الفتى المجتهد
بقلم محمد رضا اللواتي
عندما أجرينا مقابلة شاملة مع معالي محمد الزبير قبل عدة أسابيع ضمن حلقات "شاهد على النهضة"، سألناه عن هذا الصرح الاقتصادي المتين على أرض السلطنة، وكيف كانت أولى خطواته، فأجاب بأن نخبة من أصحاب الأعمال لبوا نداء صاحب الجلالة لبناء عمان فالتفوا حوله وبدأوا بوضع اللبنات الأولى لهرم القطاع الخاص العماني، واليوم وبعد مضي أربعين سنة على هذه النهضة، نرى أن أولئك الأوائل لا يزالون يتربعون على أعلى هذا الهرم المتين الذي لم تضعضعه كثيرا أعوام الركود الاقتصادي الشديد.
واليوم، يحضتن القطاع الخاص قرابة 204 آلاف و838 مواطنا عمانيا، وقد قام بتأهيل العديد منهم مهنيا، ولا يزال يقوم بدوره، ناهيك عن دوره في بناء اللبنات للبنى الأساسية وفي مجال تنمية الموارد البشرية أيضا، حتى وصفت الحكومة الرشيدة دوره في العملية التنموية "بالشريك". هذا الشريك الذي لم يكن العديد من خريجي المعاهد والكليات وحتى الجامعات يفضلون العمل فيه، وإن فعلوا، فإن أحلام اليقظة كانت تداعب مشاعرهم باستمرار لعلها تتحقق ويجدون أنفسهم وقد انتقلوا إلى قطاع الراحة وهدوء البال والخروج من الدوام قبل الثانية ظهرا وتأجيل عمل اليوم إلى الغد.
لقد لفتت هذه الظاهرة مجموعة من الدراسات التي تمحورت حول هذا. فالقطاع الخاص، لا مجال للراغبين في الراحة والكسالى من المدللين في شغل وظائفه، فهو يعد أوقات حضور الدوام، وأوقات الخروج، ويخضع كافة موظفيه بلا استثناء لنظام تقييم الأداء السنوي وأحيانا النصف سنوي، ولا يمنح الترقيات والزيادات إلا لذوي الأداء الجيد والجهد المتميز، وعندما يبعث موظفيه للدورات، يريد أن يرى أثر تلك الدورات على أدائه في الميدان، وكم من المرات يستدعي موظفيه في أوقات الإجازات الرسمية، لتنفيذ تكاليف غاية في الأهمية، كل هذا للإسراع في عملية بلوغ الأهداف، والتي تصب كلها في نهاية المطاف في تنمية الموارد البشرية لا سيما العماني، والاقتصاد العماني.
لذا لم يكن العمل فيه محبوبا جدا، لجدية المسؤوليات التي يضعها على كاهل كوادره. من هنا، فإن وصف القطاع الخاص "بالمدلل" غير لائق به، لمخالفته للواقع القائم والمشهود عيانا، والذي ينبغي أن نصفه به، إن شئنا احتراز الدقة، فهو "المجتهد".
ثمة إتهامات، لم أجد لها مبررا في مقال "الفتى المدلل" في الصفحة الأخيرة بجريدة الشبيبة أمس الأول الاثنين للكاتب محمد بن سيف الرحبي وجهت للقطاع الخاص، الأول: أنه تأخر كثيرا في الاحتفال بالعيد الوطني الأربعين المجيد، والثاني بأنه انتظر حتى يتم الإعلان عن الموازنة الجديدة ليحدد مكاسبه وحجم استحواذه من الكعكة. والثالث أن قوانين التعمين يتم التحايل عليها، الالتفاف على زيادة الرواتب عن المحددة قانونا. ففي الواقع، ليس من المنطقي أن يكون القطاع الخاص قد تأخر دون تنسيق مسبق مع الحكومة، فهذا التوقيت لست أظنه قد جاء إلا بموافقة الحكومة ومعرفتها وتوجيهاتها. كما أن تقديم هذه الصورة المشوهة عنه، أعني صورة المتربص لمعرفة مصالحه أولا قبل أن يحتفي بهذا العيد العظيم، لبعيد غاية البعد عن الواقع، بل لا ينبغي التفوه به على الاطلاق. إذ إن الاستعجال لكتابة عمود ليس مبررا للطخ قطاع كامل بات شريكا منذ الخطوة الأولى للحكومة وإلى يومنا هذا، في عملية التنمية، بهذه الأوصاف، حتى وإن ثبت أن بعضا من الشركات والمؤسسات ينطبق عليها بعض تلك الأوصاف المذكورة في عمود "الفتى المدلل".
لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا بأن أؤلئك الذين يرأسون القطاع الخاص عمانيون، ووطنيون، ومخلصون لبلدهم وأبناء بلدهم، وقد أثبتوا ذلك عمليا على أرض الوطن. فهم اخوانناوأخواتنا. ومن البعيد تماما، بل من غير اللائق أن يوصفوا بأنهم يعملون على الاحتيال على قوانين التعمين! يزخر قطاع المصارف وقطاع النفط والغاز وقطاع الاتصالات بنسب عالية من التعمين، ومن المؤكد أن هذه النسب سوف تزحف تدريجيا لتحتل الصدارة في بقية القطاعات أيضا، طالما أن الرغبة الصادقة موجودة.
أما الإثارة المتعلقة بالرواتب المتدنية، فالأزمة ينبغي فكها وحل عقدتها في أروقة وزارة القوى العاملة أولا، إذ إن العديد من الخبراء يؤكدون أن القانون الذي حدد أقل راتب ممكن أن يمنح لمواطن، قد آن أوانه لأن يضمحل في آخر يحدد أقل راتب يمكن للمواطن استلامه طبقا للمؤهلات الأكاديمية والخبرات ونمط الوظيفة. لماذا لا يوجد نظام يوضح أقل راتب مسموح به لحامل الدبلوم أن يستلمه؟ وصاحب بكالوريوس وماجستير والدكتوراه؟ هذا، ناهيك عن غياب قسم في الوزارة الموقرة لرصد مصير حملة الماجستيرات والدكتوراة، أين هم وما مواقع مسؤولياتهم وأعمالهم، ذلك للمضي بعملية الإحلال الوظيفي نحو أعلى معايير الكفاءة.
إن لهذا الجدول إيجابيات عديدة جدا منها قطع المجال للتلاعب بمنح المرتبات، كما ويمكنه شحذ الهمم لبلوغ مراتب عالية في الدرجات الأكاديمية وكسب الخبرات المتراكمة لأجل تحقيق الأفضل من جهة المردود المالي الذي يضعفه ويصبح مصير الأسرة العمانية في مهب الريح ويؤخر في نشوئها ويفسح المجال أمام تسرب انحرافات اخلاقية وفساد اجتماعي واداري لا يمكن التقدير بحجم مساوئه.
لا نزال ننتظر حدوث تغييرات إيجابية في أنظمة منح الرواتب التي تصدر عن وزارة القوى العاملة، لكي تتماشى مع المؤهلات والخبرات، وننتظر تغير نظام متابعة التعمين بنسب إجمالية، وحلول آخر تتابع نسب التعمين في كل قسم. فعلى سبيل المثال، تتكدس اٌقسام المحاسبة وتوابعها من الخزينة والعملات وغيرها بالوافدين، بينما نجد أن مخرجات الجامعات المحلية في هذا الجانب تسد الاحتياج، إلا أن نسبة التعمين المتوقعة هي إجمالية ضبابية وليست تفصيلية دقيقة تتعلق بكل قسم على حدة.
ولا أجد داعيا الآن أن نتذكر ما حصل في أواخر العام قبل المنصرم وبداية المنصرم، عندما توقفت المؤذونيات عن الصدور، حتى تستكمل فرق التفتيش بحثها عن المخالفات، والعجب أن منع إصدار الماذونيات طال حتى الشركات التي لا تكل جهدا عن توظيف العمانيين، وتضخ الألوف من الريالات في تدريبهم وتأهيلهم. ولا أود التركيز هنا على مدى استياء أصحاب تلك المؤسسات الكبيرة من تلك الإجراءات، والشعور الذي كان يراودهم حينها من قلة تقدير لأدوارهم، هذا فضلا عن الأضرار التي كانت تلحق بهم، وفي آخر المطاف كانت تلحق بالعملية التنموية دون أن نشعر.
لا شك بإشراقة شمس هذه التغييرات وغيرها من تطورات ايجابية كثيرة في الطريق استمرارا لعملية النهضة العمانية ومنجزاتها العظيمة، فسوف ندشن عهدا جديدا للعمانيين في القطاع الخاص، وبالتحديد أولئك الذين يرغبون في أداء دور جاد في عملية البناء، وسوف نفوت الفرصة على من يصطادون في الماء العكر وكل من يرغب في تشويه صورة هذا القطاع الفاعل والحيوي على أرض هذا البلد المعطاء. فالوطنية خط أحمر لا ينبغي المساس به. وكان الله من وراء القصد.