صالح عبدالله البلوشي
الحرية الفكرية والتعصب ( مقالي في جريدة عمان اليوم )
بواسطة بتاريخ 13/09/2011 في 07:35 PM (1013 الزيارات)
ليس على الأرض إنسان له الحق في أن يملي على الآخر ما يجب أن يؤمن به أو يحرمه من حق التفكير كما يهوى» هكذا قال الفيلسوف سقراط لأعضاء المجلس الذين قاموا بمحاكمته بتهمة الهرطقة قبل أن يشرب السم راضيا بناء على قرار المحكمة الجائر بإعدامه بتلك الطريقة البشعة .
لقد كان الصراع بين الفكر والتعصب سنة كونية في الحياة منذ أن بدأ العقل البشري ينطلق بالتفكير نحو التحرر من الأفكار السائدة في المجتمع، والعمل على بناء منظومات فكرية جديدة بدلا منها تقوم على إعمال العقل بدلا من ثقافة الاستسلام والخضوع لسلطة الخرافة بأشكالها المختلفة، ولما كانت الطبيعة البشرية تأبى الخضوع للجديد منذ الوهلة الأولى فقد كانت سهام التنكيل والاضطهاد تلاحق كل مفكر أو صاحب رأي يخالف المجتمع، والآراء السائدة فيه وكان أهل الفكر والإصلاح يجدون عناء وإرهاقا شديدا جدا في محاولة هدم تلك الأفكار التي شادها الأولون ولم تنفع الأدلة والبراهين على الإيمان بالأفكار الجديدة التي كانت تبقى حبيسة العقول، والكتب سنوات طويلة قبل أن تعرف طريقها إلى العقول المتحررة.
يصف المفكر المصري سلامة موسى الصراع بين الفكر والتعصب في كتابه حرية الفكر وأبطالها في التاريخ ص 8 قائلا: وليس الصراع الذي أصاب حرية الفكر والاستشهاد الذي رضي به الأحرار سوى صراع اصطرع فيه الجمود والتطور، جمود القاعدة الاجتماعية مع تطور الحياة والفوز دائما للتطور على الجمود».
وقد شهد تاريخ الفكر البشري الكثير من الفلاسفة والمفكرين الذين قدموا حياتهم على مذبح الفكر في سبيل تحرير العقل البشري من كابوس الجهل والتخلف وإطلاق العقل من قيوده فمنهم من قضى نحبه شهيدا كأمثال سقراط وهيباشيا والجعد بن درهم والجهم بن صفوان والحلاج والسهروردي وبرونو وغيرهم، ومنهم من ينتظر في بلده أو في منفاه وربما في السجن أيضا ومن يقرأ سيرة فلاسفة التنوير سواء في الشرق الإسلامي أو الغرب المسيحي سوف يلاحظ المعاناة التي كان يتكبدها الفلاسفة في سبيل نشرالأفكار والمبادئ التي كانوا يؤمنون بها، بسبب التعصب المذهبي والديني الذي كان يضرب بأطنابه في مناطقها المختلفة وما نكبة ابن رشد وإحراق كتبه وتكفير ابن عربي إلا مثالان بسيطان على ذلك وأما في أوروبا فإن فيلسوفا كبيرا مثل سبينوزا (1632 – 1677) لم يستطع نشر كتابه التاريخي فلسفة الأخلاق» الذي دعا فيه إلى عقلنة الأخلاق إلا بعد وفاته، مع العلم بأن الكتاب الوحيد الذي نشره في حياته وهو رسالة في اللاهوت والسياسة» صدر بدون توقيع منه، خوفا من التيارات الأصولية المتطرفة التي حاولت اغتياله في مرة سابقة، بعد فتوى من أحد الحاخامات بقتله، لمخالفته أصول الديانة اليهودية حسب زعمه، وبعد وفاته بخمسين سنة كان الزائر لقبر هذا الفيلسوف العظيم يلاحظ هذه العبارة مكتوبه على قبره هنا يرقد سبينوزا ابصقوا على قبره» وينقل المفكر السوري هاشم صالح في كتابه معارك الأصوليين والظلاميين في أوروبا» بأنه عندما احتدم الصراع بين الفلاسفة والتيار الديني الأصولي في فرنسا» وخشي الفلاسفة على أنفسهم من بطش الأصوليين لأن عامة الشعب كانت معهم أقترح عليهم فولتير أن يغادروا باريس فورا، وقال لهم: بإمكاننا أن نجد منطقة محررة في أوروبا وبالذات لدى فريدريك الثاني (إمبراطور ألمانيا وكان يكره رجال الدين) المستبد المستنير» ثم أردف قائلا: وهناك نستطيع أن نركب مطبعة ونطبع كتبا كثيرة مضادة للكتب الصفراء التي يتمسك بها الأصوليون ونعلن المعركة على المكشوف كتاب ضد كتاب، فكر ضد فكر، ومن ينتصر حلال عليه النصر ومن يتأمل هذه الكلمات الخالدة لهذا الفيلسوف الكبير يتضح له أن الفلسفة الحقيقية لا تعرف إقصاء للآخر، أو فتاوى بقتل المخالفين في الرأي أو الاستعانة بالأنظمة والحكومات، من أجل تصفية الآراء والاتجاهات الفكرية الأخرى، وإنما هي معركة فكرية تقوم على أسلحة وأدوات فكرية فقط، مثل الكتاب والمقال والمحاضرة وغيرها، ولوالتزمت كل التيارات الفكرية والدينية طوال تاريخ الفكرالبشري بهذا النهج المستنير لأصبح العالم يضج بالأفكارالمختلفة التي كانت تستطيع أن تشع العالم نورا وجمالا واختفت محاكم التفتيش بوجوهها القبيحة من التاريخ.
يقوم مبدأ الجمود الفكري على الإيمان بقيم واعتقادات يحسب المؤمنين بها إنها تمثل الحقيقة المطلقة ويتم من خلال الإيمان الدوغمائي بيقينيتها بممارسة الإقصاء بكل فكر يخالفها، إنه الكسل المعرفي والخمول المنهجي الذي يريح بعض الذين لا يريدون أن تتعب عقولها في البحث والحفر المنهجي، فأراحت نفسها بالعيش والاسترخاء تحت شجرة اليقين وهي لا تدري بأن هذه الشجرة قد تسقط في أية لحظة بسيوف الفكر، أو رياح المناهج المعرفية الحديثة، وأما الحرية الفكرية فإنها تتخذ من مبدأ الشك قاعدة لها للانطلاق إلى مناقشة المسلمات الفكرية التي لا تستند على قاعدة متينة سواء في الفكر أو المنهج.
يصف المفكر الراحل عبدالله القصيمي الذي كان من أشد المؤمنين بالحقيقة المطلقة التي بشر بها في كثير من كتبه، قبل أن يبدأ في رحلة التحول إلى مسارات فكرية مختلفة، من العلمانية إلى الفلسفة المادية، الشك المنهجي، وقيمة هذا المنهج في الحقول المعرفية والإنسانية المختلفة، في كتابه هذا الكون يحكم ضميره ص 175 بأنه» نبض في العقل، كما أن الحياة نبض في القلب، وليست وظيفة نبض القلب أعظم من وظيفة نبض العقل، أو أنفع للحياة أو للإنسان وهل يكون العقل الذي لا يشك نابضا»، ويقول أيضا ممجدا وظيفة الشك في فضاء الفكر والمعرفة: إن الشك هو شباب الحياة وطاقتها المتحركة المحركة، بل إن الشك هو الحياة، لأن الموتى لا يشكون، ومهما طويت من الأعوام في حساب حياتك فلن يقتل ذلك عقلك، أو يضعف حركته وتطلعه بلهفة إلى الآفاق البعيدة، والواسعة والمجهولة، ما دام حارا وجاريا بعمليات التجديد التي يدخلها على بنائه».
إن الإيمان بحرية الفكر والممارسة النقدية، التي تقوم على إعلاء قيمة العقل، تقدمت الأمم والدول والحضارات التي قامت على أنقاض حضارات سابقة، كانت تعتقد أنها تمثل الحقيقة المطلقة في الكون، وأن المنظومات الفكرية والمعرفية التي تؤمن بها تمثل خلاصة الفكر البشري، وعصارة جهود الأنبياء والفلاسفة والمفكرين، ولكن ظهر لها من يعتقد بالأدلة العقلية والعلمية، خلاف ذلك وإن هناك أيضا حقائق أخرى في الكون إن كانت لا تمثل الحقيقة حسب منظومتها الفكرية، فإنها على الأقل تمثل جزءا أصيلا فيها ولذلك يرى الفيلسوف البريطاني كارل بوبر في كتابه في الحرية والديمقراطية» ص 34 أن العقلاني الحقيقي لا يعتقد أنه أو غيره يمتلك الحقيقة، ولا يرى أن مجرد النقد يساعدنا على الوصول إلى أفكار جديدة، ولكنه يرى أن المناقشة النقدية هي فقط ما تساعدنا على التمييز في حقل الأفكار، بين الغث والسمين، إنه يعرف جيدا أن قبول أو رفض فكرة ما ليست مسألة عقلية بحتة، ولكنه يعتقد أن المناقشة النقدية وحدها التي تمكننا من رؤية الفكرة من جوانب عدة ومن الحكم عليها حكما صحيحا».
لقد تغير العالم اليوم ولم يعد من الممكن الحجر على العقول من التفكير، أو الوصاية عليها، أو محاولة تكميم الأفواه، كما كان يحدث ذلك في السابق، ولم يعد الإرهاب الفكري سواء تمثل بمنع الكتب من التداول في المكتبات أو سحب الجوائز من المفكرين، أو منعهم من الكتابة، تستطيع أن توقف أو تعرقل مسيرة الفكر البشري، من الاستمرار في الإبداع الفكري والأدبي، وقد أثبتت الثورة المعرفية التي يشهدها العالم منذ سنوات، أنه من المحال منع الأفكار من التحليق في فضاءات المعرفة المختلفة، وأن مسيرة الفكر سائرة إلى الأمام، ومن لا يساير الزمن ولا يساير المناهج الفكرية والمعرفية الحديثة، فإنه يبقى حبيس الماضي بأفكاره ومناهجه وأساطيره أيضا.
http://main.omandaily.om/node/66817
- المجموعات
- غير مصنف










