في قريتين مختلفتين و لدا. أحدهم أبن مزارع و الأخر من البدو. لم يلتقيا أبدا في طفولتهما، فكلا له محيطه الذي ترعرع فيه. كلا له طموحه اللامحدود في العيش حياة رغيده. أبن المزارع رسم طريقه و حدد هدفه و هو السير في طريق العلم و نيل الشهادة العليا في الدراسة، و ذلك لكي يستطيع تحقيق حياة رغيدة لأهله و له هو خاصة. أما إبن البدوي فلم يكمل الأعدادية، و بمجرد ما سمحت له الظروف للأنخراط في السلك العسكري ، قام بالتسجيل في الجيش رغبة منه في تحسين دخل أسرته و البعد عن ظلف الصحراء، و الأستمتاع بجو المدنيه و المدينه.
أبن المزارع تحصل على درجة جيدة في الدراسة و أبتعث لتكميل تعليمه. سهر الليالي كما يقال، و أخذ على عاتقه الرجوع لبلده، و هو رافعا رأسه و بلقب يشرف كل من يعرفه. كانت رغبته دراسة الطب و الرجوع بلقب الدكتور، و لكن جرت الرياح عكس هواه و أضطر لخوض غمار تخصص آخر لا يقل أهمية عن الطب. عاش حياة الغربة المريرة، و تجرع من كأس المصائب، وهو بعيد عن أهله. جاءه خبر موت أبيه و هو يؤدي إمتحاناته النهائية ، فلم يستطع العودة و تقبيل رأس أبيه قبل دفنه، و لكن صلى عليه صلاة الغائب و هو يقطر عبرات و يذرف الدمعات على فراق أبيه. تخرج و حضر للعمل في بلده.
أما ابن البدوي، فقد ذاق من مرارة العسكرية، و تحمل و طأة العمل الشاق. فالبرغم من عوده النحيل، و شكله الجميل، إلا إنه كان يلاقي أشد صنوف العذاب من مروؤسيه. حتى كره العسكرية، و قرر أنه سوف يرحل، و يحاول أيجاد فرصة آخرى تنقذه من ذل العذاب، و الهوان، و التحرش الذي يتعرض له بين الفينة و الآخرى. كانت ليلة المناوبة له هذه هي آخر ليلة التي قرر بعدها الفرار بنفسه، بعيد عن سلك العسكرية، و لو أضطره الأمر للسفر خارج البلد. لقد سئم الحياة ، و فقد الأمل في أن يستقيم له الأمر. و بينما هو كذلك، إذ رأى سيارة مقتربة من البوابة التي يحرسها. ذهب متثاقلا لكي يرى القادم ، فالمكان ممنوع دخوله إلا بتصريح. تفأجا أن من بداخل السيارة رجلا متلثما، و لا يريد الكشف عن هويته، و هو الآن عديم البارض و كما يقال بالعماني "بايعنها"... حاول مع الرجل الرجوع من حيث أتى، و شرح له إن هذا المكان ممنوع الدخول فيه إلا بتصريح، لكن السائق عاند و رفض، بل و أخذ يقود السيارة ببطئ نحو البوابة. ما كان من الحارس إلا أن أشهر سلاحه و قال له بالحرف الواحد، إذا تقدمت خطوة آخرى سوف أطلق عليك النار. هنا أزاح السائق اللثام عن وجهه، و عرف الحارس أن السائق هو سيده. لم يعتذر الحارس و لم ينبس بكلمة، و إنما فتح له الباب للدخول. جلس الحارس يفكر، و وجد في نفسه بأن أمره قد حسم، فهو قد أعترض طريق صاحب البيت، و لو لم يكن يعرفه، فقرر جمع أغراضه و الذهاب للبيت لأنه ظن في نفسه أن قرار طرده لن يطول حتى ينكشف الفجر. سمع صوت يناديه، تعال أنت مطلوب... هنا عرف أن الأمر أصبح واقع حقيقي، و إنه سوف يسجن و يعذب. سلم الأمر و ذهب حيث طلب منه.... قيل له إن صاحب المنزل قد عينه مرافقا له، لحسن أخلاصه و تفانيه في العمل. هنا أنفتحت الدنيا لأبن البدوي، و أخذ يعيش حياة الرفاهية و الهناء.
أبن المزارع تم تعينه مهندسا في ممتلكات صاحب المنزل السابق. و هنا ساقت الصدفة لكي يلتقي أبن المزارع و أبن البدوي لأول مرة. هذا بخدمة صاحب المنزل و هذا ينيب عن صاحب المنزل في تنفيذ الأوامر. في أول اللقاء، لم يرتاح أحدهما للأخر، و لكن طبيعة العمل تحتم عليهم التوافق و العمل معا. مضت السنين ، و هنا بدأ أبن البدوي و الآن يترفل في ثوب العز، يشمئز من هذا المزارع الفقير الذي سيحاول هو أيضا التقرب لرب البيت... ما العمل إذا؟... يقال الحسد دائما يقتل صاحبه ، إلا إن في هذه القصة ربما لم تتحقق هذه المقولة. أخذ أبن البدوي، والآن أصبح له النفوذ و السلطان، يتحين الفرص لكي يغلط أبن المزارع، و قام بزرع مخبريه و حاشيته لكي يتربصوا بهذا الفقير الذي يسعى جاهدا إثبات نفسه. و كان له ما يريد، لقد و قع أبن المزارع في غلطة ،و هي إنه وثق في أحد معاوينه أن يوقع عقدا بقيمة كبيرة بدون أن يتحقق هو من القيمة الفعلية. أشهر أبن البدو الراية الحمراء، وتمت محاكمة أبن المزارع و الزج به في غياهب السجون.
إلى هنا لم تنتهي القصة، فأبن البدو الآن أصبح الأمر الناهي، ومتى ما أتيحة له الفرصة للأنقضاض على أي شخص ينازعه ملكوته و سلطته فهو لا يتورع. لقد نسي الوضع الذي كان فيه، فهو الآن من أعيان البلد و بيده الحل و العقد. أخذ يزرع في الأرض الفساد، و أخذ يجمع الأموال بشراء العقار و المصانع و حظائر المواشي و الجمال و حتى مزارع الدواجن. خرج أبن المزارع من السجن مكسور الجانب، محبوط، فوجد أن جميع الأبواب قد سدت في وجهه. فمن يريد توظيف خريج سجون!... لم ييأس، و أخذ يبحث عن عمل شريف داخل البلد و خارجه،إلى وفقه الله بعمل أخذ يعيد فيه ترتيب بيته من جديد. أما أبن البدو، فقد نسي الطين إنه طين، و لا يزال يبحث عن كل شاردة واواردة لكي يلحق الأذى بهذا الذي زاحمه يوما في منصبه، بل إنه فضح ألأعيبه و لم يستطع فعل شئ لردعه. من هنا نرى تقلب الدهر، و أن الطبقية البغيضة التي حاربها الأسلام لا تزال تنخر في عقول ضعاف النفوس.
لقدأختصرت القصة لكم، لكي أصل للمطلوب، وهو....
لماذا لا تزال الطبقية اللغة السائدة في مجتمعنا؟
تحول الأنسان من فقير إلى غني، أو العكس، هل ينعكس ذلك على أخلاقه و طباعه أيضا؟
يقال "على الباغي تدور الدوائر"... فهل ستدور الدائرة؟
