رؤية النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    تاريخ الانضمام
    14/03/2016
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    13

    افتراضي ميقات رجل من الأعراف 3



    اليوم الأول:

    ما الذي أتى بي إلى هنا، أهو خليط الفضول والخوف؟!
    إنها الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، الظلام سيد المكان وحاكمه، أنا الدخيل! بيوت الطين المهجورة، الذكريات القديمة للمكان وسكانه رائحتها أقوى من الأشياء العتيقة هنا!
    أدوات فخار مُعلقة، بساط تشقق من فعل الزمن، نَخيل مُعاقة وشبه ميتة، كطير نُتفت أجنحته، كل شيء مُوحش، كل هذه الخيوط تُأرجحها الرياح، أضافت رُعباً أو تحذيراً بالإبتعاد!
    حسناً الذي أتى بي هنا هو رؤيا ألحت بي في الليالي المُنصرمة، فَحواها أنني قابلت رجلاً هنا، حسنا لا أستطيع القول بأنه رجل، كيان ما!
    قدم واحدة لديه وعباءة بلون الظلال ورأس صغير ورقبة أصغر، رقبته كأصبعي السبابة في طولها وعرضها، لا يملك يدين، يُخاطبني في هذا المكان الذي سكنه أجدادي سابقاً،
    كان يَصدمني بحديثه في المنام وكأنني أعلم من هو قبل وِلادتي في هذا العالم، لا أتذكر بعدها أي شيء من كلامه سوى جملة واحدة،
    في كل الرؤى التي سنحت لي في المنام لا أتذكر سوى هذه الجملة فقط" الكلام الذي أخبرتك به لا يسعه العالم الذي تستيقظ فيه، في عالم الأحلام هناك كلماتي تُسمع!"
    لقد سنح لي أكثر من سبع مرات، ومع ذلك لا أتذكر إلا هذه الجملة!
    رفعت مصباحي بضوءه المشوش، هززته كعادة معتادة للبطارية، زادت اضاءته قليلاً، مررت بنوره على الأطلال المهجورة، بيوت ساقطة من فعل الزمان، أنصاف الجدران تكثر هنا، السقف المنهار أيضاً،
    العقارب تكثر هنا والحشرات هنا، كل شيء ينتمي للمكان هنا إلا أنا! اقتربت من أحد البيوت المهجورة ودخلت داخلاً، كم هو محزن دخول أماكن اكتنف أهلها التراب، ألهذا هي حزينة ومنهارة،
    البساط في المجلس هذا من سعف النخيل، عقرب انزوى داخله، لا رغبة لي في قتله فأنا الدخيل ليس هو، غرفتان في هذا البيت، أحدهما بباب حديد منبعج ومنحنٍ، فتحته قليلاً الأغبرة تتساقط في وجهي،
    تراجعت للخلف قليلاً، بعدها ولجت داخلاً، بضع أكياس متيبسة وكراتين ممزقة، لا شيء هنا، على ما يبدو أنها مجرد رؤيا عادية، اقتربت من نافذة الغرفة، تصميمه الذي يوحي بقضبان السجون المُربعة،
    لا يوجد خلفها سوى نخيل من الزمن القديم، (باب الغرفة يُغلق خَلفي بقوة!!!) قلبي يكاد ينسلخ من جسدي، إنه لا يدق بل يَرقص! التفت رويداً رويداً وقلبي ومثانتي يكادان ينفطران رعباً، لم يكن أحد خَلفي،
    " آه الحمدلله"، قد يكون من فعل الرياح!
    أصوات أقدام تُسمع في المجلس، تدوس سَعف النخيل بثقلها!! لم تكن أقدام بشري قطعاً، فثقل وقوعهما كقدمي فيل!! تهزُّ المكان هزّاً، أنا ميت لا محالة! أنا الذي جنى على نفسه. فَتحت الباب الحديدي بخفة لكي أتلصص،
    قليلاً بعد، مررت المصباح من فتحت الباب لكي أرى من هناك، ضربات قلبي تزداد خشونة، تدق أكثر وأكثر، لم يكن هنالك أحد!! آآه سأخرج الآن وعهد علي أن لا أعود إلى هذا المكان قط!
    سقط قلبي في الأرض!! خطوات الأقدام خلفي في الغرفة، يقترب مني أياً كان هذا الشيء!! جَثوت على قدمي، أثقل قلبي علي، بدأت أفقد وعيي، لكن لم يمنع ذلك أن أرى ما خلفي،
    وما عدت بوجههي إلى الخلف حتى اصطدمت بوجهي حصاةٌ من النافذة، شيء يرميني بالحجارة من خلف النافذة، لا أعلم من أين تأتي!!
    حملت قدماي بصعوبة وهرعت خارجاً متعثراً بالأشياء أمامي، حتى سقطت أمام البيت، أشعر بأنني مراقب، عيون موجهة نحوي، حسناً هي المرةُ الأولى والأخيرة لن تخطو قدماي هذا المكان مُجدداً!
    توجهت عائداً ومن خلفي وفي أحد البيوت أضرمت ناراً فيه!!! هذا المكان وسكانه يحذرونني قطعاً من العودة مُجدداً، بدأت أهرول عائداً، لا أستطيع الركض فقدماي وقلبي لا يُسعفانني، لكن لحظة ما هذا الصوت الغريب!
    يخرج من النخيل المُحيطة بي، ماهذا؟! صوت طفل صغير يلحن شيء ما، إنه يقرأ القرآن!! أشعر بقشعريرة ككهرباء تسري بجسدي! يقرأ حتى وصل إلى هذه الآية "ببابل هاروت وماروت!!"
    يا للهول الآن تذكرت، الكائن الغريب الذي سنح لي كان يقولها! الآن تذكرت، إنه هنا! يعلم بوجودي هنا! لم تكن مُجرد رؤيا! هل علي العودة إلى بيت النار ذاك، كل شيء هنا مُخطط لي! كلا لن أعود قطعاً،
    وانطلقت عائداً، لكن مهلاً قد تعني عودتي أنني أفوت أكبر فرصة لدخول عالم آخر! القرار صعب، الخوف من الموت هو الذي يسحبني، حسنا فليكن ما يكن، سأعود إلى ذاك البيت.
    قدماي ثقيلتان حين يتعلق بالعودة إلى ذاك البيت، مع ذلك قاومت وتقدمت، إن النار في أحد الغرف فقط، استرقت النظر إذا هي غرفة مفتوحة وليست مغلقة " الحمدلله لا مزيد من الغرف المُغلقة"
    جرة من الفخار منتصف الغرفة! النار تَخرج منها، اقتربت منها شيئا فشيئاً، قعدت ورفعت رأسي لكي أرى ما بداخلها، انطفئت النار فجأة!! آه لقد فقدت مصباحي اثناء تعثري سابقاً،
    أحمل جسدي بيداي ليرتطم ظهري بشيء خلفي، شيء لم يكن صلبا، حسناً ارتطمت بجسد خلفي!! جِلده كجلد الفيل! قدمٌ واحدة فقط! هذا ما تحسسه ظهري!
    آه اليوم ميت لا محالة، الدموع تنهمر لا شعورياً، شعر جسدي كله بارز كقط مرعوب!
    من الكيان خلفي عباءة سوداء تنسدل من كتفي، تنسدل وتنسدل دون توقف، لقد ملأت عباءته الغرفة، وأنا أبكي رعباً، لساني خانني من المعوذات، كل ما يصدر منه مجرد تأتأة!
    "لست مُؤهلاً بالقدوم هنا بعد، لقد أخبرتك أن تفعل كذا وكذا قبل مجيئك هنا" اللعنة لقد تكلم الجسد خلفي، صوته كصوت التيس، لقد تكلم بكلمات غريبة لم أسمع بها من قبل!
    من خارج المكان، حيث النخيل الشبحية، بدأ صوت الطفل المرعب وقرأ قائلاً:
    حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور!!
    يصرخ بهذه الآية، صراخه كالمجنون، بدأت الجرة تطير إلى الأعلى دون أن يمسها أحد، تدور وتدور وانفجرت ماءاً، يا للجنون ماء هائل منهمر، أغرقت المكان وبدأت الأرض كلها تشرئب من هذا الماء،
    تزداد حدةً في انهمارها حتى امتلأ المكان كله ماءاً وبدوت أنا كالغريق، الأرض ترتج ماءاً، وأنا في قاعه، رئتاي امتلأتا عن آخرهما وبدأ جسدي يطفو للأعلى، وبدأ الموت يقترب منه، دقائق في غياب عن الوعي،
    جرفتني المياه معها هذا كل ما أذكره، وفي لحظات الموت الأخيرة، سحبتني يد للأعلى، الجبال كلها مُغرقة، عرفت أنها يد نبي الله نوح، وسفينته التي بدت وكأنها قمر يطفو في حجمها!
    وما إن هم برفعي، جرتني العباءة السوداء إلى القاع، العباءة التي أسدلها الجسد سابقاً!!
    "لستَ مُؤهلاً لهذا بعد" آخر ما سمعته كان هذا وجرني إلى القاع معه!

    استيقظت من أمام المكان المهجور، كنت أحسبه حلماً، لكني ملابسي كلها مبللة، ومرسغي به علامة قبضة نبي الله نوح! عدت إلى منزلي كالمجنون بعدها!





    آخر تحرير بواسطة IZIK : 17/05/2018 الساعة 07:32 PM

  2. #2
    تاريخ الانضمام
    14/03/2016
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    13

    افتراضي

    اليوم الثاني:



    لقد عدت مُجدداً إلى ذات المكان!، إن كنت تتساءل عن سبب قدومي مجدداً فحتى أنا لن أستطيع إجابتك، هو كظمأ لشيءٍ ما لا أعلمه

    ذات المكان المُوحش، ذات الأطلال المهجورة، الأرض بلا انسان مُوحشة، والأرض مع الإنسان متوحشة، كِلا الخياران بائسان، ها أنا مع مصباحي الجديد بخيطه الذي لففته حول مرسغي حتى لا يسقط هو الآخر كأخيه بالأمس، اليوم يميل للرياح أكثر من السكون، منذ العصر ترى الغبار يتراقص في سماء هذه القرية، بالطبع لم أخبر أحداً ما حصل معي البارحة، إن العطر يفقد رائحته إن رششته في الهواء، كذلك الأحداث، مع كونهم مندهشين من حالتي المرعوبة بالأمس، لكن مع ذلك لم أخبرهم.

    بالمناسبة لقد حضرت إلى صلاةِ الفجر هذا اليوم، ويا للعجب لقد تلى علينا قصة نوحٍ عليه السلام.

    (شيء يتحرك!) أشرت إليه بنقطة الضوء، لم يكن سوى كيس يتمشى بفعل الرياح، لم يكن شيئاً يُذكر، هل ما حدث بالأمس لم يكن سوى مجرد حلم؟! لا أعلم سنرى هذا اليوم! أسمعُ من بعيد شيء يُسحب، يحتك بالتراب!! شيء ثقيل جداً نسبةً إلى احتكاكه بالأرض، الصوت ينبع من قرب الساقية، بخفة وحذر شديدين توجهت نحو مصدر الصوت، من بعيد لاحت أجساد عملاقة، قُفَّ شعر بدني، بدأت البرودة تسري في جسدي! اقتربتُ بما يسمح لي برؤيتهم، الحمدلله لم تكن سوى ثلاثة من النوق! قد يموت أحدهم رعباً لرؤيتهن، لكن تجربة الأمس تجعل هذا أمرا يسيراً، أخذت من الأرض حصاة لأهش عليهن وأبعدهم من هنا، وصلت حيث يقفن، رميت الحصاة على احداهن والتفتت إلي، (قل هو الله أحد، الله الصمد)، يا الله لا أستطيع إكمالها، بلعت لساني وبدأت التأتأة من جديد، لم تكن مجرد نوق، ثلاثة نوق بأنصاف أجساد!! كل واحدة بنصف جسد، والشيء الذي يُسحب كان أمعائهن! الثلاث يشتركن بقلب واحد!! وُضع على سنام أكبرهن!! شرايين القلب تتوجه إلى ثلاثتهن كمجموعة أسلاك!

    هرولت كالمجنون دون تناغم، خطوات غير منتظمة، ومن بين النخيل هناك، خرج صوت الطفل عن يميني كما حصل بالأمس، هل هذا ما ينقصني الآن، وأخذ يتلو من القرآن، لكن ليس كالأمس، (أفرءيتم الات والعزى!) وعن يساري أيضاً برز صوته! (ومناة الثالة الأخرى!)، لم يكن عقلي يحلل شيئاً سوى كيفية الخروج من هنا، السبيل للعودة من حيث أتيت، فجأة وجدت الطفل أمامي من العدم، طفل شديد البياض كضوء القمر، طويل الشعر كشباك صياد، ليكمل قائلاً ( ألكم الذكر وله الأنثى!!)، جسدي وعقلي أصغر من يتحملا كل هذا، سقطت مغشياً على الأرض، فاقدا الوعي.

    استيقظت بعد دقائق من غياب الوعي، هل بي مس من الجنون، أم كل ذلك قد حصل بالفعل، وأنا أمسح التراب عن وجهي وشعري لم أنتبه لصوت تنفس أحدهم خلفي!! لم أكن مستوعباً الأمر بعد، لكن أشعر بشيء رطب أو ساخن قد وضع في ظهري، الصوت يخرج منه، التفت بوجهي إلى كتفي، فإذا هي رئة عملاقة ملتصقة بظهري!! رئة احدى النوق من قبل! تنتفخ وتنكمش، شيء يتنفس على ظهري، هذا هو الموت بعينه، ليتني لم أفق من غفوتي تِلك، لكن مهلاً أشعر بشيء آخر، قدم الفيل العملاقة بالأمس، أشعر بها أيضاً، "ألم أخبرك أنك غير مهيء لهذا بعد! ألم أخبرك أن تفعل كذا وكذا قبل قدومك!!)، لقد تكلم مثل الأمس، انسدلت عباءته السوداء، كانها رقع من السماء تسقط علي، وأنا من فرط الذهول والرعب، كنت مشتتاً ولا أعلم ما الذي علي فِعله! من بين النخيل صرخ الطفل قائلاً:

    (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت!!)، لتأتي النياق بعدها بأنصاف أجساد وجسدها مُجوف لا شيء فيه، لأسحب من هناك في جوف احداهن لتلتصق الأخرى بها وكأنهن واحد، أنا لم تزد حالتي عن المجنون سوى أنني أكثر جنوناً منه، شعرت بالإختناق الشديد في الجوف الذي أنا فيه، شعور بالحرارة والضغط الشديدين، ها قد حانت نهايتي على ما يبدو، ها هي العيون تغلق لترحل من هذا العالم! أُغلقت مرة وفُتحت مرة لكن في مكان آخر، غار حراء

    الحرارة والضغط في المكان تخنقان كما كنت في جوف الإبل! ما هذا، أحدهم هنا، كلا أنا أعلم من هذا الذي أمامي، الرجل الذي لا أرى سوى ظهره، أنا أعلم من هو، إنه سيدي رسول الله، إنه يتعبد هنا رافعاً كلتا يديه يدعو، أما أنا كنت في سكرة سكير أو نوبة مصروع من هول كل ما رأيته!

    أنزل يديه الشريفتين وكأنه علم بوجودي معه، التفت برأسه إلى كتفه، كأنه التسليم بنهاية الصلاة، ليقول بصوته المطمئن:



    هل سمعت أجراس القديسين بداخلك

    أم سمعت صلوات الموحدين

    أم نضحت السماء على نعشك

    ألم تسمع أصوات المُعزين

    ألم تشعر بالغربة يا غريب

    أم صرت صنما في جدار المُشركين

    هل أتاك نبأ إبراهيم

    أم كنت كبيرهم في يديه الفأس مرفوع

    هل نطقت حين أمرك الساجدون

    ألا تذكر صرحك الموقود

    هل اطلعت على إلهك المزعوم

    أم كان إلهك مقدود على هواك المشئوم

    هل أنت مسرور الآن

    تجالس الجميع إلا أنت

    ما أكرهك أنت لأنت

    لن يشعل ما في ذاك النعش سواك

    لن تشعله نيران الثائرين

    لن تشعله معجزات المرسلين

    شرارة منك فقط تشعله

    إذن هل سمعت أجراس السماء

    إذاً فارفع فأس إبراهيم

    كنت أنت إبراهيم!





    لم أتمالك نفسي حتى بكيت، مالذي يعنيه هذا يا سيدي يا رسول الله، ليَهمَّ صلوات الله عليه أن يلتفت إلي بوجهه الكريم، حتى إذا التفت حولي عباءة سوداء، "لست مهيىءً لهذا بعد"، سُحب وعيي بعباءته تلك، لأستيقظ في ذات المكان يوم أمس، لكن ملابسي هذه المرة مليئة بالغبار!.



    يُتبع،،،،

  3. #3
    تاريخ الانضمام
    30/01/2013
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    10,054
    مشاركات المدونة
    28

    افتراضي

    مساء الخير اخي...

    هل هذه كتابتك.. ما شاء الله..

    كنت اتابع فلم ف التلفاز..
    وحين بدأت قرائتك وجدتني اتابع فلماً آخر من روايتك..

    بإنتظارك هنا..موفق
     التوقيع 

    لو كتبت من الشعر حرف ومدايد
    ما وفيت الحق وأوصاف وعلوم

    لا عدمتش ي الغلا هذي وعايد
    في حنايا الروح ي القلب الرحوم

    من يحس بضيقتي وقت الشدايد
    لا خليت امي ولا ساعه ويوم

  4. #4
    تاريخ الانضمام
    14/03/2016
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    13

    افتراضي

    اقتباس أرسل أصلا بواسطة noor umri مشاهدة المشاركات
    مساء الخير اخي...

    هل هذه كتابتك.. ما شاء الله..

    كنت اتابع فلم ف التلفاز..
    وحين بدأت قرائتك وجدتني اتابع فلماً آخر من روايتك..

    بإنتظارك هنا..موفق
    مساءك جميل أختي،
    نعم هي كتاباتي
    شكرا على مرورك الطيب

  5. #5
    تاريخ الانضمام
    14/03/2016
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    13

    افتراضي

    اليوم الثالث:

    إن الصدمة الأولى هي كل شيء، ما يأتي بعدها مجرد أعراض، إن بداية الخسوف هو الصدمة الأولى، أما ما يأتي بعده فهو مجرد أعراض! هذا هو اليوم الثالث، ها أنا ذا أكثر تحملاً وصلابة عما كنته باليوم الأول، إنني قائم في ذات المكان، ذات الأطلال الموحشة، وإن الحدث قد بدأ بالفعل، ثلاثة نسوة أمامي من بعيد، يحملن الجرار على رؤسهن، والبراقع على وجوههن، عيونهن كعيون القطط تلمع من بعيد، يرقبنني، مع ذلك أجدني أكثر صلابة عن الأمس وقبله، إن الخوف والرعب داخلي محبوس كما يُحبس برد الشتاء في الجوف ادعاءاً للقوة!

    الإنسان كائن يحب الإدعاء والتظاهر، حسناً هذه المسرحية لست أنا بطلها، بل الأشياء التي أمامي، تماماً كأن تشاهد فلما أبطاله بشر وكلب يشاركههم، بإمكانكم القول بأنني في هذا الحدث أنا الكلب، فبعد كل شيء أنا الكائن الدخيل هنا!

    النسوة لم يتحركن من أماكنهن منذ ساعة من الآن، وأنا لم أتحرك كذلك، على ما يبدو أنه يجب علي التحرك، تقدمت ثلاث خطوات متوجسات، ما إن فعلت ذلك حتى ركضن ركض الوحوش نحوي، سقطت الجرار من على رؤسهن لتسكب خمراً على الأرض، لم يزد شعوري عن شعور القط في حالة نَزَق، "وشارب الحب يصحو بعد سكرته" أحدهم قالها لا أعلم من أين جاء الصوت، حاولت التراجع للوراء، لكن قدماي لم تكن سوى قدمين بشريتين، عكس أقدام النسوة التي أحطن بي وبلغن مكاني، حاولت كتم خوفي، لكن رئتاي تصفران شهيقاً كفرس أضناه التعب، رفعت احداهن يدي، وعلى جانب ذراعي نقشت شيئاً، كانت تحمل حناءاً في يدها، نقشته على يدي وما إن فرغت، حتى تبخرن من أمامي سوى ملابسهن السوداء سقطت على الأرض، "وشارب الحب طول العمر سكران!"، أحدهم قالها مُجدداً ! لم يكن صوت طفل، بل صوت رجل جهوري، رفعت ذراعي لأرى ما نُقش عليها، لكن كان النقش مُبهماً وغير جلي، ما إن خفضت يدي حتى دُهشت من رؤيةِ تابوتٍ قد وضع على مسافة قليلة أمامي، لم يكن هناك قطعاً! لقد جاء من العدم كما حصل مع أقرانه، قفل كبير عليه، حتى الفجوة المخصصة للمفتاح كانت كبيرة جداً، أعلاه توجد سكين صغير وورقة مغروسة، اقتربت منه حتى بلغته، لم تكن ورقة، بل جلد أحد الحيوانات، أزلت السكين عنه، ورفعت الجلد لاقرأ ما كتب عليه، سُطِّرَ فيه هذه الكلمات:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من ماكارا خادم عزرائيل المبجل، أما بعد:

    هل عندك قلب حمزة ابن عبدالمطلب؟!

    إن لم يكن عِندك، التفت عن يمينك.


    في الحقيقة لم أفهم شيئاً، لا ارادياً التفت يميناً كما نصت الرسالة، فإذا برمح يطير كنسر جارح من الظلمة، القاه رجل شديد السواد، هل هذا تشكل لوحشي!! اللعنة لم يسعفني الوقت للتفكير حتى، لقد اخترق الرمح قلبي وشقَّ جسدي مُلقياً اياه خارجاً!!

    كل هذا حصل في بضعة ثوان، إنني أموت، لقد نُزع قلبي، حتى إنه ليس لدي وقت للتفكير في الموت، إنه يمتصني على عجالة، كل شيء بدأ ينهار، الدماء بلغت حنجرتي وقد تقيأتها بالفعل، ركبتاي اتصلتا بالأرض بالفعل! الدماء لا تكف عن التردد في حنجرتي، إن ثانيةً من الموت كحياةٍ كاملة، كل شيء تراه أمامك، طفولتي، شبابي هذا، أقراني ومن أحب، كل شيءٍ غدا وهماً، أدركت لحظتها أن الحياة برمتها التي نتقاتل لأجلها ليست سوى ملهاة بفم طفل، ظن المسكين أنها ضرع أُمه! إنني أموت مع ذلك أشعر بالسعادة، لا أعلم لماذا، لكن أشعر بالسعادة، أشعر بدفىء الله، أشعر وكأن الملائكة تغار مني، أشعر أن السماوات هي التي تنزل لأجلي، لا أنا أصعد إليها، إنني أشتم رائحة الفردوس، أشعر بحنينها يرطب روحي، وسحبها تطهرني من كل دنس، ما هذا الجمال، أشعر وكأنني زهرة تداعبها الريح وتنتشي فرحاً برقصها، إنني أموت مع ذلك أشعر بالسعادة، آه تذكرت الرسالة، قلب حمزة، هل هذا ما شعر به سيدنا حمزة قُبيل أن يموت، آه من هذا الكم الهائل من الجمال، كطفل اختبأ تحت جناحي طير، إنني أشعر بالمعنى، أن يموت الإنسان وقد أرسى معنىً نبيلاً في حياته، وأي معنى ذاك الذي يخدم القدوس جلَّ في علاه، ياله من موتٍ جميل، آه الآن قد وعيت معنى قوله تعالى "السلام عليك يوم ولدت ويوم تموت ويوم تُبعث حيا" نعم إنه السلام!

    صوت قرقعة، لقد فُتح القفل!! كان مفتاح القفل هو قلبي!! لقد غُرس هناك عن قَصد! ارتفع غطاء التابوت من تلقاء ذاته للأعلى، حصل هذا اثناء سقوطي أرضاً، عيناي بالكاد يبصران، إنهما يودعان هذا العالم، كان آخر شيء رأته عيناي هو ما بداخل التابوت، كانت ملفوفة بغطاءٍ من حرير، عصا نبي الله موسى!!

    فإذا هي تتحرك ووتقلب وتهتز، فإذا هي حية تسعى، حية لم أرى أكبر منها من قبل، شديدة الحمرة، التقمتني قبل أن أقع على الأرض، تسحب جسدي داخلها، حتى أكملت ما هي بصدده، في الحقيقة لم يتملكني الخوف، بل شعور الجمال هو الغالب!

    لم أمت!! كذلك لم أعد كما كنت!! لا أعلم ولكنني في هيئة طفل صغير العب مع صبية آخرين، آخر ما أتذكره هي حية! المكان لا أعرفه، البناء ليس كأي بنيان شهدته من قبل في حياتي كلها، كل شيء غريب هنا! ناداني أحد الرجال من بعيد عليه عباءة سوداء، إنه يعرفني، كان برفقته رجل آخر أيضاً، وضع يده على خدي الأيمن وهمس على أذني اليسرى "أنا أعلم بأنك لا تنتمي لهذا المكان، أنت لست مهيئاً لهذا بعد"، رفع يدي التي نُقشن عليها النسوة، لقد كنت قادراً على قراءة ما كتب فيها "إنك لن تستطيع معي صبرا"، في صدمة مصروع أدركت أن الرجل الذي بجواره هو نبي الله موسى، رفع الرجل عباءته السوداء على رقبتي وقام بخنقي، ويدي تستنجد نبي الله موسى، الذي لم تزد ملامحه عن الشفقة والرحمة! سقطت ميتاً في ذلك العالم، أما في هذا العالم فقد قمت من حيث بدأت أول مرة، رقبتي تُوجعني كثيراً، أتحسسها بيدي لأنتبه بأن آثار الحناء عليها!! ما هذا الجنون، لكن ما سطر عليها كان مُختلفاً، "الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا!" كم هو غريب هذا العالم، عدت إلى منزلي وفي رأسي ألف قصة وقصة!.


مواضيع مشابهه

  1. الردود: 0
    آخر مشاركة: 25/04/2017, 06:36 PM
  2. [ معروض ] لعشاق الاكلات الشعبيه العمانية واليمنية افتتاح مطعم المغراف بالخوير
    بواسطة Hhsb1993 في القسم: سوق الأطعمة والحلويات والهدايا
    الردود: 1
    آخر مشاركة: 29/09/2016, 09:47 AM
  3. الردود: 2
    آخر مشاركة: 18/01/2011, 11:56 AM
  4. استفسار عن ميقات العمرة
    بواسطة السعيد المبتسم في القسم: السبلة الدينية
    الردود: 9
    آخر مشاركة: 16/01/2011, 02:52 PM
  5. ما اسم ميقات أهل عمان ؟؟ هل هو ((الجحفة)) ؟؟
    بواسطة ضحى الإسلام في القسم: السبلة الدينية
    الردود: 19
    آخر مشاركة: 15/12/2010, 12:14 PM

قواعد المشاركة

  • ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
  • ليس بإمكانك إضافة ردود
  • ليس بإمكانك رفع مرفقات
  • ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك
  •