلطات تسترت عليه أو أن صاحب العلاقة لم يتكلم .

لماذا؟ السمعة .. السمعة نعم ، ومن منا لا يخاف على سمعته بين الناس ، وأجد نفسي الآن أتذكر بيت الشاعر جرير "وغض الطرف إنك من نمير *** فلا تميم بلغت ولا كلابا" قد يبدوا البيت عاديا لمن يقرأه أول مرة ، ولكن الممعن فيه و الممحص للأمور والعالم بأحوال العرب وشؤونهم تلك الفترة يعلم أن هذا أقذع الهجاء وأشده .. هاه كيف؟ الشاعر لم يكتفي بتحقير غريمه فقط ، ولم يكفيه تحقير أسرة غريمه فقط ، بل تجاوز ذلك كله إلى قبيلته بأكملها ، فإن كانت قبيلته لا تساوي شيئا أمامه ، فماذا سيساوي غريمه؟ وأكاد أجزم ألو كان غريمه فارسيا أو روميا لن يكتفي جرير بالقبيلة ، ولكنه سيتعدى ذلك إلى وطنه بالكامل ، فليحمد ربه إذن أنه عربي مسلم وإلا لناله ما هو أشد من ذلك وأنكى. الهجاء وما أدراك ما الهجاء ، كم من الأقوام عزوا بعد ذل ببيت مدح ، وكم من أقوام كرام ذلوا بعد عز بسبب بيت ذم ، وكم من الملوك صورتهم قصائد الشعراء بأعدل الملوك وفي الواقع هم نقيض ذلك ، وكم من ملك عادل ساءت سمعته بسبب هجاء شاعر ، ومن أراد أن يبحث في ذلك فعليه بالمتنبي و سيرته مع سيف الدولة الحمداني و كافور الاخشيدي .

نعود لشابنا المليح (والحقيقة لست متأكدا إن كان لكل ما قلته آنفا علاقة بأخينا) رأيته رافعا يده على جانب الطريق في أحد الشوارع الفرعية والتي لا تمر فيها سيارة إلا كل ساعة تقريبا ، الشمس حارقة جدا ، فقط يكفي أن تجلس تحتها لدقائق للاستحمام بنهر من العرق. لا أعلم أي مشاعر كانت في قلبي وقتها ، هل رق قلبي له؟ أم أحسست بأنه ليس ذا خطر؟ أم أني توقفت دون تفكير أصلا ، لا يهم ، المهم أني توقفت بجانبه وبدوره لم يضيع ثانية واحدة وما هي إلا دقائق حتى عرفت أن اسمه عيسى وهو ككل شباب اليوم "باحث عن عمل" أو "في المرحلة الإنتقالية" إن شئت الدقة . بخلاف ما قد تظنه أول الأمر عنه ، كان كثير الكلام ، قبيح اللسان والأنكى من ذلك سطحي التفكير. يريد عملا على "مقاسه" وله اشتراطات في ذلك أيضا، مكتب ومكيف وحاسب ، وأظن لولا الحياء لقال سائقا وسيارة. طبعا حتى الراتب له شروط و شروط ومقاسات وطول وعرض ، باختصار هذا الشاب يريد أن يصبح مليونيرا في أقل من عام.

لم تكن سلوكياته على ما يرام أيضا ، فأول ما ركب السيارة لم تعجبه درجة التكييف لذلك سمح لنفسه بالزيادة ، ولم تعجبه المحطة الإذاعية التي كنت أسمعها فغيرها إلى أخرى ، طبعا دون استئذان. إلا أني تجاهلت ذلك كله لأني أعلم يقينا أنه سيهبط عني بعد 10 دقائق لا أكثر ، كل ما علي فعله أن أوصله إلى نقطة تجمع سيارات الأجرة وأنطلق في أمان الله تصحبني الدعوات والبركات. حسنا .. هذا لم يحدث أيضا. فبلهجة آمرة طلب مني أن أوصله إلى دكان قريب من الشارع الذي كنا فيه ، استنكرت ذلك بقوة في نفسي ، ولكنني لم أعترض أيضا. غاب داخل الدكان لأكثر من ربع ساعة بعد أن أكد عليّ أن أنتظره وعند عودته وبكل بساطة قال أن ما يريده ليس هنا وإنما في مكان آخر يبعد دقائق عنا. ومرة أخرى ذهبت حيث أراد ، ولمد نصف ساعة أنتظر خارج الدكان عسى ألا يتأخر. بعد برهة من الوقت رأيته يشير إلي من داخل الدكان أن آتيه ، فعلت مثلما أراد ، وياللعجب ، طلب مني مساعدته في حمل صندوق كبير وثقيل جدا ، طبعا إلى سيارتي. لم أعترض على هذا أيضا.

اقتربنا من نقطة سيارات الأجرة حيث كنت سأنزله ، إلا أنه سألني إلى أين أنا ذاهب ، وبقدرة قادر صور لي أننا في نفس الطريق ، طبعا هو يبعد عني قليلا فقط ، مسألة دقائق فقط. وبسذاجة صدقته. لذلك تجاوزنا سيارات الأجرة ، وتجاوزنا منزلي ومضينا بعيدا ، وكل خمس دقائق أسأله أين نحن ذاهبون ويقول لم يبق إلا القليل فقط ، وهذا القليل بلغناه بعد 45 دقيقة عندما أشار علي بالوقوف إلى جانب محل صغير على جانب الطريق ، حيث قال أن صديقه ينتظره. توقفنا وكنت أكثر منه حماسا عندما رفضت مساعدة صديقه في نقل الصندوق من سيارتي إلى سيارته. فلم أشأ أن أصرخ في وجهه الآن بعد أن تحملته الساعات الماضية. وقبل أن أعود إلى سيارتي سمعته يناديني ، وأقسم أني أحسنت الظن به ، ظننت أنه يريد أن يشكرني على تعبي معه وتحملي إياه الساعات الماضية رغم أني لست مجبرا على ذلك. ولكن ما إن اقتربت منه أظلمت الدنيا في ناظري ولم أعد أرى شيئا .

هل انظفأ النور فجأة؟ طبعا لا فقد كنا في الخارج تحت ضوء الشمس الحارقة؟ ماذا حدث إذن؟ بكل بساطة عيني التي انطفأت وليس الشمس أو النور. لا أذكر التفاصيل بالضبط ، ولكني أذكر أني سمعت صوت ارتطام شيء برأسي من الخلف وبعدها استيقظت في المستشفى. وبسذاجة شديدة سألت أخي (الذي لا أعرف متى وكيف ولماذا كان بجانبي وقتها) سألته ببساطة أين أنا ولماذا هو هنا؟ وبعد الكثير من عبارات المواساة والسؤال عن صحتي و و .. تعلمون ماذا ، وقبل أن يقول شيئا أخر رأيت شرطيا واقفا على الزاوية يتحدث إلى إحدى الممرضات وهو يشير إلي. لم أكن بحاجة إلى الكثير من الذكاء لأعلم ما حدث. فيبدو أن من أحسب أن اسمه "عيسى" وصديقه ضرباني وسرقا أموالي وبطاقتي البنكية ، و سيارتي. بعدها تركاني في العراء تحت الشمس غارقا في بركة حمراء ، قيل لي أنها خرجت من رأسي .

وكعادة الشرطة هنا ، لم يعثروا على عيسى ولا على صديقه ، ولا على سيارتي كأنما انشقت الأرض وابتلعتهم ، بل أن أفراد المركز الذي كنت أراجعهم باستمرار ملوا مني وكرهوا رؤيتي ، رغم أن كل ما أريده منهم هو حقي وتنفيذ عملهم لا أكثر . خلاصة القول: أقسمت بعدها ألا أقف لأحد أبدا فدفع المضرة أولى.

ودمتم سالمين .
المجموعات
غير مصنف

تعقيبات

  1. صورة عضوية في طريق الحق أسير
    في بادىء الأمر و للوهلـة الأولى ظننت ان هذه المرة الأولى لقلمك في الكتابة
    و لكن من الواضح ان لكـ باع طويلا في نسج الحروف و الكلمات
    راق لــي ما كتبت و راقت لـــي فصاحتكـ
    و هـي دائما هكذا هـي الحياة , جملة من التجارب
    و الذكي هو من يستفيد منهـــا !!!

    متابعة لكـ
    دمت مبدعا