التعصب بين ثقافة الفوز والخسارة
التعصب بين ثقافة الفوز والخسارة
إن كنت رياضيا ، والخطاب هنا للجنسين ، فقد تكون عزيزي القاريء استطعمت يوما لذة الفوز ومن المؤكد أنك شعرت بنشوة عارمة تملأ جسدك بعد أي مباراة كنت تلعبها ، فيرتفع الأدريالين وبالتالي يغمرك الفرح والسرور .
ذلك هو أعزائي طعم الفوز والنجاح والذي حتما لم يأتي من فراغ ، بل جاء نتيجة مجهود وتعب بذل إداريا وفنيا وجماهيريا ..
ولكن في المقابل هل تمعنت في وجوه الفريق المنافس الذي يخسر أي لقاء أو مباراة ؟
إن كنت قمت بالتفرس في وجوه اللاعبين فمن المؤكد أنك لاحظت تبدل الوجوه ، وتغير المزاج
وعض الشفايف ، وتنكيس الرأس ..
فذلك هو شعور الخاسر ، أو المهزوم إذن.
ومن هنا قيل أن المنتصرين يمكنهم إعادة كتابة التاريخ كما يشاؤون ، فلا أحد ينازعهم في حقهم فالخاسر لا وقت لديه للمناوشات ، فكل همه أن يلملم جراحه ، ويعالج نفسه ويواسيها .
فتأثير الفوز إذن له أكثر من فائدة ، أما أثر الخسارة فلها أكثر من ضرر ، لعل أهمها تدني شعبية الفرق المهزومة ، وغياب الاعلام عنها فالإعلام لا يسلط الأضواء إلا على المنتصرين فحسب ، أما المهزومين فلهم الله .
وليت الكارثة تقف عند هذا الحد ، بل حتى الجوائز التي تخصص للمهزوم ، تكون عادة قليلة ماديا ومعنويا ، فالكعكعة إذن يستأثر بها المنتصروحده
فلا شيء يقف أمام حصوله على الجوائز .
لكن ذلك ليس النهاية ، فحتى الجماهير تعزف عن تشجيع المهزوم ، وتصاب بالإحباط الشديد وتشعر بأنها تضيع وقتها سدى ، فمن ليس قادرا على تحقيق الفوز ، فلا فائدة من مؤازرته ، والتعب في الوقوف خلفه . بل أن بعض الجماهير تتحول لتشجيع الفريق المنتصر دائما .
وتصب جام غضبها على اللاعبين والادارة وكل شيء يذكرهم بالفريق الخاسر !
ولئن كانت هذه المشاعر ورودو الفعل متوقعة من جمهور انفق المال وراء فريق ليس همه سوى تحطيم آمالهم ، إلا أن المثيرفي الأمر تصاعد وتيرة التعصب بين الجماهير . وهذا سلوك رياضي واجتماعي مرفوض ، لأنه يقودنا إلى
دهاليز ومسالك من الممكن أن تجعلنا نخسر بعضنا بعضا ، لأجل العاب رياضية الهدف منها الترويح عن النفس ، وتنمية المهارات العقلية والذهنية ، وتطوير القدرات .
وكنت أظن أن التعصب كسلوك اجتماعي موجود لدى العرب فقط ، لكني اكتشفت نفسي كم أنا مخطيء ، فحين كنت أزور اسبانيا ذات مرة في اواخر الثمانينات ، سألني سائق سيارة الأجرة ونحن نمر أمام استاد” سانتياجو برنابيو الخاص بنادي ريال مدريد ، ماهو فريقي المفضل ؟
فقلت له مجاملة له لأني توقعت أن يكون الرجل مشجعا لنادي ريال مدريد ، بحكم سماعي أن معظم سكان العاصمة ، هم من مشجعي النادي الملكي ونسيت أن هناك ناد آخر فيها ، اسمه أتليتكو مدريد ، له جماهيره أيضا . ولذلك فما أن سمع ذلك الرجل ردي ، حتى لزم الوقوف فجأة ، طالبا مني النزول ، وكان يرغي ويزبد ، ويكاد الشرر يطير من عينيه .
فقلت له ماذا حدث إبن عمي ، كنت بخير ؟
قال : يبدو أنه ظهرلي ظرف عائلي مفاجيء ، ولا أريد مواصلة اليوم معك ...
قلت له : طيب ، أمرك سأنزل
ولم أكاثره الكلام ... ولكنه رفض أخذ الأجرة وانصرف في حركة سريعة ...، ثم أوقفت سيارة أجرة أخرى ، ولكني هذه المرة أنا الذي بادرت بسؤال صاحبها هذه .. فقلت له من تشجع
يا ابن العم ؟
فقال لي أنا الذي يجب أن أسألك، فأنت ضيف؟
قلت له أشجع اسبانيا كلها ...
فضحك الرجل ، ضحكة مدوية ، وقال أنت دبلوماسي ..، فلو قلت لي أنك تشجع أتليتكو مدريد لأنزلتك من السيارة . وأتليتكو هذا يوجد في نفس العاصمة مدريد ، المنقسمة على نفسها بين ريال مدريد وأتليتكو مدريد .
فعرفت إذن لماذا أنزلني سائق السيارة الأولى
فهو من المؤكد أنه من مشجعي أتليتكو ؟
أما إن كنت في مقاطعة اقليم الباسك ، فلا تذم فريق اتليتكو بلبابو النادي الرسمي لتلك المقاطعة ، التي يطالب بعض اهلها بالانفصال عن الوطن الام وكذلك الحال إن كنت في برشلونة الاسبانية فلا تتحدث عن ريال مدريد هناك أبدا ، وإلا دخلت في عراك مع الجماهير ، لذا ألزم الحذر .
وإن كنت في انجلترا ، فحذاري إن كنت في مدينة ليفربول خاصة ؛ أن تقول لجماهيرها أنك تشجع مانشستر يونايتد ، فلا أظن أنك ستخرج سالما منها والعكس صحيح إن كنت في مدينة مانشستر ، فعليك أن تلاحظ مكانك ، فهل أنت في القسم الخاص بنادي مانشسترستي ، أم مانشستر يونايتد فجماهير المدينة منقسمة لقسمين .
هذا الحال من التعصب الجماهيري الاوروبي مجرد نماذج قليلة ، وهو موجود في القاهرة فهناك الزمالك والاهلي ، والجماهير المصرية منقسمة ولاء وعصبية بين الناديين ، والغريب هناك أنك حتى لو صادفت شخصا اسكندرانيا ، فهو لا بد أن يكون منتميا لأحد ذلكما الناديين ، رغم أنه يشجع نادى الاتحاد الأسكندري ، ونفس الشيء في بورسعيد ...
هي العصبية إذن والتعصب ، ومن هنا تكون حدة النقاشات ، ومن هنا يمكن أن تثور الجماهير لأي خسارة لفرقها ، وتدخل في صراعات دامية قد تنتهي بالموت في الملاعب ، وقد تنتهي بازمات حكومية تظل توابعها قائمة ، كما حدث أثناء مباراة أقيمت منذ عدة اعوام بين النادي المصري البورسعيدي والأهلي القاهري ، حيث قتل عدد كبير من مشجعي الفريقين في بورسعيد ، لأسباب مجهولة ؛ لا يزال التحقيق جار فيها حتى اليوم ، لكني لا أظن أن النتائج ستخرج عن التعصب كسبب رئيس أدى لتلك الكارثة .
موضوع مفتوح لمناقشة التعصب الجماهيري بشكل عام ، كسلوك مرفوض من قبل علم الاجتماع الجماهيري ، عند تشجيع الأندية .
ـــ فما رأيكم في التعصب ؟
ـــ وما أسباب التعصب ؟
ـــ وكيف يمكن التغلب عليه ؟
ــ وكيف نغرس ثقافة الفوز والخسارة في الجماهير؟
ـــ ما مقترحاتك للقضاء على التعصب الرياضي ؟