صالح عبدالله البلوشي
الربيع العربي وصراع الأفكار
بواسطة بتاريخ 05/07/2011 في 09:28 AM (1256 الزيارات)
في سياق الأحداث العربية الراهنة أو ما بات يعرف بالربيع العربي” والذي أدى حتى الآن إلى سقوط نظامين عربيين في تونس ومصر بالإضافة إلى غليان شعبي يدور حوله الكثير من الجدل في سوريا واليمن عاد التساؤل من جديد حول العلاقة بين الدين والعلمانية في فضاء الفكر العربي في ظل تخوف يسود حاليا النخب السياسية والفكرية العربية حول احتمال فوز التيار الإسلامي المتمثل بالإخوان المسلمين في مصر، وحزب النهضة التونسي في الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة في الدولتين وما يتبع ذلك من تطورات قد تعيد كتابة المشهد السياسي والثقافي هناك منها إعادة كتابة الدستور الذي قد يخشى بأنه سوف يسطر وفق المنظومة الفكرية لهذه الجماعات وذلك بسبب قدرتها التنظيمية الهائلة وإمكاناتها المادية الكبيرة وكذلك امتلاكها منظومة فكرية منظمة ومتكاملة تقوم على مرجعية الدين والتراث بالإضافة إلى وجود قاعدة شعبية كبيرة لها وخاصة في المناطق الفقيرة والنائية في الدولتين.
هذه المخاوف تعززت من خلال إعادة الذاكرة إلى الحدثين الإيراني والجزائري اللذين لا يزالان ماثلين في الأذهان وحاضرين بقوة في الذاكرة إذ أنه بعد الثورة الإيرانية سنة 1979 والتي شارك فيها جميع الأطياف السياسية والفكرية في ذلك البلد ابتداء من أقصى اليسار الاشتراكي مرورا بالتيارات العلمانية والليبرالية وانتهاء بأقصى اليمين الديني انتهت بإقصاء جميع هذه التيارات لصالح التيار الديني الذي انفرد ليس بالسلطة - حتى الآن - فحسب وإنما أعلن عن نفسه كأيديولوجية وحيدة في البلاد. أما الحدث الجزائري فقد كانت عاقبته وخيمة جدا على البلاد والعباد وتسبب في حرب أهلية راح ضحيتها مئات الآلاف من الجزائريين بعد قيام السلطات الجزائرية بإلغاء الانتخابات البرلمانية التي انتهت بفوز ساحق للجبهة الإسلامية للإنقاذ في سنة 1992.
تصنف العلمانية من ضمن المناطق الشائكة الممنوع الاقتراب منها في الفكر العربي المعاصر. فعندما يطلق وصف العلماني” على أحد الأشخاص في الدول الغربية أو الولايات المتحدة الأمريكية ـ مثلا ـ فإنها تشيرإلى أن هذا الشخص يعيش المعاصرة والحداثة في حياته بينما يعتبرهذا المفهوم مسبة وربما يؤدي إلى الاتهام بالكفر والعمالة للغرب في الدول العربية ولعل كتاب الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها للدكتور سعيد الغامدي مثال بارز على ذلك.
والمؤسف حقا أن التوجس من العلمانية انتقل ليشمل مفكرين كبار لهم وزنهم في فضاء الفكر العربي أمثال المفكر الراحل محمد عابد الجابري الذي رفض في حواره مع الدكتور حسن حنفي استخدام مصطلح العلمانية” وطالب بسحبها من القاموس التداولي للفكر العربي أيضا واستبدالها بمصطلح العقلانية” حيث قال في كتاب حوار المشرق والغرب” ص 99 : وفي رأيي أنه من الواجب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية فهما اللذان يعبران تعبيرا مطابقا عن حاجات المجتمع العربي” ولم يقدم الجابري تفسيرا واضحا حول كيفية تحقق العقلانية والديمقراطية بدون الالتزام بمنهج العلمانية؟
وباستثناء مجموعة قليلة من المفكرين العرب أمثال محمد اركون وجورج طرابيشي ورجاء بن سلامة والعفيفي الأخضر وهاشم صالح وعزيز العظمة وقلة آخرين فإن أغلبية النخب العربية تتوجس من العلمانية وتراها إنتاجا غربيا لا يتلاءم مع البيئة العربية وقام آخرون مثل الجابري بربطها بالكنيسة وأنه ما دام لا وجود للكنيسة في الإسلام فلا مبرر أيضا لوجود العلمانية. ولم يقدم لنا هؤلاء تفسيرا مقنعا حول ربط الكنيسة بالعلمانية؟ أو حتى جوابا مقنعا حول نجاح العلمانية في دول ومجتمعات لا تربطها صلة دينية بينها وبين المسيحية مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها بل ودول إسلامية أيضا مثل تركيا.
في سياق التوجس من العلمانية والخشية في الوقت نفسه من وصول التيارات الدينية الأصولية إلى الحكم والسلطة تبرز بين الفينة والاخرى بعض النظريات التي تطرح نوعا من التوفيقية بين الدين والعلمانية منها أدلجة الدين التي دعا إليها المفكر الايراني علي شريعتي في العديد من كتاباته المختلفة مثل كتاب معرفة الإسلام وكتاب دين ضد الدين” وغيرها ودعا فيها إلى إسلام ايديولوجي يهتم بمسائل الحياة والآخرة معا ولكن بدون سلطة رجال الدين وتفسيراتهم للإسلام وإخضاع التاريخ الإسلامي والنصوص الدينية للنقد التاريخي. وكذلك محاولة المفكر الراحل عبدالوهاب المسيري حول تقسيم العلمانية إلى جزأين رئيسيين هما العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة في كتاب يحمل نفس هذا العنوان ودعا من خلاله إلى العلمانية الجزئية التي تعني فصل الدين عن السياسة، وربما الاقتصاد أيضا مقابل الالتزام بالمرجعية الدينية في القوانين الأخرى وخاصة التي تتعلق بالأحوال الشخصية وغيرها ورفض العلمانية الشاملة التي لا تعني فصل الدين عن الدولة وحسب وإنما فصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية في جانبيها العام والخاص بحيث تنتزع القداسة عن العالم ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى” وفي السياق المعرفي نفسه صدر كتاب الدين العلماني” للدكتور عبدالكريم سروش وتبنى نوعا ما نظرية الدكتور شريعتي .
وبعيدا عن الدخول في معترك التنظير الفكري حول مفهوم العلمانية بمفاهيمها المتعددة ومدلولاتها المختلفة فإنها كظاهرة فكرية تقف موقفا محايدا من الأديان والمعتقدات وتحترم كل الأفكار المختلفة في سياق الاختلاف المعرفي معها ولا تعاديها أو تعمل على إقصائها كما يروج ذلك الخطاب الديني المؤدلج، بل إن كثيرا من التجارب المعاصرة أثبتت بأن الأحزاب الدينية المسيّسة التي وصلت إلى السلطة في بعض الدول هي التي بادرت بإقصاء الآخرين التي رأت أنهم يقفون موقفا مناقضا لخطابها الفكري مع العلم بأن كثيرا من العلمانيين يعيشون التدين والأجواء الروحانية في حياتهم الخاصة وقد انطلقوا في الإيمان بالعلمانية كظاهرة فكرية من خلال إيمانهم العميق بضرورة عدم الزج بالدين بأحكامه المقدسة وطهارته الروحية في الخلافات والمعارك السياسية مع ما يتسبب ذلك من إذكاء روح الطائفية البغيضة وإضعاف الروح الوطنية في المجتمع لصالح الدين والمذهب .
إن الثورات والانتفاضات ليست دائما هي التي تقود الدول والأمم والشعوب نحو التغيير والتطوير وإنما الأفكار والقيم هي التي تفعل ذلك، ولذلك ليس صحيحا أن كل ثورة أو انتفاضة تحدث هنا أو هناك يتبعها بالضرورة تغيير إيجابي للبنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهناك شواهد معاصرة لدول كثيرة شهدت ثورات كبيرة قامت على أساس التغيير نحو الأفضل ولكنها تراجعت بعد ذلك سنوات إلى الوراء وفقدت بنيتها الإساسية بشكل شبه كامل وفقدت أيضا أهم أعمدة الدولة الحديثة والركن الأول لها وهو الأمن والاستقرار .
إن الإيمان بالتعددية الفكرية والدينية شرط أساسي للاستقرار السياسي والأمان الاجتماعي ومحاولة كل فريق إقصاء الآخر سواء بحجة الحفاظ على الدين القويم أو الانتصار للعقل ومحاربة الفكر الظلامي لا تساهم سوى في زعزعة الأمن الاجتماعي والسياسي وتهديد السلم الأهلي وانحدار الفكر إلى الهاوية ولذلك فإن قافلة الحرية والكرامة لن تصل إلى بر الأمان إلا بفكر واع ومستنير وتعددي يؤمن بحق الاختلاف ودون ذلك فإن هذه القافلة سوف تظل تراوح مكانها وتعيش في منتصف الطريق حيث اللااستقرار واللاأمان
http://main.omandaily.om/node/59500[/QUOTE]









