صالح عبدالله البلوشي
الجابري وإستقالة العقل في الإسلام " 1 "
بواسطة بتاريخ 30/09/2010 في 05:28 PM (607 الزيارات)
فقد الفكر العربي المعاصر في الثالث من مايو الماضي واحدا من ابرز رموزه المعاصرين وهو المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري الذي انتقل إلى ربه عن عمر يناهز 75 عاما .
شغل الجابري الفكر العربي والفلسفي المعاصر كثيرا ببحوثه المتنوعة التي أثارت الكثير من النقاش والجدل بين المفكرين العرب وخاصة سلسلته الشهيرة حول نقد العقل العربي والذي قام من خلاله بتحليل العقل العربي عبر دراسة المكونات والبنى الثقافية واللغوية والمعرفية منذ عصر التدوين وصنف من خلالها البنى المعرفية التي يقوم عليها الفكر العربي إلى ثلاث وهي البيان والبرهان والعرفان انتقل بعدها إلى دراسة العقل السياسي العربي واعتمد من خلاله على تفسير معرفي آخر وهو القبيلة والغنيمة والعقيدة وختم مشروعه النقدي الكبير بدراسة ونقد العقل الاخلاقي العربي .
عرف الجابري بنظريته الشهيرة حول العقل المستقيل في الإسلام والذي سوف أتطرق إليه في هذا المقال البسيط. أثارت هذه النظرية الكثير من الجدل في الأوساط الفكرية والإسلامية المختلفة فمن مؤيد لها يرى الموقف السلبي الذي لعبته الفلسفات الهرمسية والغنوصية في استقالة العقل في الإسلام إلى آخر معارض يرى ان إستقالة العقل في الإسلام هي مأساة داخلية ومحكومة بآليات ذاتية يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه. بقى الجابري يراقب ما يحدث وما يكتب هنا وهناك ولم يعرف عنه أنه قام يوما بالرد على أحد من منتقديه رغم الكم الهائل من الكتب التي ردت عليه وعلى منهجه وأبرزها سلسلة " نقد نقد العقل العربي " في اربعة اجزاء كبار للباحث السوري جورج طرابيشي إضافة إلى مقالات عديدة لكتاب بارزين أمثال الطيب تيزيني وعزيز العظمه وعلي حرب ومحمد جابر الانصاري وجواد علي كسار وغيرهم .
في اطروحته الفكرية المهمة " نقد العقل العربي " طرح الدكتور محمد عابد الجابري نظريته الشهيرة حول العقل المستقيل في الإسلام ويقصد بها الفلسفات القديمة التي يرى الجابري انها انتقلت واندمجت في الثقافة الإسلامية حتى أصبحت مع السنوات جزءا أصيلا من ثقافتها واحد اهم المرتكزات الفكرية التي تقوم عليها .
ويقصد الجابري باللامعقول أو العقل المستقيل في الإسلام الهرمسية والغنوصية والمانوية والصابئية والأفلاطونية المحدثة وخاصة في صيغتها المشرقية وسائر المعتقدات القديمة التي جاءت قبل الإسلام ويعتقد الجابري أن الثقافة الإسلامية وظفت ذلك الموروث أو جوانب منه على الأقل توظيفا جديدا واضفت عليه معنى آخر إسلاميا .
والهرمسية هي نظام معرفي نسبة إلى هرمس " المثلث الحكمة " كما هو شائع في المؤلفات العربية وهومس في الأصل اسم لاحد آلهة اليونان المرموقة عندهم وأما الهرمسية كفلسفة دينية فترجع إلى مجموعة من الكتب والرسائل تنسب إلى هرمس المثلث بالحكمة الناطق باسم الاله أو الذي يقدم أحيانا على أنه هو نفسه إله . وأهم القضايا الرئيسية التي يعالجها الفكر الهرمسي كما يقول الجابري تدور حول قضية الألوهية ونشوء العالم وقضية النفس وخلاصها وقضية وحدة الكون وتبادل التأثير بين أجزائه .
ويرجح الدكتور الجابري أن الأدبيات الهرمسية بأشكالها المختلفة من غنوصية وفيثاغورية وغيرها قد انتقلت إلى الثقافة العربية الإسلامية على مرحلتين في المرحلة الاولى كان المصدر هو الإسكندرية وربما بعض فروعها في فلسطين أيضا وأما في المرحلة الثانية فقد كانت مدرسة حران هي مصدرها الأساسي .
ولكن هل انتقلت هذه التيارات اللاعقلانية بشكل مباشر إلى الثقافة الإسلامية أم إنها دخلت من خلال تيارات أخرى؟ يرجح الدكتور الجابري أنه من الممكن لفكرة معينة قد تنتمي في اصلها إلى تيار معين أن تنتقل إلى ثقافة أخرى عبر تيار آخر، ولذلك لا يستبعد الجابري أن يكون الغنوص اليهودي قد انتقل إلى الثقافة العربية من خلال الأفلاطونية المحدثة – مثلا – وليس من خلال الإسرائيليات ونفس الشيء يمكن أن يقال بالنسبة للمانوية التي يمكن أن تكون بعض عناصرها قد دخلت إلى الثقافة العربية عبر الهرمسية أو باسمها .
والملاحظ في كتابات الدكتور الجابري بالنسبة إلى نظريته في العقل المستقيل في الإسلام أنه يحصر دوائر التأثير بالثقافات السابقة للإسلام في ثلاثة تيارات أساسية وهي الشيعة (والدكتور يشير إليها بشكل دائم باسم الرافضة وهي تسمية أيديولوجية قديمة نشأت تحت مظلة الصراع الطائفي والسجال المذهبي القديم بين السنة والشيعة وأنا أستغرب جدا من لجوء الجابري إلى استخدام هذا المفهوم ذي الصبغة الطائفية في عمل يفترض انه أبستمولوجي مما يوحي بتأثره الشديد بخلفيته الأيديوجية المذهبية والتي ظهرت أيضا في كتبه الاخرى وخاصة كتابيه " بنية العقل العربي " و " العقل السياسي العربي " وكتابه " مدخل إلى القرآن الكريم " ولعلي سوف أكتب عنها في بحث مستقل) والإسماعيلية وهي (جزء من الشيعة) بالإضافة إلى الصوفية والجهمية. ويعتقد الجابري أن جميع التيارات القديمة التي جاءت قبل الإسلام قد اندمجت في العهد الإسلامي في صيغة واحدة وهي الفكر الشيعي وما ارتبط به من تيارات باطنية كالإسماعيلية والفلسفة الإشراقية وجماعة أخوان الصفاء الفلسفية وغيرها والصوفية ويستبعد التيارات الأخرى المنضوية تحت اسم الإسلام مثل المجسمة والمشبهة والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم بل انه حتى عندما كان يتحدث عن المجسمة والمشبهة فانه ينسبهم إلى الفكر الشيعي وخاصة إلى المتكلم الشهير هشام بن الحكم وهذا بعيد عن الصواب ومجانب للحقيقة لمن عرف الفكر الشيعي بتياراته الرئيسية الثلاثة الإمامية والزيدية والإسماعيلية وتبحر في اعماق مؤلفاتها في الفلسفة وعلم الكلام وخاصة آراء هشام بن الحكم الذي كان بعيدا عن المجسمة والمشبهة وكل الآراء التي نسبت إليه فإنما هي من كتب مخالفيه في المذهب وخاصة المعتزلة . .
يقول الجابري في أطروحته النقدية في كتاب " تكوين العقل العربي " الصفحة رقم 199 إن الهرمسية كانت لها الحضور المبكر في أطروحات بعض المتكلمين الاوائل ويخص بالذكر منهم ثلاث فرق وهي الشيعة إضافة إلى الغلاة والجهمية ولم يذكر لنا الجابري ماذا يقصد من الغلاة الذين يشار إليهم في الفكر الشيعي بانهم الذين غالوا في اهل البيت حتى اخرجوهم عن البشرية ورفعوهم إلى مصاف الأنبياء والآلهة ولكن يبدو من خلال بعض النصوص التي نقلها عن المستشرق ماسينيون أنه يقصد بذلك غلاة الشيعة ولذلك استشهد بعبارة ماسينيون الشهيرة " الشيعة أول من تهرمس في الإسلام " ولكنه وللأسف الشديد لم يذكر للقارىء أن علماء الشيعة من الزيدية والإمامية وفلاسفتها ومتكلميها الكبار هم أول من قاوموا هذه الآراء الهرمسية وردوا عليها بالحجة والدليل وأعلنوا براءتهم منها ومن قائليها ولو كلف الجابري نفسه قليلا ورجع إلى كتب متكلمي الشيعة الكبار مثل " كتاب " تجريد الإعتقاد " للمحقق والفيلسوف نصير الدين الطوسي وكتاب " التوحيد " للشيخ الصدوق وكتاب " النكت الإعتقادية " للشيخ المفيد وكتاب " مناهج اليقين " للعلامة الحسن بن المطهر الحلي والموسوعة الفلسفية الكبرى " الأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية " للفيلسوف الكبير صدر الدين الشيرازي وغيرها لو فعل الجابري ذلك لربما فصل في كتابه بين آراء الشيعة واعتقادات الغلاة ولكنه للأسف لم يفعل ذلك بل ولم يستعن في بحثه الكبير وبحوثه الاخرى بأي من المصادر الشيعية والزيدية والإسماعيلية بل نقل عنهم من كتب خصومهم سواء المستشرقين أم الأشاعرة وحتى في النقل فانه لم يلتزم بالامانة المنهجية بل كان يتصرف أحيانا في النقل بما يناسب كلامه ومنهجه فهو مثلا استدل على هرمسية الفكر الشيعي بما نقله عن الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين حيث نقل عنه أن الشيعة بأجمعها باستثناء الزيدية ينكرون امكانية التوصل إلى معرفة الله بطريقة النظر والقياس وأن المعارف كلها اضطرار وأن الخلق جميعا مضطرون وان النظر والقياس لا يؤديان إلى علم وما تعبد الله بهما وطبعا فإن غرض الجابري من نقل هذا النص هو إثبات هرمسية الفكر الشيعي في التوحيد لان هذه هي مقتضيات التوحيد الهرمسي كما يقول الجابري ولكن ما نقله الجابري عن الأشعري لم يكن دقيقا إذ تصرف في نص الأشعري بما يوافق كلامه ومنهجه لأن الأشعري ذكر في كتابه آراء فرق الشيعة في النظر والقياس ولم ينسب إنكار ذلك إلا إلى فرقة واحدة منهم فقط وليس العكس كما يقول الجابري .









