كبد مُتحرِّش
ولكن ... لا تكشفوا وجهي !
بواسطة بتاريخ 09/11/2019 في 11:00 PM (1393 الزيارات)
كل ما يصل إلى محطة أُخرى غير القلب ، لم يأتِ أصلا !
لذا فأرجوك لا تُغلق الصفحة قبل أن تقرأها كاملة
أنا أُريدك أن تسمعني .. بقلبك
رأيتهُ .. عجوزاً يجلس في إحدى المركبات يمسح بيده على رأس طفل في المقعد الخلفي ، لعلّهُ يقول له : أنت خليفتي أو رُبما : لا تقترب من الأبواب يا حبيبي ! كانت لحظة نظري إلى داخل المركبة حظّ من الله أُوتيتهُ مساء الأمس - أيّا كان ما قاله له - ولو اكتمل الحظّ معي لأُوتيت مثل هذه المسحة على رأسي وقلبي و روحي مثل الماء البارد على الظمأ .. من قال أنّني لا أحتاجها ؟ من قال أنّني امرؤ ناضج لا يستحق النضال من أجله بلمسة أو بهمسة ؟
مهلا !! قد لا أستحق ولكن أحتاج ! أُشهد الله أنني حاولت أن أنال على مسحة مُشابهة بضمير ولكن قد تكون من توافيق الله التي لم تُقسم لي بعد أو قد لا تُقسم أبد الآبدين !
بعد انتهاء عملي عصرا توجّهت معها إلى المنزل ، في خط العودة أريتُها الطريق الرئيسي , والمُنحدر الذي يُحاذيه من الجهة اليُسرى بعد الممرّ الدائري في القطعة المُحدّدة بمنطقتنا شناص , وأخبرتها بأنّهُ و هُنا ستتعثّر المركبة وتنزل بسرعتها القصوى إلى المُنحدر المذكور وأكون بداخلها بعد انقلاب وحيد وسأموت هنا و ....
كِدتُ أُكمل لولا أنّها لكزتني بقوة وقالت : توقّفي لا تقولي كذا – بزعمها - حرام
فأخرستُ أنفاسي !
تجاوزتها بأفكاري , أنا لا أقول ذلك لمجرد قول شئ وقضاء الوقت بمُتعة تراجيدية لأُغتصب الحُب والعطف معا , أيّ نعم فأنا لا أُشير إلى التفاصيل محض إشارة بل أنا أقول ما أرى دائما أنه سيحدث ، أراه رأي العين وليس أقصوصة عابرة أو حديث ليشغل حيّز من فراغ . بدأت تُحدّثني عن برمجة العقل الباطن ، وعن التخيّلات وعن الظواهر التي تحدث للجنين وهو في بطن أمه .. حدّثتني عن أمور - أعرفها جميعها -لا تخفى عليّ ، ولكنها لا تمتّ لما أرى بصلة ولا حتى تُبرّره .. فتابعت حديثها بشئ من الإيمان هذه المرّة ولكن بنبرة حادّة وكأنّها تدعوني إلى الإسلام وتأمرني بقراءة الأذكار صباحا ومساءا وأداء الفرائض في أوقاتها وضرورية الإنفاق فأنا في منظورها امرؤ ذو وازع ديني هشّ وهو أمر صحيح إذ عدد الصفقات التي عقدتها مع نفسي والشيطان أكثر بكثير ممّا عقدت مع خالقي , بيد أنه وبعد كل نهاية صفقة يقول لي " تذكّر فأنت مُصاب بالوسواس القهري , إذن حجّتك مع الله قوية ! "
إن الحديث هو المأوى الآمن الذي ما أن يختنق فعليّاُ يقتل العبارة وينكشف المعنى , ولا يزال في صدري حديث أكثرهُ قديم من تجاعيد الحياة . أسكب حبرهُ دون هوادة لأن الحقيقة المنطوقة هي شجرة اهتزّت و ربَت في منبت القلب , ولسان القلم هو الجسر بين القلب والناس . حينما يتقرّر علينا الإفصاح , يعبرون هكذا في محطات العمر للفُرجة والتبضّع فالترفّع , وما أن يخرجون يُعيبون ضيق السور وانسداد المخارج , ويتحدّثون عن انعدام الرؤية وتصادم الدروب , وتلوّث البلاط ..
تابعت فأردت أن أستثيرها فتشفق عليّ بالسكوت ، أردت منها أن تُهون على نفسها فإنها لن تخرق الأرض عِلماً ولن تبلغ أكثر من الكلام , والكمّ الهائل من المعلومات هذه أنا قد وُلدت عليها مُتوسّلة أنا أموت وأُحشر بها ..أخرستُ أنفاسي ثانيةً رُغم أن حديثها وصوت إلحاحها وحدّته وصل إليّ ساخنا جدا ولكنني بقيت باردة و في قمّة الجمود حرّكتني حقائقي وظهر لي المشهد للمرّة العاشرة .. إنه لا يُفارقني كالمسمار في الذاكرة .. فشخُص بصري ، أنا أراه وكأنها المرة الأولى التي أشهدهُ فيها وقد أخرجوني وأنا أحيا بالموت , ثُم حُملت إلى منزلنا ولم أرى سواء أخي وهو يضرب برأسه على الحائط , وأرى صوت صراخه وهو يتسرّب إليّ شيئاً فشيئا عبر أضلاعي التي فارقت الحياة , ولا أحد آخر
لم أرى أمي وهي وضوئي وسجّادتي و ركعاتي التي ودّعتها دون خشوع . ولم يكن هناك إلّا سواداً شديداً قد أحاط بي حتى أنّه ضيّق عليّ في موتي , تارة يكشفون وجهي وتارة يُغطّونه ! إنّه المشهد الذي يشقّ عليّ أكثر من حادثة وفاتي , لو أنّنا حين نموت تتزلزل الأرض من تحتنا فتبتلعنا ولا يرانا أحد إلّاه , ومن أراد الفضيلة فليترحّم على الفواجع من مسافةٍ ما إذ كلّ شئ يخرج لله يصل لله ,
رسالة الجوارح الصادقة لا تضلّ طريقها بتاتاً ..
أشدّ الأمور راحة في الحياة هو أنّ الله هو من أعطاك وهو من سيأخذك
وأشدّها راحة في الموت هو أنّك وبلا اعتراض لن تكون في مقام إجابة أحد إلى أين تذهب ولِما ؟!









