صالح عبدالله البلوشي
حوار من اجل قراءة جديدة للعلمانية .... رد على مقال عبدالله العليان الاخير " 1 )"
بواسطة بتاريخ 16/08/2011 في 12:51 PM (580 الزيارات)
إن العلمانية تعتبر ظاهرة فكرية تتضمن رؤية إلى المسائل المختلفة من خلال رؤية إنسانية ودنيوية منفصلة عن الرؤية الدينية لها ولا تعتبر العلمانية دينا مستقلا مقابل الأديان الاخرى وإنما تقوم على احترام جميع الأديان والإتجاهات الفكرية الأخرى من منطلق الحياد إزاءها. لذلك فإن ما تروجه بعض الكتب المعاصرة وخاصة التي تنطلق من رؤى وأهداف أيديولوجية بأن العلمانية تعادي الأديان وتعمل على نشر الإلحاد والإباحية في المجتمع إنما هي قراءات خاطئة لهذه الظاهرة الفكرية. وللأسف الشديد فإن ما ساعد على ترويج هذه الأفكار التي لا تقوم على أساس منهجي هو افتقار العالم العربي إلى الدراسات المنهجية والأبستمولوجيه عن العلمانية والتي تغلب عليها القراءة الأيديولوجية مثل كتاب العلمانية” للدكتور سفر الحوالي وكتاب مذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب وغيرها، ولذلك فإن الحوار عن العلمانية هو خطوة نحو قراءة صحيحة لهذه الظاهرة الفكرية بعيدا عن القراءات الأيديولوجية.
ومن هذا المنطلق أشير إلى المقال الذي كتبه الكاتب عبدالله بن علي العليان في العدد رقم 323 من ملحق شرفات الصادر بتاريخ 9 أغسطس 2011 تحت عنوان العلمانية جاءت لحسم الصراع بين الكنيسة والسلطة المدنية في الغرب تعقيبا على مقال سابق لي في نفس الملحق.
أستغرب الكاتب في بداية مقاله من تسميتي العلمانية بالحركة الإصلاحية وقال بأني تجاهلت حركة الإصلاح الديني التي بدأت في القرن السادس عشر في الغرب على يد مارتن لوثر الألماني في عام 1520م، وتبعه في ذلك المسار جان كالفن” السويسري 1536م ، وكانت هذه الحركة واضحة التوجه الإصلاحي لتجاوزات الكنيسة وتعسفها الفكري واستبدادها السياسي والاجتماعي ووقوفها ضد الإبداع والانطلاق العلمي والتقني المناقضة حسب زعمهم ـ لتفسيرات الكنيسة الدينية.
ولذلك فان حركة الإصلاح الديني هي التي انطلقت لتحرير العقل الأوروبي من تكبيلات الكنيسة الكاثوليكية وتدخلاتها في السياسة والعلم والإبداع ومحاربة المبدعين والعلماء”
لم أتجاهل حركة الإصلاح الديني في مقالي السابق عن العلمانية حيث وصفتها بالحدث المهم في أوروبا ولكن حركة الإصلاح الديني في الوقت التي استطاعت فيه تحرير اللاهوت الديني من السلطة البابوية التي احتكرت ولقرون متطاولة شرح وتفسير النصوص اللاهوتية إضافة إلى تأويلاتها المعارضة لأصول المسيحية وابتداعها أصولا أخرى مثل صكوك الغفران ومحاكم التفتيش وغيرها إلا إنها لم تستطع تحرير العقل الأوروبي من اشكال الأسطرة المختلفة وإنما ساهمت أيضا في زيادة الانشقاق الطائفي هناك ولولا حركة التنوير الأوروبي لطالت الحرب الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت جميع دول أوروبا وأكلت الأخضر واليابس في بلدان هذه القارة بأكملها، إضافة إلى أن حركة الإصلاح الديني كانت تنطلق من مرجعية دينية بمفاهيمها اللاهوتية المعقدة، وكانت تهدف إلى تنقية الديانة المسيحية من الاصول الوثنية. ولم تحاول الحفر في البنية العميقة لهذه الديانة من أجل تحريرها من جميع أشكال الخرافة والأسطرة كما حدث ذلك في فكر التنوير على يد الفيلسوف الكبير سبينوزا في كتابه مقالة في اللاهوت والسياسة . إضافة إلى كتابات كانط في نقد العقل المحض” وكتابات الفلاسفة الآخرين مثل هيجل وديكارت وديدرو وسان سيمون وفولتير وغيرهم بحيث نستطيع أن نقول بأن بداية عصر النهضة لأوروبا ونهوضها الفكري والعلمي ابتدأت منذ عصر التنوير وبواسطة فلاسفة التنوير وليس بفضل الإصلاح الديني البروتستاني.
أود الإشارة هنا ايضا أن جان كالفن ( 1509 – 1564 )هو فرنسي وليس سويسريا كما ذكر الكاتب ولكن استقر به المقام أخيرا في جنيف بسويسرا والكالفينية هي مذهب ذو نزعة أوغسطينية ومن ثم فهي اشد صرامة وتصلبا من اللوثرية التبشيرية وتتغلغل فيها بقوة المثل العليا التطهيرية ( البيوريتانية )كما تذهب إلى أن الخلاص مسألة مقدرة مقدما ولقد كانت تلك إحدى السمات الأقل جاذبية للاهوت المسيحي ... ( أنظر حكمة الغرب لراسل ج 2 ص 43 )
وقد كان كالفن متعصبا لمذهبه ولم يعرف عنه التسامح الديني بحق الطوائف الاخرى حتى انه أمر بإخراج غير المنتمين لمذهبه من جنيف.
وأود ان أوضح للقارئ الكريم أيضا هنا بأن استخدامي لعبارة الحركة الإصلاحية” على العلمانية جاءت ردا على الكاتب العليان نفسه الذي وصف العلمانية في مقاله السابق بأنها لم تكن حركة إصلاحية وإنما كانت انتهازية ولكن لم يوضح لنا الكاتب أسباب وصفه العلمانية بهذه الصفة أو الشواهد التي أستند إليها في ذلك.
نفى الكاتب في مقاله الدوافع المذهبية للحروب الصفوية / العثمانية وقال بأنها كانت حرب من أجل المغانم والمكاسب ولم أذكر في مقالي بأن سبب الحروب الصفوية العثمانية كانت لأسباب مذهبية ولكن لا شك أن السلاح الطائفي كان متواجدا فيها وبقوة أيضا في مواجهة الآخر وعندما أراد السلطان العثماني سليم الأول غزو إيران استنجد بالمفتي العثماني نوح الحنفي الذي لم يتوانى في سبيل إرضاء سيده بإصدار فتوى طويلة في كفر الصفويين وشركهم ووجوب قتلهم جاء في مقدمتها : أعلم أسعدك الله ان هؤلاء الكفرة والبغاة الفجرة قد جمعوا بين أصناف الكفر والبغي والعناد وأنواع الفسق والزندقة والإلحاد ومن توقف في كفرهم والحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم ... إضافة إلى فتاوى أخرى لعلماء آخرين مثل ابن عابدين وأبو السعود أفندي العمادي وآخرين ( أنظر تنقيح الفتاوى الحامدية لأبن عابدين ص 94 – 96) وفي الطرف المقابل كانت مؤلفات وفتاوى شيخ الإسلام في الدولة الصفوية محمد باقر المجلسي سلاحا لدى حكام هذه الدولة لمحاربة العثمانيين والحيلولة دون انضمام بلاد فارس إلى الدولة العثمانية وخاصة الاجزاء الثلاثة الاخيرة من موسوعته الكبيرة بحار الأنوار” وغيرها وأما إشارة الكاتب العليان إلى كتاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي” للدكتور علي شريعتي فلم أفهم الغرض منه سوى الإشارة إلى الاختلاف بين التشيع الصفوي وما أسماه بالتشيع الأصيل ولا أدري ما علاقة ذلك بالموضوع؟
يتبع
- المجموعات
- غير مصنف










