حوار مع عاصم الشيدي في مقاله " ثابت أدونيس لم يتحول " ... ( مقالي في ملحق " شرفات " اليوم ) - المدونات - سبلة عُمان
1-Click Setup for WordPress, Drupal & Joomla!

صالح عبدالله البلوشي

حوار مع عاصم الشيدي في مقاله " ثابت أدونيس لم يتحول " ... ( مقالي في ملحق " شرفات " اليوم )

قيّم هذه المشاركة
اقتباس أرسل أصلا بواسطة صالح عبدالله البلوشي مشاهدة المشاركات


نشر ملحق شرفات في العدد رقم 319 الصادر بتاريخ 12 / 7 / 2011 مقالا للصديق الأستاذ عاصم الشيدي تحت عنوان " ثابت أدونيس لم يتحول " وأدونيس كما معلوم هو احد رموز الحداثة الكبار في العالم العربي إن لم يكن أبرزهم بالإضافة إلى كونه أحد المنادين للقومية السورية القديمة ولذلك فضل أن يطلق على نفسه بإسم " ادونيس " بدلا من إسمه الحقيقي علي احمد سعيد .أتفق مع الاستاذ عاصم إن موقف أدونيس المتمثل في عدم تبني موقف صريح من إدانة بعض الاحداث التي تحصل في سوريا والتي أثارت إستياء عالميا من قبل العديد من المنظمات الدولية وحقوق الإنسان بغض النظر عن رأينا في طبيعة الإحتجاجات التي تحدث هناك منذ عدة أشهر تثير تساؤلات حول طبيعة هذا الموقف والخلفية الفكرية والأيديولوجية والسياسية التي تقف وراءه ولكني أختلف مع الأستاذ عاصم إجتهاده في قراءة هذا الموقف أنه ينطلق من خلال موقع "أنه اختار الطائفية ووقف مع النظام الذي يعمل آلة التقتيل في شعبه ربما إنتصارا للطائفية وربما خوفا من الموت " كما جاء في خاتمة مقاله وارى انه ليس من الضرورة أن يكون هذا الموقف ينطلق من موقف طائفي فربما له أسباب أخرى لا علاقة لها بالطائفية مثل التخوف من سيطرة التيارات الدينية على السلطة هناك وهو الموقف الذي عبر عنه أدونيس بصراحة في مقابلات صحافية متعددة أنه لا يؤيد ثورة تخرج من الجوامع والمساجد وهو موقف يشترك معه في ذلك بعض المفكرين والباحثين العرب الذين يخشون إن الإنفلات الحاصل في بعض الدول العربية ربما تساعد على سيطرة الاحزاب الأسلامية على الحكم فيها ولكن ربما بسبب أن أدونيس ينتمي بحكم الإنتماء الطائفي إلى نفس الطائفة الدينية التي تنتمي إليها النخبة السياسية والأمنية في هذا البلد فسر الكثير هذا الموقف بالطائفي كما أود الإشارة في الوقت نفسه أن هناك أيضا كثيرا من المثقفين العرب – وليس أدونيس وحده - أحجموا عن تأييد بعض حركات الإحتجاج التي تحدث حاليا في بعض أجزاء الوطن العربي وخاصة تلك التي تنطلق من أجندة غامضة وأهداف ليست واضحة سوى المطالبة بإسقاط النظام وكأن تحقيق هذا الهدف كفيل بتحقيق الحرية والديمقراطية والتنمية الإقتصادية في هذه الدول فالثورة لا تصنع دائما مجدا للدول التي تحدث فيها وخاصة إذا كانت ترافقها أعمال مسلحة تعمل على تفتيت الامن والسلام فيها وهناك ثورات تاريخية حدثت وأعقبت نجاحها سنوات طويلة من الإرهاب الدموي بعدها مثل الثورة الفرنسية التي بدأت للمطالبة بملكية دستورية ولكنها أنتهت بالمطالبة بالنظام الجمهوري ورافق ذلك سنوات طويلة من القمع والإرهاب الدموي والثورة الفلشفية في روسيا والتي لم تكتفي فقط بالحكم الإستبدادي الدموي وإنما مارست العبودية أيضا بحق شعوبها , وفي السنوات الأخيرة الثورة الإيرانية التي قام بها تحالف من التيارات الدينية والليبرالية واليسارية ولكنها أنتهت بالدكتاتورية الدينية وأما ما يحدث حاليا في بعض الدول العربية مثل سوريا واليمن وليبيا وقبل ذلك البحرين فإنها تدمي القلب وتفتت الفؤاد لبشاعة بعض فصولها الدموية .

هناك فرق بين النظرة الفكرية التي يمكن النظر من خلالها إلى طبيعة بعض حركات الإحتجاج التي تحدث في تلك الدول وبين التضخيم الإعلامي المؤدلج لها والتي تجاوزت في كثير من سياقاتها مرحلة التغطية الأخبارية وفق الأسس المهنية المتعارف عليها في وسائل الإعلام إلى مرحلة التحريض المباشر وتعبئة الرأي العام العربي للوقوف معها فإن طريق الإصلاح لا يأتي دائما على شكل ثورة تقودها معارضات لم يكن أحد يسمع لها صوتا حتى بالأمس القريب ولكن بين عشية وضحاها باتت تنافس نجوم الفن والطرب في الظهور على القنوات الفضائية .

الأستاذ عاصم الشيدي تطرق من خلال سياق الحديث عن أدونيس إلى نقطة خطيرة جدا لا تزال تثير الكثير من الجدل وعلامات الإستفهام في فضاء الفكر العربي وهي تأثير الإنتماء الطائفي على الرؤية الفكرية والسياسية في العالم العربي وخاصة بين الطبقة المثقفة التي من المفترض إنها تحررت من هذا المفهوم الدوغمائي الذي يقوم على أيديولوجية الفرقة الناجية وهي أيديولوجية دينية بإمتياز وتقف على نقيض الفكر العلماني الذي يقوم على التعددية الدينية والفكرية وترفض الإنتماءات التي تقوم على النزعات الدينية والعرقية .

الطائفية هي نزعة إصطفائية تقوم على مبدأ التعصب وترى الحق في جانبها فقط ولذلك تعمل على إقصاء الآخر وإخراجه عن دائرة الشرعية وتتنوع أنواع الطائفية لتتخذ أشكالا وإتجاهات متعددة فهناك الطائفية الدينية التي ترى الحقيقة في دين معين مقابل الاديان الأخرى ولا تخلو دين منها إذ إن مبدأ نشأة الأديان يقوم على إحتكار الحقيقة المطلقة ورفض الأديان الأخرى ومحاولة نزع الشرعية عنها في خطابها الديني

وهناك الطائفية المذهبية التي تعتقد إنها تمثل الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وكل ما يخالفها فهو في النار خالد فيها أبدا وهناك أيضا الطائفية السياسية والتي تقف بحكم الإنتماء الطائفي المشترك وراء حزب سياسي أو نظام سياسي معين من اجل الإشتراك في الدين أو المذهب وتتواجد في بعض الدول العربية التي تحكمها الأنظمة الشمولية التي تعتمد على طائفة معينة وليس بالضرورة جميع المراكز فيها وإنما المناصب السيادية والحساسة غالبا .

تتميز الطائفية الدينية عن شقيقتها السياسية إنها تعتمد في شرعيتها من خلال مسلمات عقائدية متجذرة في العقول منذ مئات السنين وتنطلق من خلال نزعة إصطفائية ترى الحقيقة المطلقة في جانبها فقط ولذلك لا تجد حرجا في إقصاء الآخرين من منظومة الشرعية الدينية وأما الطائفية السياسية فإنها لا تنطلق من رؤى دينية أو أسس عقدية وإنما من أجندة سياسية تقف وراء المذهب أو الطائفة من اجل خدمة مصالح واجندة سياسية , و الطائفية السياسية – غالبا - لا تقيم أي وزن للوطن ومصالحه العليا ولا للشعب وإنما للسلطة السياسية التي تخشى إنها بفقدها أو التخلي عنها قد تفقد جميع إمتيازاتها السياسية والمادية والإجتماعية , والطائفي السياسي على خلاف الطائفي الديني لا يقيم وزنا للمذهب الديني والطائفة التي ينتمي إليها إلا بمقدار ما يمنحه ذلك من إمتيازات سياسية وإجتماعية ومادية فقط , ولذلك فليس من المستغرب في الأنظمة الشمولية وخاصة في الوطن العربي أن نجد شخصا يتبنى الفكر العلماني ولكنه في نفس الوقت الوقت يعيش الطائفية في أبشع صورها الإقصائية وهو في سبيل الحفاظ على مصالحه السياسية لا يتردد في الإستعانة بكتب التراث وإخراج ما فيها من أحقاد طائفية وفتاوى تكفيرية وتوظيفها ضد الآخر.

يرى الأستاذ عاصم الشيدي في مقاله إن من الأدلة التي تدل على طائفية ادونيس كتابه الشهير " الثابت والمتحول " ويقول بأن " سحابة الطائفية كانت تعشش في رأس أدونيس وهو ينجز الكتاب ويستطيع القارىء أن يتلمسها في اجزاء الكتاب الأربعة " وحتى لا اظلم الشيدي فإني أصارح القارىء بأني لم أقرا الكتاب المذكور وكنت أتمنى من الكاتب أن ينقل للقارىء بعض النصوص من الكتاب حتى نستطيع الحكم عليها أو لها ولكن حتى لو فرضنا – مثلا – أن لأدونيس رؤية مغايرة لبعض الأحداث التاريخية - كما أستدل الكاتب برأي أدونيس عن حادثة السقيفة - فإن الرؤية من الاحداث التاريخية لا يمكن الإستدلال بها والإعتماد عليها في الحكم على الأشخاص بانه طائفي أو غير ذلك لأن من طبيعة المفكر أنه لا يستطيع أن يحبس نفسه في داخل الإطار المذهبي في النظر إلى الخلافات التاريخية القديمة التي تعتبر جزء من التاريخ وليس من الدين أو المذهب ولا يشترط بحكم إنتمائي إلى طائفة فلانية أن تكون نظرتي إلى الحادثة التاريخية الفلانية او الموقف الفلاني نفس نظرة الطائفة الدينية التي وجدت نفسي بغير إختيار مني في لحظة تاريخية من الزمن جزء من منظومتها العقدية من باب الوراثة وليس من باب الإعتقاد .

إن هذة النظرة إلى الاحداث التاريخية وربطها بالنظرة المذهبية إليها سواء من هذه المدرسة الفكرية أو تلك برؤية بعض الباحثين والمفكرين المعاصرين إليها تنطلق من رؤية أيديولوجية بحتة تكاد تعصف بجميع منجزات الحداثة المعرفية وخاصة الأبستمولوجية منها وتحبس الباحث والمفكر في إطار فكري سميك لا يكاد يخرج منه حتى لا يتهم بالطائفية أو الترويج لمدرسة فكرية معينة

إن لجوء بعض المفكرين العرب إلى الطائفية في الأزمات السياسية الكبيرة لها أسباب متعددة منها أنه نتيجة لغياب الممارسة العلمانية الحقيقية في العالم العربي حيث يجد المفكر العلماني – مثلا - الذي ينتمي إلى طائفة معينة عندما يشعر بأن هناك من يهدد كيانه وشخصيته بسبب إنتمائه بحكم الوراثة والمنشأ إلى طائفة معينة لا يستطيع الرجوع إلى أي جهة أخرى سوى الطائفة فقط التي تبقى الحضن الآمن له بسبب عدم وجود مؤسسات قانونية ودستورية تستطيع حمايته وتوفير الامن له

يشبه الدكتور علي الوردي في كتابه " مهزلة العقل البشري " الإطار الفكري بالقيد البشري الموضوع على العقول من حيث لا نحس " وهو بهذا الإعتبار كالضغط الجوي الذي نتحمل ثقله الهائل على اجسامنا دون أن نحس به وقد نحس به بعض الإحساس إذا إنتقلنا إلى مكان آخر يتغير فيه مقدار الضغط عندئذ نشعر بأننا كنا واهمين كذلك هو العقل البشري فهو لا يحس بوطأة الإطار الموضوع عليه إلا إذا إنتقل إلى مجتمع جديد ولاحظ هنالك أفكارا ومفاهيم مغايرة لمألوفاته السابقة انه يشعر عندئذ بانه كان مثقلا بالقيود الفكرية وأن فكره بدأ يتفتح " ولذلك فإن الإنفتاح على الحداثة بأدواتها العصرية المختلفة ومنها العلمانية هو الحل الوحيد للخروج من المأزق الطائفي الذي بدأ يجتاح وبقوة العالم العربي وأشتد ضراوة بعد أحداث البحرين وسوريا .
إن غياب الممارسة العلمانية الحقيقية في العالم العربي سواء من ناحية الفكر السياسي أو الفكري ساهم وبشكل كبير في تغلغل النزعة الطائفية في خطاب النخبة السياسية والفكرية فيها ولعل الخوف من تسلط الأغلبية في ظل غياب الديمقراطية الحقيقية في العالم العربي ساهم وبشكل كبير في إنتشار هذه النزعة لدى بعض الأقليات وأيضا شعورالأغلبية تارة أخرى من الروابط المذهبية والدينية لبعض الأقليات المذهبية والدينية لديها مع دول اخرى تشترك معها في العقيدة والخوف من إنتقال هذا الإرتباط الديني ليشمل جوانب اخرى وفي ظل هذه الاجواء التي تسيطر عليها عامل الخوف وأجواء اللاثقة بين الطرفين يبقى الهاجس موجودا لدى الجميع في العالم العربي من الآخر وخاصة إذا كان هذا الآخر من المختلف معه دينيا أو مذهبيا وفي ظل غياب العلمانية الحقيقية فإن هذا الخوف سوف يبقى موجودا وربما تأخذ شكلا تصاعديا في المستقبل القريب وخاصة في ظل تمدد نفوذ التيارات الدينية في العالم العربي .
ويبقى مقال الأستاذ عاصم الشيدي جدير بالتقدير والإحترام لأنه يعبر عن موقف مليء بالألم والحسرة على مواقف بعض المثقفين العرب وخاصة من كثيمن الإنتهاكات الخطيرة التي تحدث أمام مرأى من العالم ومسمعه حتى ولو أختلفنا مع بعض تفاصيله .


ملاحظة : هذا المقال نشر اليوم الثلاثاء 19 / 7 / 2011 في جريدة عمان في ملحقها " شرفات "
المجموعات
غير مصنف

تعقيبات