صالح عبدالله البلوشي
حوار من اجل قراءة جديدة للعلمانية .... رد على مقال عبدالله العليان الاخير ( 2 )
بواسطة بتاريخ 16/08/2011 في 12:52 PM (701 الزيارات)
ربما يتفق معي الأستاذ العليان أن مبدأ الخلاف في الإسلام سياسي وليس دينيا وهو الخلاف على مبدأ الخلافة أو الإمامة وهذا الخلاف السياسي لم ينطلق من أصل ديني وإنما من اجتهادات بشرية تخضع لقانون الخطأ والصواب ومع ذلك فقد تحول هذا الخلاف السياسي مع السنوات التي تلت عهد الصحابة إلى جزء من العقيدة عند مدارس إسلامية كثيرة حتى أصبح الإيمان بمبدأ الخلافة أو الإمامة جزء من العقيدة وإنكارها هدم للدين بأكمله. ويتضح ذلك جليا لمن رجع إلى كتب العقيدة الرسمية عند المدارس الإسلامية المختلفة مما جعل من المسارين الإسلام الإلهي والإسلام التاريخي إسلاما واحدا فقط برؤى مذهبية مختلفة و يمزج بين النص والتاريخ في قراءة واحدة لم يعرفها المسلمون في العهد الاول الإسلام أو المرحلة التأسيسية لهذا الدين وهذا المزج بين الإسلام الإلهي والإسلام التاريخي هو الذي جر كل هذه الويلات على الإسلام والمسلمين منذ ان انحرف مسار الخلافة في الإسلام إلى ملك عضوض في عهد الدولة الاموية، وما تلا ذلك من أحداث أخطرها وأهمها الانقلاب المتوكلي الشهير على المعتزلة والإعلان القادري الذي اعتمد قراءة رسمية واحدة في الإسلام.
يقوم الخطاب الديني على ثنائية الإيمان / الكفر الهدى / الضلال السنة / البدعة وطبقا لذلك فأنه يحصر الحقيقة في اتجاه واحد فقط وقراءة واحدة نستطيع أن نطلق عليها بالقراءة الرسمية وينفي المشروعية الدينية عن الآخر. ولذلك فانه لا يوجد دين في العالم يعطي الشرعية لدين آخر وكذلك الحال في المدارس الدينية المختلفة وطبقا لهذه الثنائية الدوغمائية فإن الدول التي قامت على اساس ديني قامت بمحاربة كل القراءات الاخرى ومحاولة تذويبها داخل قراءتها الرسمية وهناك شواهد عديدة على ذلك في التاريخ الإسلامي ربما نتطرق إلى بعضها في مناسبة اخرى وأما العلمانية فهي فضاء تعددي تؤمن التعددية الدينية والفكرية والسياسية. ولذلك فأن العالم المتمدن قد تجاوز مرحلة الدولة الدينية التي تقوم على دين معين أو مذهب محدد منذ أن ساد فكر التنوير في أوروبا وقضى على السلطة البابوية إلى دولة المجتمع المدني والمؤسسات المدنية التي تحتضن في داخلها جميع الأديان والطوائف والقبائل والأفكار تحت مظلة الوطن والولاء للوطن فقط.
بعد هذا العرض في نقد العلمانية يتوصل الأستاذ العليان في خاتمة مقاله بأنه لا حاجة لنا للعلمانية والتي هي نتاج صراع كبير بين المدني والديني في الغرب والإسلام لم يعرف هذه الإشكاليات ولا توجد في هذا الدين طبقة تمنح وتحجب صكوك الغفران ولا يوجد احتكار للدين أو تفسيره، ولا، ولم يظهر تيار معاد للعلم والعلماء. ولذلك فإن استنبات العلمانية في واقعنا الغربي الإسلامي سوف يجعلنا نستدعي المشكلات التي حدثت في الغرب”.
نوافق الكاتب هنا أن الإسلام هذا الدين الإلهي العظيم لم يعرف معاداة العلم والعلماء كما ان المسيحية تلك الديانة السماوية لم تعرف ذلك أيضا ولكن الإشكالية كما يعرف الكاتب ليست في الدين وإنما في كثير من القراءات الخاطئة التي حرفت مسار التسامح والاعتدال في الدين إلى مسارات مناقضة لها لم يأتي بها نص مبين أو تفسير متين وإنما اجتهادات ورؤى بشرية حبست الدين داخل سياج دوغمائي مغلق – حسب تعبير أركون – وقامت بمحاربة كل القراءات الكلامية والفقهية الأخرى بل وتصفية رموزها الفكرية أيضا كما حدث في قتل الجعد بن درهم بطريقة وحشية من قبل والي العراق خالد القسري ومباركة رجال الدين لها حتى قال ابن خلدون في كتابه سير أعلام النبلاء بأنها من حسنات خالد القسري وقال ابن القيم (691 – 751) في نونيته شكرا لخالد القسري:
شكر الضحية كل صاحب سنة *** لله درك من اخي قربان
إضافة إلى قتل الجهم بن صفوان سنة 128 بسبب مخالفته الفقهاء في بعض الآراء الكلامية وقتل غيلان الدمشقي سنة 125 من قبل الخليفة الاموي هشام بن عبدالملك ويستمر مسلسل تصفية الرموز الفكرية بقتل الحسين بن منصور الحلاج الذي أتهم بالتجديف في الدين وهو الحكم الذي شكك فيه كثير من فقهاء المسلمين وصلبه سنة 309 وقتل فيلسوف الإشراق السهروري القتيل الذي تم تصفيته بسبب اختلاف بعض رجال الدين معه سنة 665 وآخرون دفعوا حياتهم ثمنا نتيجة بعض الآراء التي خالفوا فيها بعض الفقهاء، والقراءة الرسمية للدين حتى وصل الأمر إلى إعلان الخليفة القادر بالله العباسي إلى اعتبار قراءة أهل الحديث القراءة الرسمية الشرعية للإسلام ومحاربة كل القراءات الأخرى وخاصة المعتزلة والأحناف وأهل التصوف والفلسفة، وغيرهم. وهو الإعلان الذي لا يزال عليه العمل الآن عند كثير من رجال الدين والمؤسسات الدينية الرسمية في بعض الدول العربية إضافة إلى اضطهاد الفكر الفلسفي وما نكبة ابن رشد إلا مثال على ذلك وفي المرحلة المعاصرة تكفير طه حسين بعد تأليفه كتاب في الشعر الجاهلي” واغتيال شهداء الفكر حسين مروة والدكتور فرج فودة والشيخ محمود محمد طه ومحاولة اغتيال الروائي العالمي المرحوم نجيب محفوظ وغيرهم.
ولذلك فإن استدعاء العلمانية في واقعنا الغربي الإسلامي سوف لا يجعلنا نستدعي المشكلات التي حدثت في الغرب وإنما لتجاوز كل المشكلات التي حدثت في التاريخ الإسلامي والغرب.
بقيت نقطة طرحها الكاتب الكريم في مقاله وهو تعليقه على وصفي العقلانية بأنها إنتاج إسلامي أصيل وليس أوروبيا وتساءل الكاتب قائلا: إذا كانت العقلانية إنتاجا إسلاميا، فلماذا القفز إلى العقلانية الأوروبية التي خضعت إلى الفلسفات الغربية وصراعاتها واشكالياتها المتصلة بالثقافة والفكر الغربيين ؟ العقلانية الإسلامية التي كنت أقصدها في مقالي كان تقديم العقل على النص في حال التعارض بينهما كما كان منهج المعتزلة والفلاسفة الإسلاميين، ولم أكن أقصد العقلانية الأوربية التي تعني الاعتماد على المنهج العقلي فقط في عملية الاستدلال دون الاستناد إلى سلطة الوحي وقد برزت هذه النظرية لدى بعض فلاسفة اليونان القدامى، أمثال سقراط ثم أعاد فلاسفة التنوير إحياءها من جديد بواسطة سبينوزا ولايتنز وديكارت وغيرهم، مع العلم بأن النظرية الاعتزالية في تقديم العقل على النقل كانت من أهم أسباب وعوامل محاربتهم وتكفيرهم وإحراق كتبهم وخاصة في عهد الخليفة المتوكل العباسي. ولا تزال هذه النظرية تلاقي الرفض والتنديد والتشنيع من فقهاء المسلمين حتى اليوم. وبذلك فإن دعوة الكاتب العليان ومن قبله المفكر الراحل محمد عابد الجابري إلى إحياء العقلانية الإسلامية بدلا من العلمانية مرفوضة ومدانة حتى من قبل رجال الدين المسلمين أنفسهم.
أما ما نقله الأستاذ العليان عن الدكتور محمد أركون في كتابه الإسلام . الأمس والغد ص 101 و102 أنه قال : إن فورة الحداثة الفكرية والعلمية والتقنية في الغرب انطلاقا من القرن السادس عشر تجد أصولها في الجهد الخلاق للفكر والعلم العربيين من خلال العصر الذهبي بل أن الثورة الإجتماعية ذاتها وبواكير الديمقراطية قد تحققت أو دونت في القرآن وفي سنة النبي ونهج الصحابة فأعتقد أنه خطأ ابستمولوجي كبير قد وقع فيه الكاتب بحيث أنه أخرج تلك العبارة من سياقها المعرفي الذي أراده أركون ولم يذكر للقارىء بأن فقيد الفكر الدكتور محمد اركون قال تلك العبارة ونسبها إلى ولكن في المناخ السياسي للصراع ضد الإمبريالية تصل ردة الفعل المبررة علميا إلى درجات مفرطة ومسرفة في أيديولوجيتها أو في تقريظها الدفاعي ....” ( أنظر الكتاب المذكور ص 100 ) ثم ذكر العبارة المذكورة منسوبة الى ذلك المناخ ورد عليها بعد ذلك قائلا : ونحن نذكر بهذه الأوضاع المتطرفة لكي ندلل على معنى وعلى اتساع المهمات التي تنتظر مؤرخ الفكر ..... بمعنى أن العبارة التي نقلها الكاتب عن أركون لا يعبر عن وجهة نظر أركون وإنما كان يرد عليها فقط كما أخطأ الكاتب أيضا في بداية المقال عندما نسب عبارة أعطوا ما لله لله وما لقيصر لقيصر إلى بولس والصحيح انه منسوب إلى السيد المسيح عليه السلام كما في أنجيل متى .
http://main.omandaily.om/node/64099
- المجموعات
- غير مصنف










