صالح عبدالله البلوشي
إخوان الصفاء وإشكالية العلاقة بينها وبين العقلانية والإسماعيلية ( رد على مقال العليان ) ( 2 )
بواسطة بتاريخ 08/05/2012 في 08:45 AM (1203 الزيارات)
ولو كانت رسائل "أخوان الصفاء" فعلا من تأليف الإمام أحمد الوفي كما يدعي إدريس عماد الدين الذي احتج الجابري بروايته أو تحت إشرافه المباشر كما يدعي الدكتور عارف تامر لكانت تتمتع بأعلى درجات القداسة عند الإسماعيلية وربما لارتفعت إلى مستوى النصوص المعصومة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها عندهم، ولكن الحقيقة فأنها كانت غائبة في المصادر الإسماعيلية الأولى حيث لا يوجد لها ذكر في مؤلفات مفكري الإسماعيلية الكبار أمثال القاضي النعمان المغربي وحميد الدين الكرماني والنسفي ويعقوب السجستاني وغيرهم ولا أدري كيف فات ذلك على ناقد العقل العربي.
يقول العليان في مقاله " وإلصاق التهم على الدكتور محمد عابد الجابري بأنه رأس الشر وملفق الأكاذيب والسارق من المنتديات والمواقع الإلكترونية لاتهام هؤلاء بالباطنية والهرمسية والغنوصية" لا أخفي على القارئ الكريم بأني مستغرب جدا من إثارة الكاتب العليان هذه النقطة حول المواقع الإلكترونية في هذا المقال وقد تم إثارة هذه النقطة في بعض المنتديات الإلكترونية من قبل بعض القراء الذين لا يقرؤون، وإنما يستندون إلى آراء الآخرين دون أن يكلفوا أنفسهم بقراءة المقال الأصلي إذ قام بعضهم بطرح تساؤل وهو : كيف ينقل الجابري في كتابه "تكوين العقل العربي" عن المواقع الإلكترونية والكتاب صادر في بداية ثمانينات القرن الماضي حيث لم تكن للمواقع الإلكترونية أي وجود في العالم العربي فكيف ينقل الجابري عنها ؟ والجواب أنني عندما ذكرت في مقالي السابق بأن الجابري قد نقل عن موقع إلكتروني فأني لم افتر على الرجل ولكني كنت اشير إلى كتابه "مدخل إلى القرآن الكريم " الصادر في 2006 فقد نسب الجابري إلى الشيعة بأنهم يعتقدون بوجود سورة في القرآن الكريم باسم "سورة الولاية " وذكر بأن هذا الادعاء موجود في كتاب "فصل الخطاب" للطبرسي ص 180 وهو ادعاء غير صحيح فلا وجود لهذه السورة المزعومة سواء في هذا الكتاب في طبعته الوحيدة والنادرة أو اي كتاب آخر سواء للشيعة أو لغيرهم قبل أن نكتشف أن الجابري قد أخذ هذا الادعاء الغير صحيح من موقع إلكتروني.
وإذا قمنا بقراءة مقارنة سريعة وموجزة بين المنظومة المعرفية لإخوان الصفا وفق موضوعاتها وأفكارها الرئيسية وبين مثيلتها الإسماعيلية نجد أن المنظومة المعرفية والاعتقادية الإسماعيلية تقوم على مجموعة من الاعتقادات الإيمانية والاحكام الفقهية والمبادئ الاخلاقية والسلوكية تقوم على وحدة العلاقة بين بنيتها الظاهرية التي تتفق في كثير من تفاصيلها مع المذاهب الاخرى سواء السنية منها أو الشيعية وبين الفلسفة الباطنية التي تقوم عليها وتشكل الجزء الأساسي من بنيتها المعرفية والتي يختص بها الإسماعيليون فقط فالمنظومة الاعتقادية عند الإسماعيلية تتفق في ظاهرها مع اعتقادات باقي المسلمين مثل التوحيد والنبوة والاعتقاد بالبعث ويوم الحساب وغيرها إلا إنها لها تأويلات باطنية لا يعرفها إلا الإسماعيليون فقط ولذلك فعندما خالج الداعية الإسماعيلي شهاب الدين أبو فراس الديلمي ( المتوفي سنة 947 ) إن ابناء الإسماعيلية وربما نتيجة اختلاطهم مع المذاهب الاخرى بدأوا يتجهون إلى التفسير الظاهري للأحكام الدينية قام بتأليف رسالة بعنوان "مطالع النفوس في معرفة الشموس" قال في مقدمتها ص 12 أنه الفها بسبب ما رآه "من ميل أبناء الدعوة الهادية الى التمسك بظاهر العقيدة دون باطنها والانكباب على فروعها دون اصولها فقد يموت اكثرهم وهم على غير معرفة بالحقيقة فلحقتني على أبناء جنسي شفقة الدين ورق قلبي على أخواني المؤمنين وباشرت بشرح علوم الأئمة الأمجاد... معتقدا أن الواجب يقضي علي كشف الأسرار على مستحقيها من المؤمنين والمستجيبين ".
يعتبر كتاب "دعائم الإسلام" للقاضي النعمان بن حيون المغربي المرجع الرئيسي والمعتمد للفقه الإسماعيلي ولا يزال عليه الاعتماد عند إسماعيلية الهند والجزيرة العربية حتى اليوم ويضم الروايات التي يرويها علماء الإسماعيلية وأئمتها عن النبي محمد وأهل البيت بالإضافة إلى روايات أئمة الفاطمية أمثال العزيز بالله والمعز لدين الله وغيرهما ولا يختلف كثيرا عن كتب الروايات عند باقي المسلمين ولكنه يتميز عنهم بأنه له جزء ثان متمم للأول ويتعلق بالتأويلات الباطنية للأحكام الفقهية والعبادية التي جاءت في الجزء الأول ويخالف اعتقادات باقي المسلمين بشكل كامل
تعتبر الإمامة المحور الأساسي الذي تتركز عليه العقائد الإسماعيلية والمنظومة الفقهية والأخلاقية لهذه المدرسة الإسلامية والإمامة بمفهومها العرفاني الإسماعيلي كما يقول الدكتور مصطفى غالب في كتابه " الإمامة وقائم القيامة " ص 19 " أساس الدين والمحور العقلاني الذي تدور عليه كل العقائد الباطنة والظاهرة لأن الدين لا يستقيم أمره إلا بوجود الإمامة ولا يكمل وجوده وتتم تفاعلاته الروحية والوجدانية إلا بوجودها " ورغم تضافر النصوص التي جاءت في كتب الإسماعيلية وخاصة كتاب "المجالس والمسايرات " للنعمان بن حيون المغربي على إضفاء الطابع البشري للأئمة ونفي الصفات الإلهية عنهم إلا أنهم يرون أن ذلك لا يتعارض مع تفسيراتهم الباطنية للإمامة التي تخالف رأي باقي المسلمين إذ أنهم يسبغون عليهم صفات فيها كثير من الغلو مثل أنهم " يد الله " و " وجه الله " و " جنب الله " وأنهم " الذين يحاسبون الخلق يوم الحساب " وأنهم " الذكر الحكيم " وغير ذلك من الصفات التي تمتلئ بها كتب الإسماعيلية فأين هذه العقيدة في رسائل " أخوان الصفاء " حتى يحكم عليهم بأنهم إسماعيلية بل ومن دعاتها أيضا ؟ أتمنى من الاخوة الذين يعتقدون بإسماعيلية هذه الجماعة أن يبينوا لنا عقيدة أخوان الصفاء في الإمامة وهل هي تتطابق مع مفهوم الإسماعيلية لها أم لا ؟والجواب أنه لا مكان لها في رسائل " اخوان الصفاء " سواء حسب المعتقد الإسماعيلي أو أي معتقد آخر لباقي المسلمين مما يؤكد بأن هذه الجماعة مستقلة في عقيدتها ومبادئها ولا علاقة لها بأي مدرسة إسلامية اخرى.
وأيضا أين المقارنة بين رؤية " أخوان الصفاء " للتاريخ الإسلامي وبين رؤية الإسماعيلية له ؟ وهل هناك ذكر في رسائلهم لكثير من الأحداث التاريخية التي يتبناها الإسماعيليون وباقي فرق الشيعة وينكرها غيرهم مثل بعض تفاصيل يوم الغدير وما حدث في معارك الجمل وصفين والنهروان وكربلاء وغيرها والموقف من بعض الشخصيات التي شاركت فيها وخاصة أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها ؟ وأيضا الموقف من الصحابة ؟ وهل رواية أخوان الصفاء عن يوم الدار الذي قتل فيه الخليفة عثمان بن عفان تتوافق مع الرؤية الإسماعيلية أم لا ؟ وغير ذلك من الأسئلة التي لا تخدم ادعاءات من يقول بإسماعيلية هذه الجماعة.
ومن الجدير بالذكر إن دائرة النقد لإخوان الصفاء شملت جميع المدارس الإسلامية بدون استثناء ومن ضمنها الإسماعيلية نفسها التي تعرف في الأدبيات الإسلامية بالمسبعة أو السبعية نظرا لتوقفهم عند الإمام السابع من اهل البيت إسماعيل بن جعفر الصادق على خلاف الشيعة الإمامة الذين يؤمنون بأثني عشر إماما حيث جاء في رسائل أخوان الصفاء : " إنما أردنا بذكر المثمنات أن ننبهك من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ولتعلم بأن المسبعة الذين قد شغفوا بذكر المسبعات وتفضيلها على غيرها إنما كان نظرهم جزئيا وكلامهم غير كلي... وليس هذا مذهب إخواننا الكرام أيدنا الله واياهم بروح منهم حيث كانوا في البلاد بل نظرهم كلي وبحثهم عمومي وقلمهم جامع " وهناك مواضع اخرى في الرسائل فيها نقد شديد للإسماعيلية ربما نأتي بها في مقال قادم.
وفي خاتمة المقال قال الكاتب العليان " والحقيقة أن الباحث جورج طرابيشي استهدف الجابري بصورة شخصية وسايره في ذلك الكاتب صالح البلوشي للأسف " حتى قال " أن طرابيشي أستهدف الجابري لغاية في نفس يعقوب كما تقول الأمثال وتخلى عن الأمانة العلمية والمنهجية من خلال عدم الإشارة إلى المعاجم والمناجد والموسوعات التي كتبت عن هذا الأمر وكذلك كبار المتخصصين في الفكر والفلسفة وصب جام غضبه على الجابري وكأن الموضوع لا يعني استجلاء الحقيقة والبحث عنها ولا الاطلاع على رأي الآخرين مع سبقهم في ذلك المهم أن يشبع ذاته وينتقم من الجابري بأي صورة من الصور "
من يقرأ كتاب " العقل المستقيل في الإسلام " لجورج طرابيشي يلاحظ بأنه يبدأ بعرض آراء كثير من المفكرين في الخلفية الفكرية لإخوان الصفاء وآرائهم الفلسفية حيث نقل المؤلف أراء متعددة لمفكرين كبار أمثال الدكتور عارف تامر والدكتور طه حسين والدكتور عبدالرحمن بدوي والدكتور ماجد فخري والدكتور حنا الفاخوري وخليل الجر والدكتور هنري كوربان إضافة إلى كتب أخرى قديمة وحديثة متعددة وناقش أراءهم بكل حيادية حسب المناهج العلمية الحديثة وكذلك ناقش آراء أخوان الصفاء في أكثر من 116 صفحة في الوقت الذي لم يفسح الجابري في كتابه " تكوين العقل العربي " لهم سوى صفحات قليلة جدا إلا إذا كان العليان يقصد بأنه كان يجب على طرابيشي أن يوافقهم في آرائهم كونها قريبة من رأي الجابري فهذا حديث آخر , ثم اين الاستهداف الشخصي للجابري ؟ وفي اي كتاب ؟ ولماذا هذا الدفاع المستميت عن أخطاء الجابري واعتبار كل من يناقشه وكأنه يستهدفه شخصيا ؟ أما اتهام كاتب هذه السطور بمسايرة طرابيشي في هذا الاستهداف المزعوم فإني أتجاوز عنه لأنطلق إلى خاتمة المقال لأعيد وأكرر بأن اخوان الصفا جماعة فلسفية حرة ومستقلة ولا علاقة لها تاريخيا أو ابستمولوجيا بالإسماعيلية ولا بأي فرقة مذهبية أخرى بل ان منظومتها المعرفية والفلسفية تتجاوز الخلافات المذهبية والتاريخية وتتعالى عليها ولا تستند على اي مرجعية سوى ما ثبت من الشريعة والفلسفة وأما ادعاءات الإسماعيلية فأنها لا تتجاوز رواية ابن العماد المنحولة وتلفيقات عارف تامر ومصطفى غالب وكل من يدعي خلاف ذلك فعليه بالأدلة المنهجية وليس بما قاله هذا المفكر أو تلك الموسوعة لأن العبرة في البحث المنهجي بالأدلة وليس بالأقاويل والادعاءات
http://main.omandaily.om/node/95042
- المجموعات
- غير مصنف










