صالح عبدالله البلوشي
العلمانية حركة إصلاحية وضرورة إنسانية وليست إنتهازية .. ( رد على مقال عبدالله العليان )
بواسطة بتاريخ 26/07/2011 في 08:19 AM (1818 الزيارات)
حصيلة اندماج الدين بالسياسة هي محاكم التفتيش "
ألبير كامولا تزال العلمانية بمدلولاتها المختلفة ومدارسها الفكرية المتنوعة مثار جدل ونقاش في العالم العربي وخاصة حول علاقتها بالفكر الديني ومدى ملائمتها للبيئة العربية التي يغلب عليها طابع التدين ومن ضمن المقالات التي أثارت بعض الأسئلة حول العلمانية وأثارت الشكوك في كونها حركة إصلاحية مقال الكاتب العماني عبدالله بن علي العليان الذي نشر في ملحق شرفات العدد رقم 320 الصادر بتاريخ 19 / يوليو / 2011أسهب الأستاذ العليان في مقاله المذكور الحديث عن مصطلح العلمانية ومعانيها المتعددة حتى أخذ ذلك قريبا من نصف المقال وأستشهد في ذلك بآراء بعض المفكرين الإسلاميين وأطال في ذلك مثل سالم البهنساوي والدكتور محمد عماره إضافة إلى الدكتور صبحي الصالح حتى خلص في نهاية المقال أن " العلمانية لم تكن حركة إصلاحية وإنما كانت اقرب إلى الفكرة الإنتهازية التي تبرر ما يفرضه الواقع القائم ودليلنا على ذلك أن العلمانية في تركيا الكمالية غير العلمانية في أوروبا وعلمانية الولايات المتحدة غير علمانية روسيا وشرق أوروبا بل ان العلمانية في بريطانيا غير العلمانية في فرنسا والشواهد متوافرة لا يتسع المقام لسردها " أعتقد أنه من الظلم أن نصف العلمانية التي أستطاعت تحرير العقل الأوروبي من أسرالسلطة الدوغمائية المرتبطة بالمفاهيم اللاهوتية حسب رؤية الكنيسة الرومانية في الحقول المعرفية المختلفة وخاصة في تفسير الظواهر الطبيعية والكونية بانها لم تكن حركة أصلاحية وإنما مجرد حركة إنتهازية حسب وصف الأستاذ العليان فالعلمانية لم تكن فقط حركة أصلاحية وإنما ضرورة تاريخية فرضتها المرحلة التاريخية الحرجة التي كانت تمر بها أوروبا في تلك الفترة وخاصة في ظل تسلط الكنيسة على الحركة العلمية والثقافية والفكرية هناك بحيث لم تترك مجالا لأي باحث حر من اجل الحفر في الحقول المعرفية المختلفة وإلا تعرض للإضطهاد الكنسي وربما الإعدام بطريقة بشعة ايضا كما حدث للعالم الشهير جيورداونو برونو الذي أحرق حيا سنة 1600 بسبب أفكاره الكوسمولوجية واللاهوتية ومئات أخرين في الحقول العلمية المختلفة .
في القرن الثالث عشر شهدت أوروبا أسوأ الفصول السوداء في تاريخها الطويل حيث تم تأسيس محاكم التفتيش التي كانت مهمتها الرئيسية ملاحقة كل فكر يخالف الرؤية الدينية للكنيسة البابوية في روما وخاصة التي تتعلق بالكتاب المقدس وابتدأت في إيطاليا بقرار من البابا جونيور الثالث عشر وفي ظل هذا القانون الكهنوتي الجائر تم إعدام المئات من الأبرياء بحجة مخالفة قوانين السماء وقد تواصلت فصول التحريم حتى أخذت شكلا آخر في القرن السادس عشر عندما أصدرت الكنيسة البابوية قرارا آخر بتحريم قراءة وتداول الكتب التي تخالف تعاليم الكنيسة الرومانية وهو نفس القانون الذي لا يزال موجودا في بعض الكتب الفقهية عند المسلمين حتى اليوم وأدين بسببه المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد وبسببه تم إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه وإغتيال المفكر فرج فوده وآخرون .
في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة البابوية تلاحق أهل الفكر والتنوير وترمي بهم إلى مقصلة محاكم التفتيش وفي الوقت الذي شهد فيه التاريخ المسيحي حدثا تاريخا مهما وهو إنشقاق الراهب الإصلاحي مارتن لوثر عن الكنيسة الرومانية وتأسيسه للمذهب البروتستانتي سنة 1517 وما تبع ذلك من حروب طائفية طالت الكثير من الدول الأوروبية مثل فرنسا وأسبانيا وألمانيا وغيرها بين الطوائف المسيحية المختلفة وخاصة بين الكاثوليك والبروتستانت وذهب ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء بدأت بعض الأصوات الحرة تظهر خفية وفي العلن في بعض المناطق لتعلن عن ولادة فلسفة جديدة تقوم على سلطة العقل وتعلن عن رفضها لجميع هذه الممارسات التعسفية التي تأذن بتحويل أوروبا إلى واحة كبيرة من الدمار والخراب وحاولت بالرجوع والاستعانة بالتراث العقلاني للفلسفة الأغريقية إلى ممارسة عقلانية نحو علمنة الدين وعقلنته وبدأت تطال حتى الكتاب المقدس كما فعل الفيلسوف الهولندي سبينوزا في كتابه " مقالة في اللاهوت والسياسة " وأيضا في كتابه الأسطوري في عقلنة الأخلاق " علم الأخلاق " إضافة إلى العشرات بل المئات من الفلاسفة والعلماء الذي ساهموا في إنطلاق الإنسانية إلى عصر الأنوار حتى قيام القطيعة الأبستمولوجية الكبرى في القرن السابع عشر بين العقل والإيمان وهي التي بدأت مع قضية إدانة جاليليو والتي تمت إدانته بسبب إن قوله " بأن الأرض لا تقع في مركز الكون كان يعادل التشكيك في الأسطون الفلسفي للمجتمع القرووسطي والرؤية المؤسسة لذلك المجتمع تلك النظرة المبنية على القراءة الحرفية / الجامدة للكتاب المقدس وفلسفة أرسطو " ( أنظر غاليليو الاسئلة المبصرة والأجوبة العمياء .. إعداد عقيل عيدان ) وبعد أكثر من مائة سنة أنطلقت أوروبا وقفزت قفزتها المعرفية الكبرى نحو القطيعة الأبستولوجية الثانية مع الفيلسوف كانط وكتابه التاريخي " نقد العقل الخالص " سنة 1788 قبل أن يدشن أنشتاين القطيعة الثالثة سنة 1900 .
لم تكن العلمانية مجرد حركة إصلاحية فقط في أوروبا وإنما كانت رسالة إنسانية من أجل تحرير الإنسان من سلطة الرهبان ورجال الدين وتحرير العقول من التفسيرات الميتافيزيقية والماورائية التي حبست الفكر الأوربي قرون طويلة بين سجونها الفكرية الضيقة , لقد كانت رسالة " مقالة في التسامح " لفولتير – مثلا - وهو الفرنسي الكاثوليكي صرخة تاريخية في وجه الإضطهاد الكاثوليكي للأقلية البروتستنانية في فرنسا بينما لم تصدر في تلك الفترة التاريخية التي كان العالم الإسلامي يشهد صراعا مريرا بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا رسالة واحدة تدعو إلى التسامح ونشر ثقافة الحوار في المجتمعات الإسلامية بينما أمتلأت المكتبة الإسلامية بمئات الكتب والعناوين في نشر ثقافة الكراهية والتكفير بين المسلمين .
أما إستدلال الكاتب العليان بفساد المنهج العلماني بتعدد تطبيقاتها في بعض الدول فيبدو أن الأستاذ العليان كغيره من بعض الباحثين في الفكر الإسلامي ينطلقون في دراستهم ونقدهم للعلمانية والليبرالية وكأنها دين أو مذهب ديني له مراجعه الأساسية وأصوله وفروعه وفلاسفته الذين يرجع إليهم في الفهم والتفسير مثل المذاهب الإسلامية المختلفة ولذلك يحتجون بفساد العلمانية بأختلاف تطبيقاتها في بعض الدول وهم يتناسون بان العلمانية هي مدرسة تعددية وتعتمد على التنوع في الممارسة الفكرية والسياسية ومع إن العلمانية التركية لا تتوافق مع العلمانية الحقيقية لإنها تأسست على الدكتاتورية والحكم العسكري ولكن مع ذلك فإن العلمانية الكمالية هي التي أوصلت حزبا ذات إتجاه إسلامي وهو حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وهي التي ساهمت أيضا في إعادة إنتخابه مرة أخرى قبل عدة أشهر فقط بينما لا تزال الأنظمة التي تقوم على المرجعية الدينية بإتجاهاتها المختلفة تراوح مكانها منذ عشرات السنين وترفض التوجه نحو التغيير الديمقراطي ولو تحت شعار الدين , والإختلاف حول تطبيق العلمانية بين الدول التي تؤمن بها شبيه بإختلاف الدول التي تتبنى الخطاب الديني فهي لا تتبع مدرسة إسلامية واحدة وإنما مدارس مختلفة فالمدرسة التي تحكم إيران – مثلا – تختلف عن تلك التي حكمت أفغانستان أيام حكم طالبان وهي بدورها تختلف عن تلك التي تحكم السعودية ولكن الأصل في جميعها هو الدين حسب الرؤية التي تعتقد بها فلماذا نؤاخذ العلمانية على إجتهادتها المختلفة بينما نمتدح ذلك في الدول الدينية ونعتبرها إجتهادات داخل الدين الواحد ؟
إن العلمانية على خلاف ما يعتقد كثير من الباحثين الإسلاميين لم تكن ضرورة أوروبية لتحريرها من سلطة الكنيسة وإنما هي ايضا حركة إنسانية تدعو للإيمان بالتعددية ومبدأ التسامح الإنساني وإخضاع المنظومة الدينية بشبكتها المفاهيمية المختلفة لسلطة العقل والعلم وهو نفس المبدأ الذي كان ينادي به فلاسفة الإسلام من قبل أمثال الكندي والفارابي وإبن رشد وغيرهم وأيضا متكلموا المعتزلة وسبقوا بها فلاسفة التنوير في أوروبا بمئات السنين مما ينسف النظرية التي تقول بأن العقلانية هي إنتاج غربي ولا حاجة لنا به بينما هي في الحقيقة إنتاج إسلامي أصيل
إن المكبوت التاريخي الذي أنفجر في العراق بعد الإحتلال الأمريكي وأحرق – ولا يزال – الأخضر واليابس في هذا البلد العريق وأطاح بحضارة السبعة ألاف سنة في لحظة جنونية من عمر الزمن مرشح بالإنفجار الكبير أيضا في دول اخرى إذا لم تسارع إلى عملية التغيير وإعلان لحظة الثورة الأبستمولوجية على كل اللحظات التاريخية التي شاءت أن تحبس الأمة بين أسوارها الحديدية وسجونها المرعبة مئات من السنين دون ان نشارك في صناعة تلك اللحظات أو حتى المساهمة فيها ولكن شاءت الأقدار أن نكون ضمن منظومتها المعرفية وأسرها التاريخي منذ اللحظات الأولى لولادتنا وخروجنا إلى الحياة ولذلك فإن نشر مفهوم التسامح والتعددية في المجتمع هو الخطوة الأولى نحو التنوير والإنطلاق إلى عصر الحداثة .
لقد أستطاع فلاسفة النهضة والتنوير في أوروبا من إعلان الثورة على التعصب الديني والعقلية الكهنوتية التي كانت تقف سدا منيعا وحائطا صلبا دون إنطلاق النهضة الأوروبية ولكنهم كافحوا وناضلوا وقاسوا السجون والويلات والمطاردة والقتل حتى أستطاعت أوروبا بفضلهم من التحرر من الماضي العتيق والمظلم والإنطلاق إلى عصر الأنوار والحداثة في كافة المجالات .
ملاحظة : هذا المقال نشر اليوم في جريدة عمان في ملحقها الثقافي " شرفات " 26 / 7 / 2011
- المجموعات
- غير مصنف










