صالح عبدالله البلوشي
الجابري وإستقالة العقل في الإسلام " 2 "
بواسطة بتاريخ 30/09/2010 في 05:30 PM (732 الزيارات)
ومن الغريب أيضا أن الجابري استدل أيضا على هرمسية الشيعة والصوفية بحديث "إن الله خلق آدم على صورته " حيث قال " حفظت لنا كتب الفرق والمقالات كثيرا من الاطروحات التي قال بها الغلاة والروافض والتي لا يمكن الشك في هرمسيتها ومن ذلك قولهم " إن الله عز وجل على صورة الإنسان " ومعلوم أن الفلسفة الدينية الهرمسية تقول بان الله خلق آدم على صورته " أي على صورة الله نفسه فالله والإنسان كلاهما على صورة واحدة "
أولا : لست أدري أين ذكر الصوفية والشيعة أن الله عز وجل على صورة الإنسان .
ثانيا : عبارة " خلق الله الإنسان على صورته " هو حديث نبوي مذكور في الصحيحين البخاري ومسلم وهناك من العلماء من ذكر أن عبارة " صورته " الضمير يعود الى الله مثل ابن خزيمه في كتابه " التوحيد " عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه " الرد على المتعصب العنيد " وقد ألف الشيخ حمود بن عبدالله التويجري وهو من المعاصرين كتابا في إثبات ذلك وهو " عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن "
فهل الهرمسية تسربت أيضا إلى هذه المصادر ؟
كل ذلك يثبت أن الكثير مما طرحه الجابري في كتابه كان يخضع للتأثير الأيديولوجي أكثر منه من البحث الأبستمولوجي .
وهذا الإقصاء غير المنهجي للتيارات المنسوبة إلى التشيع عن المعقول الديني دفعت باحثا كبيرا مثل الأستاذ جورج طرابيشي إلى القول في كتابه " مذبحة التراث " ص 80 " إن الجابري باصراره على أن يرى في كل غابة الفكر الشيعي شجرة واحدة هي على وجه التعيين شجرة الهرمسية التي لا يجري في عروق كل غصن من أغصانها سوى نسغ " اللامعقول " فإنه يكون قد وحد كل اشجار الفكر السني أيضا في غابة واحدة مقابلة تستظل وحدها بفيء " المعقول الديني " ويكون قد حفر ما بين الغابتين خندق حرب غير قابل للردم أو للتسوية " وتكريسا لهذه القطيعة الايديولوجية الحادة ما بين الغابتين وتعميقا لها فإن ناقد العقل العربي يعمدها – بغير إضافة المزيد من الشرعية " العلمية " عليها باسم القطيعة الابستمولوجية "
وقد قوبلت أطروحة الدكتور الجابري في العقل المستقيل في الإسلام بالكثير من الإعتراضات المعرفية في الوطن العربي والإسلامي حتى إن الدكتور طيب تيزيني وصفه في مقال له في مجلة العربي الكويتية بالفيلسوف الفرنسي رينان لإقصائه الشائن لمساحات كبيرة من ثمار عقول المسلمين
وكان الباحث السوري جورج طرابيشي هو من أبرز من تصدى للرد على الجابري وذلك في الجزء الرابع من سلسلته النقدية " نقد نقد العقل العربي " الذي عنونه ب " العقل المستقيل في الإسلام " حيث يرى طرابيشي أن الدكتور الجابري قد وقع في مطبات معرفية كبيرة منها إدعاء الجابري أن أفلوطين كان مسيحيا رومانيا حيث أثبت طرابيشي في كتابه ان افلوطين كان من مواليد مدينة أسيوط المصرية وانه كان فلاحا وثنيا ويقول أيضا بأن صاحب نقد العقل العربي قد وقع ضحية الراهب الدومنيكاني الأب فستجويير في أحبولة لعبة إحضار وتغييب كبرى إحضار هائل للعرفان الهلنستي تحت أسماء شتى ( الغنوصية , الهرمسية , الأفلاطونية المحدثة بصيغتها " المشرقية " وتغييب تام للبيان المسيحي ( في صورة وحي إنجيلي منزل واعمال الرسل وكتابات آباء الكنيسة الاوائل في طور اول ثم بيانات الاعتقاد ودوجمائيات المجاميع الكنسية المدعومة بقبضة السلطة الزمنية منذ أن تنصرت الدولة الرومانية في القرن الرابع عشر في طور ثان " ص 74 .
كما قام طرابيشي بالرد على إدعاءات الجابري حول هرمسية إخوان الصفاء واثبت بالأدلة من الموسوعية الفلسفية الكبرى لهذه الجماعة إنها أبعد ما تكون عن هذه الصفة كما نفى أيضا أي صلة لأخوان الصفاء بمذهب الإسماعيلية واستدل على ذلك بموقف هذه الجماعة من الإمامة وكذلك رأيها الإيجابي في الخلفاء الراشدين وكذلك رأيهم في مقتل الخليفيتين الراشدين عثمان وعلي فإن خطاب أخوان الصفاء في ذلك متوجه إلى الامة جمعاء وليس إلى فرق الأمة فبدلا من أن يحذوا حذو الفرقتين السنة والشيعة في بكاء كل منهما قتيلها وشهيدها فإنهم يبكون القتيلين معا باعتبار مقتلهما سببا ونتيجة معا للفتنة الكبرى في تاريخ الإسلام .
كذلك أثار زج الجابري باسم الفيلسوف الإسلامي الكبير ابن سينا من ضمن المروجين للفكر الغنوصي في الإسلام استغراب الكثير من الباحثين خاصة وإن الجابري لم يكتف بذلك بل وصف ابن سينا في كتابه " نحن والتراث " بأنه أكبر مكرس للفكر الغيبي الظلامي في الإسلام ومنهم الباحث الإسلامي كمال الحيدري في كتابه " مدخل على مناهج المعرفة عند الإسلاميين " حيث عقد فصلا خاصا عن فلسفة ابن سينا المشائية حيث اكد في الصفحة رقم 203 أن الشيخ الرئيس تبنى موقفا وسطا من التيار الذي وقف موقفا سلبيا تجاه العرفان الإسلامي ومسائل المكاشفة والشهود وبين التيار العرفاني الذي ادعى أنه لا سبيل لمعرفة الحقائق واكتساب المعارف إلا عن طريق المجاهدة وتصفية القلب فقط، بينما يظهر من بعض مؤلفات ابن سينا وخاصة "الإشارات والتنبيهات" أنه آمن أن الطريق لمعرفة الحقائق الوجودية لا ينحصر فقط في البرهان والاستدلال العقلي المحض وإنما يمكن أيضا الوصول إلى تلك المعارف من خلال المكاشفات العرفانية أيضا وإن بقي معتقدا أن السبيل الوحيد في المقام الثاني من البحث هو الاستدلال العقلي لإثبات تلك الحقائق للآخرين
ويرى المفكر اللبناني الدكتور علي حرب أن محاولة الدكتور الجابري تنزيه العقل العربي عن اللامعقولية وأنه عقل صاف لا ينطوي في الأصل على جانب لامعقول وإقصاء اللامعقول إلى خارج الثقافة العربية أنه يصدر عن نزعة إصطفائية وإذا شئنا تعبيرا أكثر تداولا نقول إنه يصدر عن نزعة عربية مركزية ولذلك نجد الجابري يعزو اللامعقول إلى مصدر غير عربي أي إلى ذلك العالم الغريب عالم الشرق القديم الذي يجسد حسب رأي ناقد العقل العربي الخرافة والسحر والنزعة الظلامية وفي داخل المركزية العربية تنحصر نظرة الجابري في المعقول في داخل الدائرة السنية دون الدائرة الشيعية ثم تضيق أكثر فأكثر لكي تقتصر عند عرب المغرب وسنته أما الآخرون الواقعون خارج الدائرة المغربية من عرب وغير عرب فإنهم ينتمون عند الجابري إلى عالم اللامعقول عالم الأسطورة والسحر والتنجيم .
لذلك يقول الباحث جورج طرابيشي في كتابه " مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام ص 110 " وفي الواقع إن يكن في الثقافة العربية الإسلامية من أقال العقل والزمه الاستقالة فما هم كما يقول مؤلف " نقد العقل العربي " ابن سينا " وظلاميته المشرقية القاتلة " ولا متابعو الفيثاغورية والأفلاطونية المحدثة من أشباه إخوان الصفاء ولا المتصوفة ولا على الأخص الغزالي المتهم بأنه مؤسس أزمة العقل في الإسلام و " مهرمسه " بل هم منهجيا وابستمولوجيا – وليس فقط أيديولوجيا – المحدثون وبكيفية خاصة المتأخرون منهم .
هذا المقال نشر في جريدة عمان
http://main.omandaily.om/node/17996









