أخبار السبلة الدينية
 
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
رؤية النتائج 1 إلى 30 من 38

الموضوع: تصفية الملفات

  1. #1
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي تصفية الملفات

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

    ----------------

    نقلتا في موضوع سابق عن دورة التدبر في القرآن للشيخ داوود سنان
    واليوم سنطرح دورة تصفية الملفات قبل الوفاة للشيخ داوود بو سنان
    في دروس القيام والبكرة والأصيل



    الدوره من برنامج تدبر وتحت إشراف الفاضلة عائدة الحجرية
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  2. #2
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    سورة التحريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8).


    المحاضرة الأولى : مشهد من مشاهد يوم القيامة ( الأشقياء على حافة نار جهنم ) .

    سورة الأنعام : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) .

    الله تعالى ينقل لنا مشهد من مشاهد يوم القيامة ، حيث الأشقياء على حافة نار جهنم ، (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) ، على الحافة ، على وشك الدخول .

    سورة التحريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6).

    وبالتحديد الأشقياء على حافة نار جهنم ، والملائكة يشرفون على إدخال الأشقياء نار جهنم ، استحضر وتخيل وتصور الأشقياء في هذا الموقف ، والأشقياء يطلبون أن يردوا إلى هذه الحياة ، التي لا زلنا نحن فيها الآن ، (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ) ، ماذا سيفعلون هنا في الدنيا ، (وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، فهم وهم على حالهم تلك على وشك الدخول إلى نار جهنم ، يطلبون العودة إلى الدنيا لكي لا يكذبوا بآيات الله ، ولكي يؤمنوا بها ايماناً يقينياً .

    (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) هذه هي أعظم نعمة ، في هذا الوجود ، وهي الحياة في ظل الإيمان بالآيات ، وعدم التكذيب بشيء منها ، لأن الحياة في ظل الإيمان بالآيات تولد عملاً صالحاً ، وهو ما يطلبونه في سورة السجدة .

    سورة السجدة : وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) .

    يعني نفس الطلب ، الذي بينه الله في سورة الأنعام ، والذي يطلبه الأشقياء ، نفس الطلب ذكر أيضاً في سورة السجدة .


    (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا) الأن أبصروا الحقيقة ، والأن سمعوا الحقيقة ، (فَارْجِعْنَا) يطلبون الرجوع إلى الدنيا ، وذلك لكي : (نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) وبالجمع بين الآيتين ، معنى ذلك أنهم يطلبون الرجوع إلى الدنيا من أجل الإيمان بالآيات والعمل الصالح ، ولذلك غالباً ما يأتي الإيمان مصحوباً بالعمل الصالح ، وذلك مثل :

    سورة البقرة : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ... (25)

    سورة البقرة : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)

    سورة النساء : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... (57)

    سورة النساء : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... (122)

    سورة المائدة : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)

    سورة يونس : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)

    سورة هود : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)

    سورة الرعد : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29)

    سورة ابراهيم : وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)

    سورة الكهف : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)

    سورة الكهف : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107)

    سورة مريم : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)

    سورة الحج : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14)

    (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)

    هذا هو الإيمان الحقيقي ، الإيمان الحقيقي هو الذي يولد عملاً صالحاً ، والإيمان المراد به هو الإيمان بالآيات ، لآن الآيات تتضمن حقائق غيبية ، من أجل أن يعملوا صالحا .

    سورة العصر : وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3).

    سورة الأنعام : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) .

    جميع الأشقياء وبدون استثناء يدركون قيمة هذه الحياة ، قيمة هذه الأنفاس ، التي نحن ما زلنا نتمتع بها ، ويطلبون العودة إلى الدنيا ، ولكن هل الله تعالى سيستجيب لهم ؟

    كلا ، وعوضاً عن ذلك الله سيريهم أعمالهم ، (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) ، بدا يعني ظهر ، الله تعالى يريهم أعمالهم السيئة القبيحة قبل دخولهم نار جهنم ، لكي يدخلوا جهنم وهم مقتنعون ، تمام الاقتناع ، بأنهم يستحقونها ، وأن الله لم يظلمهم .
    (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) ماذا كانوا يخفون من قبل ؟

    السيئات ، الأشقياء عندما كانوا هنا في الدنيا ، ماذا كانوا يخفون ؟ الشقي كان يخفي السيئات ، والله يظهر له هذه السيئات التي كان يعملها في الدنيا ، يظهرها الله له على حافة نار جهنم ، لكي يقتنع تمام الاقتناع أنه يستحق دخول نار جهنم ، وأن الله لم يظلمه .

    وما يأكد هذا قوله تعالى في سورة الزمر :
    سورة الزمر : وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48)

    وكذلك في سورة الجاثية :
    سورة الجاثية : وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33)

    وسيتبين لنا مع الآيات أن ما سيظهر لهم شيء كثير ، لم يكونوا يتوقعونه ، لم يكن في حسبانهم اطلاقاً ، بسبب عامل النسيان ، عندما كانوا يرتكبون السيئات في الدنيا ، كانوا لا يتذكرونها ، تمر الأيام والأسابيع والشهور والسنوات ، وهم يرتكبون السيئات ، السيئات تلو السيئات ، ولا يتوقفون عن ارتكابها ، سينسون الكثير منها .
    ركز : في سورة الزمر :
    سورة الزمر : وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)

    ما لم يكونوا يتوقعون ، وسنرى أن كل شقي يفاجئ ، يصاب بمفاجئة ، يفاجئ بأعماله السيئة القبيحة ، بكثرتها ، بكثرة حجمها ، لأنه كان في الدنيا يعملها وينساها .
    سورة الزمر : وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)
    يتبع
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  3. #3
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي


    الله تعالى يبين لنا حقيقة غيبية :
    سورة الأنعام : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) .

    ركز جيداً :

    (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
    الله يبين لنا أن جميع الأشقياء وبدون استثناء ، لما وصلوا إلى حافة جهنم ، وبالتالي يستحقون دخول نار جهنم ، هؤلاء لو أعادهم الله ، ولو يعيدهم الله إلى هذه الحياة الدنيا سيعودون إلى نفس الأعمال السيئة والقبيحة التي كانوا يرتكبونها .

    (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .

    وهذا من تسبيح اسم الله العليم ، يعني الله تعالى ليس عليماً بالمستقبل فحسب ، بل عليم كذلك بما لن يكون لو كان كيف كان يكون ، لأن عودة هؤلاء الأشقياء إلى الدنيا أمر لن يكون ، يعني عودة هؤلاء إلى الدنيا أمر مستحيل ، والله عليم بهذا المستحيل لو وقع ماذا سيقع فيه .

    (وَلَوْ رُدُّوا) هذا لن يقع ، لكن مع افتراض وقوعه ، (لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) ، هذا يعطينا برهاناً ودليلاً على أن الأشقياء ، لو منح الله لهم ما لا نهاية في العمر ، لو منح الله لهم عمرا أبدياً في الدنيا فإنهم سيبقون على نفس الحال ، يعني هم بشر لا يتغيرون .

    مع أنهم يعدون الله تعالى ، بأنهم سوف يصلحون من أحوالهم ، وذلك في لحظات العذاب الأدنى المحيط :
    سورة يونس : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23).
    هم يعدون الله (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) وعدوا ربهم بأنهم سيشكرونه ، وذلك عندما أحاط بهم العذاب الأدنى المحيط من كل جهة ، لكن هل وفوا بوعدهم في هذه الحياة ؟

    (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) لقد عاشوا حالة الإخلاف في هذه الحياة ، في كل مرة ، في كل مرة يعدون ربهم بالشكر ، إلا أنهم في كل مرة يخلفون ، وعاشوا هكذا حتى ماتوا ، وبالتالي لو أعادهم الله إلى الدنيا ، سيعودون إلى نفس الحال .

    وهذا هو الإنسان الكفور :

    سورة الإسراء : وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67)
    هذه هي حقيقة الكفور ، يعيش في الدنيا ، والله تعالى يمنح له فرصاً ، الفرصة تلو الأخرى ، وهو في كل مرة يضيع الفرص ، يفوت على نفسه الفرص ، يخلف الوعد .
    سورة الإسراء : وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69).
    وقد يعد الله تعالى أيضاً في حالة أخرى ، ليس بالضرورة أن يكون في وسط البحر ، قد يكون في بيته ، ولكن يعد الله تعالى بأنه إذا من عليه من فضله بكذا وكذا ، مما يرغب فيه من نعم ، قد يكون محتاج إلى سكن ، أو إلى وظيفة ، فيدعوا الله تعالى .

    سورة التوبة : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78).

    (لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) يعني أعطانا وسخر لنا مسكناً أو وظيفة أو سيارة أو رزقنا ولداً ، (لَنَصَّدَّقَنَّ) يعد الله بأنه سيتصدق ، (وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) ، وما هي النتيجة :

    سورة التوبة : فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77).

    نرجع إلى مشهد الأشقياء وهم على حافة نار جهنم :

    سورة الأنعام : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) .

    (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)

    هؤلاء الله تعالى يبين لهم أعمالهم السيئة قبل دخول جهنم ، وذلك كي يدخلوها وهم مقتنعون ، أن الله لم يظلمهم مثقال ذرة .

    سورة مريم : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68).

    (حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) هم الآن حول جهنم ، لم يدخلوها بعد .

    (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ) والشياطين أي مع قرنائهم من الجن ، والحديث هنا عن الأشقياء ، لأن السعداء ليس لهم قرناء ، فقد تخلص السعداء من قرنائهم في الدنيا ، فالسعداء الآن ليس لهم قرناء .
    هذا في سورة مريم ، أما في سورة الجاثية :

    سورة الجاثية : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) .

    الأمة هنا هي أمة شقية ، وليست أمة سعيدة .

    سورة الجاثية : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32).
    يبين الله لهؤلاء الأشقياء أعمالهم السيئة قبل دخول نار جهنم ، لكي يدخلوها وهم مقتنعون ، أن الله لم يظلمهم مثقال ذرة .
    (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) وهذه أمة شقية ، وهي جاثية ، والجثو هو موقف من الذل والهوان ، أمة شقية جاثية على حافة نار جهنم ، والجثو هو أن يجلس هؤلاء الأشقياء على ركبهم ، يعني في هيئة من الذل ، ينحنون على الركب ، هذا وهم على حافة نار جهنم ، وينتظرون دخول جهنم .

    (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) الكتاب هنا ليس الوحي ، الكتاب هنا ليس القرآن ، ولا التوراة ولا الإنجيل ، الكتاب هنا هو كتاب الأعمال .

    سورة الحاقة : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25)

    هو كتاب الأعمال ، هو علم الله بأعمال البشر ، يعني ما يعلمه الله من أعمال هذا الإنسان الشقي ، يخرج له كل أعماله السيئة ، يرى كل أعماله السيئة في هذا الكتاب ، (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، لكن قبل الجزاء الله تعالى يريهم أعمالهم ، وهذا من عدل الله تعالى ، يعني الله تعالى لا يعذب أحداً ، لا يدخل شقياً في جهنم مهما كان إجرامه ، إلا بعد أن يظهر له جميع أعماله ، (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .

    (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) ينطق عليكم ، يعني ينطق ضدكم ، يعني ليس في صالحكم ، (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، يعني هذا الشقي الله تعالى يريه نسخة طبق الأصل لحياته التي كان يعيشها ، نسخة طبق الأصل من حياة التكليف التي كان يعيشها ، ركز : حياة التكليف فقط ، ليس الحياة كلها ، عندما كان صغيراً ، عندما كان طفلاً رضيعاً ، لم يكن مكلفاً ، نتكلم عن حياة التكليف ، حياة التكليف 30 سنة ، 40 سنة ، 50 سنة ، 60 سنة ، 70 سنة ، من حياة التكليف ، يراها بحذافيرها ، بتفاصيلها ، في أدق جزئياتها ، لكن لماذا كل هذا ؟؟؟
    لكي يقتنع ، وسنرى أن كل شقي يدخل نار جهنم وهو مقتنع تمام الاقتناع بأنه يستحقها ، وأن الله لم يظلمه ، وهذا من تسبيح أن ننزه الله عن الظلم .
    سورة الجاثية : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)

    وكلمة الكتاب تأتي في كتاب الله تعالى بمعني الوحي ، سواء كان قرآناً أو زبوراً ، أو أنجيلاً أو توراتاً ، وتأتي بمعنى علم الله ، فرعون يسأل موسى عليه السلام :
    سورة طه : قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)

    ركز :

    سورة الجاثية : هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)

    السؤال : هل هذا الكتاب مجرد دفتر أو كراسة أو مفكرة فيها كتابة لرؤوس أقلام أو خطوط عريضة لحياة هذا الشقي أم هو شيء فوق ذلك ؟
    الجواب : هو شيء فوق ذلك .
    هو فوق ما نتصور ، لأن البعض يتصور أن الكتاب عبارة عن أوراق ، هكذا أوراق قليلة ، هكذا بضعة أوراق يجد فيها خطوط عريضة عن حياته ، أو مختصراً لحياته ، لا ليس هكذا .

    هذا شيء فوق ما نتصوره ، ولا يعلم ماهيته إلا الله وحده سبحانه وتعالى ، (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .

    يتبع بإذن الله ،،،
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  4. #4
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    الله تعالى يبين لنا حقيقة غيبية :
    سورة الأنعام : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) .

    ركز جيداً :

    (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .
    الله يبين لنا أن جميع الأشقياء وبدون استثناء ، لما وصلوا إلى حافة جهنم ، وبالتالي يستحقون دخول نار جهنم ، هؤلاء لو أعادهم الله ، ولو يعيدهم الله إلى هذه الحياة الدنيا سيعودون إلى نفس الأعمال السيئة والقبيحة التي كانوا يرتكبونها .

    (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .

    وهذا من تسبيح اسم الله العليم ، يعني الله تعالى ليس عليماً بالمستقبل فحسب ، بل عليم كذلك بما لن يكون لو كان كيف كان يكون ، لأن عودة هؤلاء الأشقياء إلى الدنيا أمر لن يكون ، يعني عودة هؤلاء إلى الدنيا أمر مستحيل ، والله عليم بهذا المستحيل لو وقع ماذا سيقع فيه .

    (وَلَوْ رُدُّوا) هذا لن يقع ، لكن مع افتراض وقوعه ، (لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) ، هذا يعطينا برهاناً ودليلاً على أن الأشقياء ، لو منح الله لهم ما لا نهاية في العمر ، لو منح الله لهم عمرا أبدياً في الدنيا فإنهم سيبقون على نفس الحال ، يعني هم بشر لا يتغيرون .

    مع أنهم يعدون الله تعالى ، بأنهم سوف يصلحون من أحوالهم ، وذلك في لحظات العذاب الأدنى المحيط :
    سورة يونس : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23).
    هم يعدون الله (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) وعدوا ربهم بأنهم سيشكرونه ، وذلك عندما أحاط بهم العذاب الأدنى المحيط من كل جهة ، لكن هل وفوا بوعدهم في هذه الحياة ؟

    (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) لقد عاشوا حالة الإخلاف في هذه الحياة ، في كل مرة ، في كل مرة يعدون ربهم بالشكر ، إلا أنهم في كل مرة يخلفون ، وعاشوا هكذا حتى ماتوا ، وبالتالي لو أعادهم الله إلى الدنيا ، سيعودون إلى نفس الحال .

    وهذا هو الإنسان الكفور :

    سورة الإسراء : وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67)
    هذه هي حقيقة الكفور ، يعيش في الدنيا ، والله تعالى يمنح له فرصاً ، الفرصة تلو الأخرى ، وهو في كل مرة يضيع الفرص ، يفوت على نفسه الفرص ، يخلف الوعد .
    سورة الإسراء : وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69).
    وقد يعد الله تعالى أيضاً في حالة أخرى ، ليس بالضرورة أن يكون في وسط البحر ، قد يكون في بيته ، ولكن يعد الله تعالى بأنه إذا من عليه من فضله بكذا وكذا ، مما يرغب فيه من نعم ، قد يكون محتاج إلى سكن ، أو إلى وظيفة ، فيدعوا الله تعالى .

    سورة التوبة : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78).

    (لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ) يعني أعطانا وسخر لنا مسكناً أو وظيفة أو سيارة أو رزقنا ولداً ، (لَنَصَّدَّقَنَّ) يعد الله بأنه سيتصدق ، (وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) ، وما هي النتيجة :

    سورة التوبة : فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77).

    نرجع إلى مشهد الأشقياء وهم على حافة نار جهنم :

    سورة الأنعام : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) .

    (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)

    هؤلاء الله تعالى يبين لهم أعمالهم السيئة قبل دخول جهنم ، وذلك كي يدخلوها وهم مقتنعون ، أن الله لم يظلمهم مثقال ذرة .

    سورة مريم : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68).

    (حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) هم الآن حول جهنم ، لم يدخلوها بعد .

    (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ) والشياطين أي مع قرنائهم من الجن ، والحديث هنا عن الأشقياء ، لأن السعداء ليس لهم قرناء ، فقد تخلص السعداء من قرنائهم في الدنيا ، فالسعداء الآن ليس لهم قرناء .
    هذا في سورة مريم ، أما في سورة الجاثية :

    سورة الجاثية : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) .

    الأمة هنا هي أمة شقية ، وليست أمة سعيدة .

    سورة الجاثية : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32).
    يبين الله لهؤلاء الأشقياء أعمالهم السيئة قبل دخول نار جهنم ، لكي يدخلوها وهم مقتنعون ، أن الله لم يظلمهم مثقال ذرة .
    (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) وهذه أمة شقية ، وهي جاثية ، والجثو هو موقف من الذل والهوان ، أمة شقية جاثية على حافة نار جهنم ، والجثو هو أن يجلس هؤلاء الأشقياء على ركبهم ، يعني في هيئة من الذل ، ينحنون على الركب ، هذا وهم على حافة نار جهنم ، وينتظرون دخول جهنم .

    (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) الكتاب هنا ليس الوحي ، الكتاب هنا ليس القرآن ، ولا التوراة ولا الإنجيل ، الكتاب هنا هو كتاب الأعمال .

    سورة الحاقة : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25)

    هو كتاب الأعمال ، هو علم الله بأعمال البشر ، يعني ما يعلمه الله من أعمال هذا الإنسان الشقي ، يخرج له كل أعماله السيئة ، يرى كل أعماله السيئة في هذا الكتاب ، (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، لكن قبل الجزاء الله تعالى يريهم أعمالهم ، وهذا من عدل الله تعالى ، يعني الله تعالى لا يعذب أحداً ، لا يدخل شقياً في جهنم مهما كان إجرامه ، إلا بعد أن يظهر له جميع أعماله ، (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .

    (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) ينطق عليكم ، يعني ينطق ضدكم ، يعني ليس في صالحكم ، (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، يعني هذا الشقي الله تعالى يريه نسخة طبق الأصل لحياته التي كان يعيشها ، نسخة طبق الأصل من حياة التكليف التي كان يعيشها ، ركز : حياة التكليف فقط ، ليس الحياة كلها ، عندما كان صغيراً ، عندما كان طفلاً رضيعاً ، لم يكن مكلفاً ، نتكلم عن حياة التكليف ، حياة التكليف 30 سنة ، 40 سنة ، 50 سنة ، 60 سنة ، 70 سنة ، من حياة التكليف ، يراها بحذافيرها ، بتفاصيلها ، في أدق جزئياتها ، لكن لماذا كل هذا ؟؟؟
    لكي يقتنع ، وسنرى أن كل شقي يدخل نار جهنم وهو مقتنع تمام الاقتناع بأنه يستحقها ، وأن الله لم يظلمه ، وهذا من تسبيح أن ننزه الله عن الظلم .
    سورة الجاثية : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)

    وكلمة الكتاب تأتي في كتاب الله تعالى بمعني الوحي ، سواء كان قرآناً أو زبوراً ، أو أنجيلاً أو توراتاً ، وتأتي بمعنى علم الله ، فرعون يسأل موسى عليه السلام :
    سورة طه : قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)

    ركز :

    سورة الجاثية : هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)

    السؤال : هل هذا الكتاب مجرد دفتر أو كراسة أو مفكرة فيها كتابة لرؤوس أقلام أو خطوط عريضة لحياة هذا الشقي أم هو شيء فوق ذلك ؟
    الجواب : هو شيء فوق ذلك .
    هو فوق ما نتصور ، لأن البعض يتصور أن الكتاب عبارة عن أوراق ، هكذا أوراق قليلة ، هكذا بضعة أوراق يجد فيها خطوط عريضة عن حياته ، أو مختصراً لحياته ، لا ليس هكذا .

    هذا شيء فوق ما نتصوره ، ولا يعلم ماهيته إلا الله وحده سبحانه وتعالى ، (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .

    يتبع بإذن الله ،،،
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  5. #5

    افتراضي

    موضوع قيم...
    هذا الموضوع من المواضيع المهمه
    بارك الله فيك

  6. #6
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي


    سورة الفجر : وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24).
    هذا في سورة الفجر ، أما في سورة النازعات :
    سورة النازعات : يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39).
    دائماً يتذكر أولاً (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى) ثم يدخل الجحيم (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى) لكي يدخل عن قناعة .

    وهذا من عدل الله تعالى ، من عدله بهؤلاء الأشقياء .
    وفي آخر سورة النبأ :

    سورة النبأ : إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)

    (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) لأنه عندما يرى أعماله السيئة كلها ، ويقتنع بأنه يستحق الدخول ، يتمنى لو كان تراب ، لكان أفضل وأحسن ، أن ينسف نسفاً ، أو يصير هباء أو تراب أحسن من أن يدخل جهنم .
    الأشقياء عندما كانوا يعيشون في هذه الحياة الدنيا ، كانوا يتذكرون القليل من أعمالهم السيئة ، وينسون الكثير من أعمالهم السيئة .

    سورة الكهف : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ... (57)

    يعيشون حالة من النسيان ، وذلك لعامل الزمن ، تمر السنوات وهم في غفلة ، لذلك هناك عاملين ، الزمن والغفلة .
    مثال :
    مجرم عاث فساداً في القرية لمدة 40 سنة ، بعد 40 سنة يكون قد نسي الكثير من جرائمه ، وتذكر القليل فقط من جرائمه ، وعندما تقبض الشرطة عليه ، في لحظة القبض ينكر الجرائم التي فعلها ، وهذا ما يحدث لشقي عندما يأتيه ملك الموت .

    سورة النمل : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28).

    (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) ينفي ، يقول : ما فعلت ، (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ).

    يجيبه الملك : (بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، انظر اسم الله العليم .

    فيقول له : هيا تعال نأخذك إلى الآخرة ، وفي الآخرة ستتبين لك الحقيقة.

    سورة النمل : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28).

    (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) حالة وفاة .

    (ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) هؤلاء الأشقياء يظلمون أنفسهم بالمعاصي .

    (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ) يعني يستسلمون ، لا أحد يستطيع أن يقاوم ، لا أحد يستطيع إلا أن يستسلم .

    (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ) الشقي في لحظات الموت الأولى ، في الوهلة الأولى ، لا يعترف بجرائمه ومعاصيه ، بل ينكر كل شيء .

    (بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) لكن ملك الموت يخبره بالحقيقة ، واسم الله العليم يتجلى يوم القيامة .
    سورة غافر : يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ... (16)

    (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ) : يعني مكشوفون ، لأنهم في الدنيا كانوا يعيشون تحت الغطاء ، يغطون جرائمهم ، يخفون جرائمهم ، والله تعالى يكشفهم يوم القيامة .

    سورة غافر : يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) .

    (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) هذا التفصيل الذي يبينه القرآن ، يبين كيف أن الله سريع الحساب ، عندما تنطق الجلود ، وتشهد الأذن ، وتشهد العين على هذا الشقي ، فعلاً أن الله سريع الحساب .
    سورة الحاقة : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)
    لأن هؤلاء كانوا يخفون ، فالذي يسرق لا يظهر سرقته بل يخفيها ، والذي يغش لا يظهر غشه بل يخفيه .
    سورة الأنعام : بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ... (28)

    سورة المجادلة : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)

    (أَحْصَاهُ اللَّهُ) : كلمة الإحصاء تكون للشيء الكثير ، يعني عملوا من السيئات الشيء الكثير ، ومشكلتهم أنهم نسوه ، وهنا يفاجئون ويباغتون يوم القيامة بالكم الهائل من الأعمال السيئة التي نسوها ، نسوا أنهم فعلوا كذا وكذا وكذا ، وقالوا كذا وكذا وكذا ، وأبصروا كذا وكذا وكذا ، وسمعوا كذا وكذا وكذا ، لكن كل هذا سيتذكرونه يوم القيامة على حافة نار جهنم ، وذلك قبل دخولها ، لكي يقتنعوا تمام الاقتناع أنهم يستحقون دخول نار جهنم ، وأن الله لم يظلمهم مثقال ذرة .
    (أَحْصَاهُ اللَّهُ) : وهم كذلك يعترفون بهذا الإحصاء .

    سورة الكهف : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49).
    (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)

    فيجدون يوم القيامة الكثير والكثير والكثير من أعمالهم السيئة ، وهذا الشيء الكثير يقنعهم بدخول نار جهنم ، وهم كانوا يتصورون ويظنون أنهم سيجدون شيئاً قليلاً ، لأنهم عاشوا النسيان والغفلة ، لم يكونوا يراقبون أنفسهم .

    سورة الكهف : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)
    ركز جيداً:
    يعني باختصار الإنسان الشقي هو الذي يحاسب نفسه غداً ، يعني الأمر لا يحتاج إلى استجواب واستنطاق ، ولا يحتاج إلى تحقيق ولا إلى احظار شهود ، الأمر لا يحتاج إلى هذا .
    سورة الإسراء : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14).
    نفس الشقي تعود عليه ، نفس الشقي هي التي تحاسبه ، تعود عليه ضده ، تشهد عليه ، تحاسبه ، إذن الأمر أسرع مما نتصور ، يعني الأمر ليس مثل الذي يحدث في الدنيا ، من أجل الحكم على شخص ، فإن الأمر يستدعي إحظار الشهود ، والبحث عن العلامات والأدلة والقرائن ، وربما يستنطق هذا المجرم ويحقق معه ، ويسأل ويجيب ، هذا كله لن يحدث يوم القيامة .

    سورة الإسراء : ... كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14).

    وينتهي كل شيء .
    سورة الأنعام : ... أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)

    الأمر أسرع مما نتصور ، لأنه باختصار نفس الشقي تعود عليه ، سمعه و بصره و جلوده كلها تنطق ، تنطق بما سمعه و بما رآه ، مدة حياة التكليف .

    سورة الإسراء : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14).

    كل شقي لن يدخل نار جهنم ، إلا وهو مقتنع تمام الاقتناع ، إلا وهو متيقن أن الله لم يظلمه مثقال ذرة ، وأن الله لم يخطأ في حقه مثقال ذرة ، وفوق هذا فإن الله يفتح لهم المجال لمن يتقدم باعتراض أو شكوى أو احتجاج ، ومع هذا لا ينطق أحد منهم .

    نحن في الدنيا الآن ، الطلبة بعد إجراء امتحان السنة الأخيرة في الدراسة ، قد يتقدمون بطعن أو شكوى ، ولا سيما إذا كان الطالب مجتهد ، ويعلم من نفسه أنه بذل جهداً ، لأن اللجنة التي تشرف على التصحيح من الممكن أن تقع في أخطاء ، هذا يحدث في الدنيا ، غداً يوم القيامة لا أحد يتقدم بطعن ،لا يوجد ، لا أحد من الأشقياء يتقدم بشكوى ، فوق هذا الله تعالى هو الذي يسألهم ، ويفسح لهم المجال ، قائلاً لم بالمعنى : يا عبادي ، هل ظلمت أحداً منكم ، فليتكلم ، فلينطق ، من وجد شيئاً في صحيفته لم يفعله في الدنيا فليحتج ، ومع الأعداد الغفيرة لهؤلاء الأشقياء ، لا أحد منهم ينطق ، لا أحد ينطق .

    سورة النمل : حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85).

    يسألهم الله ، ولا أحد ينطق ، (فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ) .
    محكمة الآخرة تختلف تماماً عن محكمة الدنيا ، محكمة البشر فيها صراخ ، فيها ضجيج وصخب ، أما محكمة الآخرة فليست كذلك .

    سورة طه : ...وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108)

    يعني كل شيء مبين وكل شيء مفصل ، والإنسان هو الذي يحاسب نفسه .

    سورة النمل : وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85).

    جميع الأشقياء يدخلون جهنم وهم مقتنعون أنهم يستحقونها ، وهم موقنون أن الله لم يظلمهم مثقال ذرة ، وهذا من تسبيح الله تعالى ، يعني الأشقياء قبل دخول جهنم ينزهون الله عن الظلم .

    سورة الكهف : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)

    (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) .

    بخلاف ما يحدث الآن في الدنيا ، الإنسان في الدنيا معرض ، قد يدخل السجن وهو مظلوم ، تكون فتنة ما في قرية ما أو مدينة ما ، ويلقى القبض على مجموعة من الناس ، منهم هذا الشخص ، قد يكون بريئاً ، براءة تامة ، وإنما لوقوع اللبس ، يشتبه في أمره ، فيزج به في السجن ، وقد يمكث في السجن سنين ، ثم تظهر براءته بعد حين ، هذا لن يحدث يوم القيامة ، لا يمكن أن يدخل شقي نار جهنم ، ثم يقال أن هناك خطأ ما وقع ، الله منزه عن هذا ، لن يحدث هذا هناك .

    الأمر الأخر : حتى المجرم والمجرم ليس بريء ، قد يزج به في السجن قبل المحاكمة ، قبل أن يحاكم ، طبعاً قد يكون مستحقاً لدخول السجن لكن يدخل السجن قبل المحاكمة ، في الآخرة لن يحدث شيء من هذا .

    وفي الدنيا قد يحاكم ومع نهاية المحاكمة واصدار الحكم ، تجد هذا المجرم لا يقتنع بالعقوبة ، يتهمهم بأنهم بالغوا فيها ، وقد يعترف بالجريمة ، لكن لا يعترف بحجم العقوبة ، يقول لهم لا أستحق كل هذا ، يحكمون عليه مثلاً عشر سنوات سجن ، فيقول لهم لا ، لماذا عشر سنوات؟ ، أنا أعترف أني أجرمت وظلمت وتعديت ، لكن لو تعاقبوني بسنة أو سنتين ، لماذا عشر سنوات ؟ ، أنكم تبالغون في العقوبة ، وهذا يحدث في الدنيا ، أما في الآخرة فلن يحدث شيء من هذا .

    وهذا ضروري جداً ، أن ننزه الله عن الظلم ، أن الله لا يظلم ، هناك عدل مطلق .

    سورة الكهف : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)
    نهاية المحاضرة الأولى


    يتبع....
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  7. #7
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    المحاضرة الثانية:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    سورة الكهف : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49).

    (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا )

    سنرى من خلال الآيات أن المجرم هو الذي يستصغر المعصية ، وليس المؤمن ، المجرم استصغر المعصية هنا ، وبناء على استصغارها ظل يرتكبها ، ويصر عليها ، ولما وضع الكتاب ورأى أعماله ، تبين له ذلك وتفاجئ ، إنها المفاجئة ، تفاجئ بأمور كان يستصغرها ويظنها لا تأثر عليه ، وإذا بهذه الأشياء التي يستصغرها كانت سبباً في شقائه .

    الذي يستصغر المعصية هو المجرم وليس المؤمن ، وسنرى أن سبب الشقاء هو استصغار المعاصي ، ومثال الاستصغار في كتاب الله نجده في سورة النور :

    سورة النور : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)

    (وَتَحْسَبُونَهُ) : يعني أنتم تحسبونه ، أما عند الله فهو بخلاف ذلك ، والمعصية هنا في سياق الآية تتعلق باللسان ، ليس الأمر يتعلق بمن أختلق البهتان من الإساس ، بل يتعلق بمن ينقل الكلام ، يعيد ما يسمع .

    (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) : يعني يأتيه خبر ، ولا يتأكد من صحته ، ولا يتبين ، ولا يتحقق ، بل يعيد ، الكثير من الناس هكذا ، يتعاملون مع الأخبار هكذا ، أي خبر يسمعه عن أي شخص يعيده ، لا يرى ضرورة لتبين ولا لتأكد .

    (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) : المعصية هنا تتعلق بجارحة اللسان ، يعني الأمر هنا لا يتعلق بالضرب وبالقتل ، بل باللسان ، تكلم عن شخص في عرضه ، ونقل الكلام ، أعاد ما سمعه فقط ، لم يختلق البهتان ، يعني ليس بالضرورة أنه تعمد الكذب ، ولم يعمد أن ينسب إلى شخص ما لم يفعله ، هو فقط ينقل ويعيد فقط لا غير ، يسمع خبر عن شخص فيعيد إرساله مباشرة دون تبين ودون تحقق ، دون تثبت ، دون تمحيص .

    سورة النور : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)

    (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ): هذه المعصية المتعلقة باللسان هي عند البشر هينه ، ولكنها عند الله عظيمة .
    السؤال : هل هذه المعصية المتعلقة باللسان ، هل هي عند الله هينة أم عظيمة ؟
    الجواب : هي عند الله عظيمة .
    لكن الناس يحسبونها هينة .
    إذن المشكلة عند الإنسان ، المشكلة في نظرة الإنسان ، الخلل عند الإنسان ، نظرة الإنسان ليست صحيحة ، عنده خطأ في النظرة ، نظرته خاطئة ، خاطئة جداً .

    وسنرى أن الإنسان لا يمكن له ، أن يقترب من أي معصية إلا إن استصغرها ، عندما يستصغرها يقترب منها ، وعندما يستعظمها ويراها كبيرة ، يجتنبها ويبتعد عنها ، فالمسألة تتعلق أساساً بالنظرة ، كيف تنظر إلى المعصية ؟ ماهي نظرتك إلى المعصية ؟ ، هل تستصغرها ؟ ، هل تستعظمها ؟ .
    مثال :
    الأسد الذي نعرفه ، الذي يتميز بخاصية الافتراس ، الأسد الذي هو ملك الغابة ، حجمه كبير وهو في الغابة ، حجمه ضخم ، يتميز بأنه عظيم ، لكن لو أن إنساناً أصيب بمرض في عينيه ، فرأي الأسد صغير ، هو بسبب المرض الذي في عينيه لا يرى الأسد بصورته الحقيقية ، لا يرى الأسد بحجمه الحقيقي ، بل يرى الأسد بحجم القطة ، فستصغره ، لذلك لم يفر ولم يهرب من الأسد ، بل أقترب من الأسد ، لذلك عندما تستصغر الشيء ، فإنك تقترب منه ، وإذا اقترب منه فالنتيجة معروفة .

    كذلك الإنسان عندما يستصغر المعصية ، أي معصية ، فإنه يقترب منها ، وإذا أقترب منها فإنه يرتكبها ، ويقترفها ، ويسقط فيها ، ويقع فيها ، لكن لو رأى هذا الأسد على حقيقته ، على ما هو عليه من حجم حقيقي ، رآه عظيماً ، رآه كبيراً ، رآه ضخماً ، فإنه سيفر منه ، ولن يقترب منه ، كذلك الإنسان لن يقترب من معصية يراها كبيرة ، يراها عظيمة ، ما دام يراها كبيرة وعظيمة فلن يقترب منها أبداً ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقترب منها ، سيفر منها ، لن يقترب منها ، وهذا معنى ولا تقربوا .

    سورة الأنعام : ... وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ... (151).

    سورة الإسراء : وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32).

    القرآن يقول لك لا تقترب ، يعني من الأساس لا تقترب ، كن بعيداً جداً .

    سورة النور : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)

    عندما يظهر الأسد ، كبيراً وضخماً وبحجمه الحقيقي ، في عيون هذا الإنسان ،فإنه لن يقترب منه ، ما دام هذا الإنسان يرى هذا الأسد عظيماً ، فلن يقترب منه ، كذلك المعصية ما دمت تراها عظيمة فستفر منها ، لن تقترب منها .
    لكن لو رأى الأسد صغيراً ، مثل قطة صغيرة ، وذلك لخلل في عينيه ، فإنه سيقترب منه ، ولن يفر منه ، والنتيجة أن الأسد سيفترسه ، سيأكله ، نفس الأمر فالإنسان إذا كان يرى المعصية صغيرة ، يستصغرها ، فإنه سيقترب منها ، وإذا أقترب من المعصية فإنه سيقع فيها ، ويكون أسيراً لها ، ستأسره هذه المعصية ، ستحكم عليه القبضة .
    سورة النور : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16).
    والقرآن من خلال هذه الآية ، يقدم لنا الحل أو المنهج الذي من خلاله نصبح نرى المعصية على حقيقتها ، وحقيقتها أنها عظيمة ، ويتأتى هذا بالتسبيح ،( سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) .

    (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) : يعني ترى البهتان عظيماً بعد التسبيح لا قبل التسبيح ، عندما تسبح ربك ستعظمه ، وإذا عظمت الآمر فإنك ستعظم الأمر .

    (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) : بعد أن كان هيناً ، (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا) ، وذلك لفقدان التسبيح .

    (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ) : صار البهتان عظيماً بعد التسبيح ، كل معصية ستكون كبيرة في نظرك بعد التسبيح ، لأنك بالتسبيح تعظم ربك ، وسنرى أن الأمر يتعلق بمن عصي ، وليس بالمعصية ، أو المخالفة ، أنظر إلى من عصيت ، ولا تنظر إلى المعصية ، العبرة بمن عصي ، وليس العبرة بالمعصية ، العبرة بمن عصي وهو الله ، الله هو العظيم .

    سورة الواقعة : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)

    سورة الواقعة : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)

    سورة الحاقة : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)

    السؤال : هل يمكن لإنسان في لحظة ما أن يقع في معصية ، مهما تكن هذه المعصية ، وهو في تلك اللحظة يعظم ربه بقلبه ؟
    الجواب : يستحيل ذلك ، حيث أنه لا يمكن لأي إنسان أن يقع في معصية إلا وقد فقد تعظيم الله في تلك اللحظة .
    إذن : الحل هو المداومة على التسبيح ، الاستمرارية ، حتى يظل الله عظيماً في القلب ، حتى يبقى الله عظيماً في القلب .



    المثال :
    ذهب مازن إلى الجيش ، في أول يوم عمل له في الجيش ، في أول يوم من أيام خدمته ، أستقبله القائد الأول في المعسكر ، وهو برتبة جنرال ، لكن أستقبله بلباسه العادي ، لباس مدني وليس لباس عسكري ، ووجه الجنرال أمراً لمازن ، فمازن ما دام يرى أن الشخص الذي أمامه هو شخص عادي بلباس عادي فلن يستجيب للأمر ، فمازن رفض أمر الجنرال لأنه لا يعرف حقيقة الجنرال ، فهو يحسبه شخص عادي ، لم يطبق الأمر ، لم يلتزم .

    فسأله الجنرال : لماذا تعصيني ؟.

    فأجاب مازن : ومن أنت حتى أطيعك .
    توجه الجنرال إلى داخل المعسكر ، ولبس لباسه العسكري الرسمي ، وهنا أمتثل مازن للأمر ، مازن أطاع الأمر ، لأنه عرف حقيقة الشخص الذي كان يأمره قبل قليل ، عرف أنه الجنرال ، عرف أنه القائد الأول في المعسكر ، فأطاعه ، لأن العبرة بمن عصي ، وليس بالمعصية ، عندما كان الجنرال عادياً ، بلباس عادي ، شخص عادي ، كان في نظر مازن شخصاً عادياً ، كان الأمر الصادر منه أمراً عادياً ، وكانت مخالفة الأمر مخالفة عادية ، لكن لما عظم هذا الجنرال بلباسه العسكري الرسمي الحقيقي ، عظم أمره في عين مازن ، وعندما عظم أمره عظمت المخالفة ، فلم يجرئ مازن على مخالفة الجنرال القائد الأول في المعسكر ، بعد أن تبينت له حقيقة هذا القائد .
    ولله المثل الأعلى :
    1) بمقدار ما تعظم ربك ، تعظم أوامره ، وتعظم المخالفة في عينيك ، وتعظم المعصية .

    2) وعندما تفقد تعظيم الله في قلبك ، سترى المعصية هينة صغيرة ، وستجرؤ حينها على ارتكابها .
    يتبع...
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  8. #8
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    سورة النور : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16).
    البرهان من القرآن على أن المعصية التي تبدو لنا صغيرة أو هينة ، البرهان أنها عند الله عظيمة ، أن الله يرتب على ارتكابها والوقوع فيها عقوبة ، وعقوبة ليست خفيفة ، بل عظيمة ، هذا هو البرهان ، مثال ذلك قصة أصحاب الجنة في سورة القلم .

    سورة القلم : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32).

    أصحاب الجنة عندما عقدوا النية على أن يحرموا المساكين من ثمار الجنة ( المزرعة ) ، هذه نية سيئة وليست نية حسنة ، هذه النية السيئة في ما يبدو لنا ، عند الكثير من المسلمين ، تبدو لهم النية السيئة شيئاً هيناً ، لكن الله يرتب على ارتكاب هذه النية السيئة والوقوع فيها عقوبة عظيمة ، هؤلاء أصحاب الجنة الله عاقبهم وذلك بنزع جنتهم ، أخذ مزرعتهم كلها ، ولم يبقي لهم منها أي شيء مطلقاً .

    سورة القلم : فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)

    وهذا قبل أن يتحركوا نحو الفعل .

    سورة القلم : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)

    أي أن الله أختبرهم بهذه الغابة ، أمتحنهم بهذه المزرعة ، وكلفهم بأن يمنحوا للمساكين حقهم حين يحين قطف الثمار ، أن يعطوا الفقراء نصيبهم من ثمار هذه المزرعة حينما يحين الحصاد .
    (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) : أي عقدوا النية بنسبة 100 % ، أي نيتهم السيئة بلغت حد العزم المأكد .
    (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) : هم عازمون على الفعل ، وليس لديهم أي تردد ، ونيتهم سيئة بنسبة 100% .
    (لَيَصْرِمُنَّهَا) : تأمل لام التوكيد ، ونون التوكيد .

    فهم عقدوا هذه النية السيئة في الليل ، على أن يتحركوا نحو الفعل صباحاً ، والعقوبة كانت ليلاً .
    سنة من سنن القرآن الكريم ( قانون من قوانين القرآن الكريم ):

    (( الله يعاقب على النية السيئة التي تصل إلى حد العزم بنسبة 100 % ، ولو لم يتحرك صاحبها نحو الفعل ))

    ضع تحت كلمة ( ولو لم يتحرك صاحبها نحو الفعل) مليون خط .

    هذه النية السيئة تبدو لدى الناس هينة وليست عظيمة ، ولكنها عند الله عظيمة ، والدليل العقوبة ، والعقوبة ليست خفيفة ، فقدوا غابتهم بأسرها ، كلها ذهبت ، لم يعثروا على شيء منها ، ذهبت أدراج الرياح ، ( فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ) .

    يعني عادي إنسان ينام على نية سيئة ، قد ينام إنسان على نية سيئة ، ينوي مثلاً أن يظلم أخاه صباحاً ، أن يلتقي به فيشتمه مثلاً ، لكن قد يستيقظ وهو مصاب بمرض ، بمرض ما ، عقوبة من الله تعالى ، ويكلفه ربما هذا المرض علاجاً ، تكلفته تكون باهظة ، ( فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ).

    هذا الشخص في هذا المثال ، عندما آوى إلى فراش نومه ، نوى نية سيئة تتمثل في أن يظلم أخاه صباحاً ، لكنه استيقظ على مصيبة ، وهي المرض على سبيل المثال ، الله تعالى لا يمكنه من الظلم ، كفعل محقق ميداني ، ويسيره إلى المستشفى ، للعلاج كي يتأدب ، (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) .

    شخص آخر قد تصحبه نية سيئة ، تتمثل في نية السرقة ، عندما ينظم إلى شركة أو مؤسسة اقتصادية للعمل فيها ، فإنه ينوي أن يسرق أموال تلك الشركة ، لكن لا يسرق الآن ، لا يسرق بعد يوم ، هو ينوي أن يسرق بعد مدة طويلة ، بعد سنين ، لأن مفاتيح الخزانة المالية المتعلقة بتلك الشركة لا تسلم لأي كان ، تسلم لمن تقلد وظيفة راقية ، أو منصباً رفيعاً معيناً في تلك الشركة ، فهو يسعى من خلال نشاطه وجهده إلى أن يصل إلى ذلك المنصب ، أو يتقلد تلك المسؤولية ، وهو ينوي بمجرد أن يتقلد ذلك المنصب ، ويمسك بمفاتيح الخزانة المالية ، ينوي أن يسرق تلك الأموال كلها ، وتصحبه هذه النية ليس لأسابيع ، بل لشهور أو سنين .

    كيف يتعامل الله تعالى معه ؟

    الله تعالى يتعامل معه بضربات موجعة ، وعقوبات الواحدة تلو الأخرى ، وهو لم يتمكن من السرقة بعد ، لأن قلبه أسود ، لأنه سود قلبه بتلك النية السيئة ، وهذا يحدث كثيراً ، لكن كثيراً من الناس لا يربطون بين المصائب والضربات التي تصيبهم ونياتهم السيئة .

    شخص آخر ، ينوي ارتكاب الفاحشة ، ينوي ارتكاب فاحشة من الفواحش ، لكن ليس الآن ، بل بعد مدة ، ربما ينوي ارتكابها خارج قريته ، أو خارج مدينته ، أو خارج دولته ، بعيداً عن أنظار الناس ، قد ينوي ارتكابها خارج الوطن ، ولكنه لا يستطيع أن يرتكبها الأن بسبب الظروف ، يعني حال بينه وبين ارتكاب الفاحشة قلة الإمكانيات ، الظروف لم تساعده ، ليست لديه أموال كافية ، وإلا في قرارة نفسه لو وجد الظروف مناسبة ومواتية وفي صالحه ، فإنه سيرتكبها.

    أو ينوي قتل أخيه ، هناك من ينوي القتل ، أن يقتل نفساً بغير حق ، وتصحبه هذه النية لسنين ، وهو لم يقدم على القتل لأن الخطة لم تكتمل بعد ، خطة القتل غير جاهزة ، خلال هذه السنين ، وهذا الشخص تصحبه هذه النية السيئة ، الله تعالى يعاقبه عقوبات ، ويصيبه بضربات موجعة ، وتقع عليه مصائب كبيرة ، وهو لم يرتكب بعد تلك الفاحشة ، وهو لم يقتل بعد تلك النفس ، يعني لم يصل إلى مرحلة الفعل ، وهو يعاقب لمدة طويلة ما دامت النية السيئة في قلبه ، أنه يعاقب بسبب نية سيئة فقط ، نية سيئة وضعها في قلبه ، وهذا يحدث كثيراً جداً ، لكن الناس لا يربطون بين الضربات التي تصيبهم والنيات السيئة التي وضعوها داخل قلوبهم ، هذه النية السيئة يحسبها أكثر الناس هينة ، (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) .
    سورة الأعراف: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25).

    كلنا نعلم أن آدم عليه السلام أكل من الشجرة ، يعني عصى :

    سورة طه : ... وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121).

    بعد هذه المعصية ، بعد أكله من الشجرة ، الله تعالى عاقبه ولم يكافئه ، والعقوبة هي أن الله أخرجه من الجنة ، وهذه الجنة التي كان فيها آدم عليه السلام هي نعمة عظيمة ، هذه النعمة العظيمة فقدها آدم عليه السلام بسبب أكله من الشجرة .

    السؤال الذي يطرح نفسه : كم عدد المعاصي التي وقع فيها آدم عليه السلام ، بحيث كلفه هذا العدد فقدان تلك النعمة العظيمة ؟

    الجواب : معصية واحدة فقط ، العبرة بمن عصي وليس بعدد المعاصي .

    لا تعصي ربك ولو واحدة فقط ، لا تعصي ربك ولو معصية واحدة فقط ، فإذا تجرأت على ارتكاب هذه المعصية الواحدة فقط لأنك تراها هينة ، فكن على استعداد على أن تفقد نعمة ليست بسيطة ، بل استعد على أن تفقد نعمة عظيمة ، تجهز لكي تفقد نعمة كبيرة ، كنعمة السكن وكنعمة الصحة وكنعمة الأهل والولد ، وكنعمة الأموال والسيارة ، قد تفقد نعمة عظيمة ، وإذا فقدت تلك النعمة فلا تلومن إلا نفسك .

    ولكن لماذا ؟ لأنك لست أفضل من آدم عليه السلام ، آدم عليه السلام أكل من الشجرة ، وقع في معصية واحدة فقط ، كلفته فقدان نعمة عظيمة وهي الجنة ، دفع الثمن باهظاً ، فلماذا نحن لا ندفعه ؟ ، نحن لسنا أفضل من آدم عليه السلام ، وقصة آدم عليه السلام أساساً موجهة إلينا ، لأن آدم عليه السلام وقت نزول القرآن ، وقت نزول القصة ، لم يكن حياً .

    ((العبرة ليس بعدد المعاصي ، بل العبرة بمن عصي ، وهو الله سبحانه وتعالى))

    يتبع...
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  9. #9
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي


    سورة الأعراف : ... وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) ) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23).

    السؤال :

    آدم عليه السلام هل قال لربه : ألأجل معصية واحدة فقط تخرجني من الجنة ؟ هل قال آدم عليه السلام ذلك .
    هل قال آدم عليه السلام لربه : ألأجل أني عصيتك معصية واحدة فقط ( واحدة فقط )تخرجني من الجنة ؟ هل قال ذلك .

    أم سارع إلى الاعتراف ؟

    الجواب : آدم عليه السلام سارع إلى الاعتراف ، لأن المعصية الواحدة ليست هينة ، هي هينة عند المجرمين ، لكنها عند الله عظيمة .

    سورة الأعراف : قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23).

    وسنرى تعامل المخلوق مع مخلوق أقل منه رتبة ، لا يقبل منه هذه المعصية الواحدة ، يعني الوالد لا يقبل من ولده المعصية الواحدة :
    قصة :
    نفترض أن والداً اسمه عمر ، وله ولد اسمه مازن ، وجه الوالد عمر لولده مازن أمراً ، لكن مازن لم يطع والده :

    فقال الوالد عمر : ماذا حدث ؟.

    فقال الولد مازن : أني أعصيك يا أبي .

    فقال الوالد عمر: ولماذا يا بني ؟

    فقال الولد مازن : أني نويت أن أعصيك مرة واحدة فقط ، ثم أعود إلى الطاعة .

    الوالد لن يقبلها من ولده ، لأنه أقل منه رتبة ، كيف يقبلها الخالق من المخلوق؟ .

    لا يقبلها الوالد من ولده ، لا يقبلها المدير في الشركة أو المؤسسة من العامل في تلك الشركة ، لا يقبلها القائد في المؤسسة العسكرة من الجندي الذي هو أقل منه رتبة ، يعني الجنرال أو اللواء لا يقبلها من ضابط أقل منه رتبة ، ولا يقبل الضابط معصية واحدة من الجندي ، ولا يقبلها المعلم في المدرسة من الطالب ، المعلم لا يقبل معصية واحدة من الطالب ، فكيف يقبلها الخالق من المخلوق؟ ، كيف يقبل الخالق معصية واحدة من المخلوق (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) .
    سورة الأعراف : وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25).

    سبق وأن أجبنا على السؤال الأول : كم معصية عصى آدم عليه السلام ؟

    الجواب : معصية واحدة فقط ، وهي أن آدم عليه السلام أكل من الشجرة .

    فلا تعصي ربك ولا حتى معصية واحدة فقط ( معصية واحدة فقط ) .

    السؤال الثاني : آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة ، هل ذاق منها قليلاً فقط ، أم أكلها برمتها ولم يبقي على حبة منها ؟

    الجواب : أكل قليلاً ، بل أنه ذاق فقط (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ) .

    آدم عليه السلام عصى معصية واحدة فقط ، وبحجم قليل فقط، ، ومع ذلك أخرجه الله من نعمة عظيمة ، وهي الجنة .

    القاعدة : ( لا تعصي ربك ولو واحدة فقط ، ولو قليلاً فقط ) .

    لا عبرة بعدد المعاصي ، بل العبرة بمن عصي ، وهو الله العظيم .

    ولا عبرة بحجم المعصية ، بل العبرة بمن عصي ، وهو الله العظيم .

    سبق أن تكلمنا عن عدد المعاصي ، وقلنا لا تعصي ربك ولا حتى معصية واحدة فقط ، الآن سنتكلم عن حجم المعصية :

    ( لا تعصي ربك ولو قليلاً فقط ) .

    (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ) : هل أكل قليلاً من تلك الشجرة ، أم أكل كثيراً ولم يبقي على حبة منها ؟

    الجواب : آدم عليه السلام أكل قليلاً فقط .

    (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ) : هل أكل قليلاً من تلك الشجرة ، أم أكل الشجرة كلها ولم يبقي على حبة منها ؟

    الجواب : آدم عليه السلام أكل قليلاً ، هو فقط ذاق الشجرة (ذَاقَا) .

    (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ) : هل آدم عليه السلام عصى معصية كبيرة ، أم معصية صغيرة ؟

    الجواب : آدم عليه السلام عصى قليلاً فقط ، معصية صغيرة فقط ، معصية هينة فقط .

    لكل : هل العبرة بحجم المعصية ، أم أن العبرة بمن عصي ؟ العبرة بمن عصي ، وهو الله العظيم .
    يعني ليست العبرة بالعدد ولا بالحجم ، ليست العبرة بعدد المعاصي ، وليست العبرة بحجم المعاصي ، بل العبرة بمن عصي وهو الله العظيم .

    ( لا تعصي ربك ولو واحدة فقط ولو قليلاً فقط ) .

    فلو تجرأت وعصيته ( واحدة فقط وقليلاً فقط ) لأنك تستصغر ذلك وتراه صغيراً وهيناً ، فكن على استعداد ، وترقب أن تفقد نعمة ، ليست بسيطة بل عظيمة ، كنعمة السكن والأهل والولد والوظيفة والسيارة ، فلو فقدت ذلك فلا تلومن إلا نفسك ، لأنك لست أفضل من آدم عليه السلام ، وقصة آدم عليه السلام أساساً موجهة إلينا .

    سورة الأعراف : ... فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23).

    السؤال : هل قال آدم عليه السلام لربه : ألأجل أني ذقت من الشجرة قليلاً تخرجني من الجنة ؟ هل قال له ذلك ؟

    أم أن آدم عليه السلام ، سارع إلى الاعتراف؟

    الجواب : آدم عليه السلام ، سارع إلى الاعتراف بمعصيته ، ولم يبررها ، وأنت لا تبرر معاصيك .

    سورة الأعراف : قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23).

    لا يقبلها المخلوق من مخلوق مثله ، إذا كان هناك ضرر يترتب عليه ، يعود عليه بالضرر ، إذا كانت تلك المخالفة تعود عليه بالضرر .

    مثال (1) :

    من منكم يقبل أن يغتاب في مجلس ما ، قليلاً فقط ؟ لا أحد منا يقبل ذلك .

    من منكم يقبل أن يغتاب في مجلس ما ، قليلاً فقط ، يعني ليس كثيراً ، يعني يتصل بك مازن وهو في مجلس ما مع أصدقائه ، ويستأذن منك ، يريد أن يغتابك بعد أن يستأذن منك ، يقول لك : أنا في مجلس مع أصدقائي ، وأريدك أن تأذن لي أن أغتابك قليلاً فقط ( قليلاً فقط ) وليس كثيراً ، فهل تسمح لي بذلك ؟ من منكم يسمح له بذلك ؟ ، لا يقبلها المخلوق من مخلوق مثله ، عندما يترتب على ذلك ضرر عليه ، كيف يقبلها الخالق من المخلوق .
    مثال (2) :

    من منكم يقبل أن يسرقه عامله في المتجر قليلاً فقط ، عندك عامل في الدكان ، هل ترضى أن يسرقك قليلاً فقط بين حين وآخر؟ ، يعني هو ليس من النوع الذي يسرق كثيراً ، بل هو يسرق قليلاً فقط ، هل تقبل به عامل لديك في دكانك ؟ من منكم يقبل أن يسرق قليلاً ؟ ، هذا بالطبع بعد الاتفاق ، يأتيك العامل مازن قبل التوقيع على عقد العمل ، وأنت تتفق معه على الشروط مثلاً ، ويقول لك: أنا سأعمل معك ، فهل تأذن لي أن أسرقك بين الحين والآخر ،لكن أعدك أني لا أكثر ، سأسرق قليلاً فقط ، فأنا لست من النوع الذي يسرق كثيراً ؟ من منكم يرضى بذلك ؟ لا أحد يقبل ، لأن هذا يعود بالضرر عليه ، هذا يجعلك لا تثق فيه أصلاً ، ستسحب منه الثقة .
    مثال (3) :

    من منكم يرضى من مازن أن ينظر إلى زوجته قليلاً فقط ، يعني يأتيك مازن ويستأذن ، زوجتك في البيت ، وهي محترمة ومحتشمة ومتحجبة ، يأتيك ويستأذن يقول لك : هل تأذن لي أن أنظر إلى وجهها قليلاً فقط ثم أنصرف؟، من منكم سيأذن له بذلك ؟ من منكم يرضى أن ينظر إليها قليلاً فقط؟ ، فهو لن يطيل ، لثانية أو ثانيتين فقط ، ثم ينصرف ، وهو يستأذن ، من منكم يرضى بذلك ؟ ركز : يأتيك مازن مستأذناً ، يقول لك : هل تأذن لي أن أنظر إلى زوجتك قليلاً فقط ، وهذا النظر يتم بحضرتك ، وأنت تراقب الوضع ، من منكم يقبل بذلك ؟ لا أحد يقبل بذلك ، لا يقبلها المخلوق من مخلوق إذا كان هناك ضرر يترتب عليه ، هذا حط من القدر والكرامة والعفة والعرض والشرف ، هذا شيء غير مقبول ، كيف يقبل الخالق من المخلوق ذلك ، كيف يقبل الخالق من المخلوق المعصية القليلة ، كيف يقبل الخالق من المخلوق المعصية الهينة الصغيرة ، (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) .
    يتبع....
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  10. #10
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    سورة الأعراف : وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25).

    سورة الأعراف : ... وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)

    آدم عليه السلام أكل من الشجرة ، عصى بأكله من الشجرة :
    هل ترتب على هذا الأكل ظلم للعباد؟ لا
    هل ترتب على هذا الأكل ظلم لإنسان ؟ لا
    ومع ذلك هذه المعصية كلفته غالياً ، وفقد على إثرها نعمة عظيمة ، تتمثل في الجنة ، لذلك العبرة بمن عصي ، وليست العبرة بالمعصية ، يعني لا تفرق بين معصية يترتب عليها ظلم للعباد أو لا يترتب ، لأن هناك من يفرق ، تجده ربما يستعظم المعاصي التي تؤدي إلى فقدان حقوق الآخرين ، يراها عظيمة ، و ما عدا ذلك كالحقوق بينه وبين ربه يري أن مخالفتها أمر هين .

    السؤال : آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة ، هل ترتب على هذا الأكل ظلم للعباد ؟

    الجواب : لم يترتب على ذلك شيء من هذا أبداً .

    ومع ذلك أخرجه الله من الجنة وهي نعمة عظيمة ، الكثير من المسلمين ، يتعاملون مع المعاصي بهذا التقسيم ، أو بهذا التصنيف ، يرى أن أهم شيء هي الحقوق بينه وبين الناس ، يرى بأن أهم شيء في الدين هي الحقوق ، بينك وبين الناس ، بينك وبين العباد ، فإذا كانت المعاملات بينك وبين الناس سليمة ، تأدي الحقوق للناس كاملة غير منقوصة ، هذا هو الأهم ، أما ما بينك وبين الله تعالى من مخالفات ، فهذا أمره بسيط وهين ، لا يشكل خطر عليه ، وهذه ضلالة ، وليست هداية .
    يعني لو قلنا بصحة هذه الضلالة ، لانهدم الدين كله ، لماذا ؟

    لأن الذي يترك الصلاة ، الذي لا يصلي ويترك الصلاة ، هل ظلم إنساناً ؟ لا .

    الذي لا يصوم رمضان ، هل ظلم إنساناً ؟ لا

    الذي لا يذهب إلى الحج عند القدرة ، هل ظلم إنساناً ؟ لا

    لكن الدين ينهدم كله ، لو قلنا بصحة هذه الضلالة ، هذا غير صحيح ، لا تفرق بين معصية يترتب عليها ظلم للعباد ، وبين معصية لا يترتب عليها ظلم للعباد ، لا تفرق ، هذه عظيمة ، وهذه عظيمة أيضاً ، (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ).

    الكثير من المسلمين يحرصون كل الحرص ، يحرصون على أداء الحقوق التي بينهم وبين الناس ، يحرصون على أداء الحقوق التي بينهم وبين العباد ، يؤدونها كاملة غير منقوصة ، معاملاتهم فيما بينهم وبين الخلق سليمة ، الناس لا يشتكون منهم ، في أي شيء ، ولكن في ما بينهم وبين ربهم من حقوق ، يضيعونها ، يهملونها ، ينتهكونها ، وتسألهم لماذا ؟ يقولون : أهم شيء في الدين هي الحقوق ، هي حقوق الناس ، ما بيني وبين ربي أمره هين ، وهذا يحدث كثيراً جداً ، لكن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة لم يترتب على تلك المعصية ظلم لأحد ، ومع ذلك فقد نعمة عظيمة .

    القاعدة : لا تعصي ربك ولو واحدة فقط ، ولو قليلاً فقط ، ولو لم يترتب على تلك المعصية ظلم لأحد .

    فإن تجرأت وفقدت على إثر تلك المعصية نعمة عظيمة ، كنعمة السكن أو الصحة أو الأهل أو الولد أو السيارة أو الوظيفة أو المتجر أو المصنع ، فلا تلومن إلا نفسك ، لأنك لست أفضل من آدم عليه السلام ، آدم عليه السلام دفع التكلفة باهظة ، دفع الثمن غالياً ، فلماذا لا ندفعه نحن؟ .

    سورة الأعراف : ... وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ... (22).

    السؤال : هل قال آدم عليه السلام لربه : ألأجل أني أكلت من الشجرة ، ولم يترتب على ذلك ظلم لإنسان ، ألأجل هذا تخرجني من الجنة ؟ هل قال ذلك ؟ .

    الجواب : لا ، بل أن آدم عليه السلام سارع إلى الاعتراف .

    سورة الأعراف : ... وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23).

    وسنرى من خلال المحرمات السبع في سورة الحجرات ، أن هذا مجرد استدراج شيطاني ، يعني كون هذا التصنيف للمعاصي بين معاصي يترتب عليها ظلم للعباد ، ومعاصي أخرى لا يترتب عليها ظلم للعباد ، هذا استدراج شيطاني ، كيف ذلك ؟

    المحرمات في سورة الحجرات :

    1) عدم التبين .
    2) السخرية .
    3) اللمز .
    4) التنابز بالألقاب .
    5) سوء الظن .
    6) التجسس .
    7) الغيبة .

    وهذه كلها معاصي يترتب عليها ظلم للعباد ، ومع ذلك ترى في أوساط الكثير من المسلمين ، يرونها هينة ، يعتبرونها هينة ، إذن الشيطان له معك استدراج ، يأتيك في المرحلة الأولى بهذا التصنيف ، يقول لك : هذه معاصي بينك وبين ربك ، هذه لا يترتب عليها ظلم لإنسان ، اقتحمها ، ارتكبها ، أفعلها ، فتقع فيها ، ثم يأتيك بالمعاصي التي يترتب عليها ظلم للعباد ، ويقوم بتصنيف آخر ، يقول لك : هذه سخرية ، هذه هينة ، ليست قتلاً ، هذه لا تصل إلى مرتبة القتل ، هذه سخرية ، لا بأس ، وهذا يحدث كثيراً ، هذا واقع .
    هناك مدخل آخر ، الشيطان من خلاله يستطيع أن يتسلل من خلاله إلى النفس ، ويزين لها ارتكاب المعصية ، واستصغارها ، وهذا المدخل هو الرصيد ، رصيدك من العمل الخيري ، رصيدك من الحسنات ، مع أنك لا تعلم على وجه اليقين ، هل قبلت أم لا ، يأتيك بعد مضي فترة ، وقد تكون سنوات في العمل الصالح ، سنوات من الطاعات ، سنوات من الخيرات ، سنوات من فعل الحسنات .

    فيقول لك : حسناتك حجمها حجم الجبال ، ما يضرك لو فعلت هذه المعصية الواحدة ، الواحدة فقط ، فتستصغرها أمام هذه الجبال من الحسنات التي تتوهمها ، وإلا في الحقيقة فهي جبال غير مضمونة ، قد تفاجئ يوم القيامة أنها تنسف نسفاً ، قد تفاجئ أنها غير مقبولة .

    كيف نأخذ هذه القاعدة من قصة نوح عليه السلام ، نوح عليه السلام دعا قومه ألف سنة إلا خمسين سنة ، تسع قرون ونصف ، لا يتوقف عن دعوة قومه ليلاً ونهاراً ، فرصيده من الحسنات والطاعات كبير جداً ، ومزكى من الله تعالى ، نبي الله نوح عليه السلام الله زكاه .

    سورة آل عمران : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)

    سورة العنكبوت : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14)

    دعا نبي الله نوح عليه السلام قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، تسع قرون ونصف ، ليلاً ونهاراً :

    سورة نوح : قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5)

    دعوة إلى الله لا تتوقف في مدة قدرها تسع قرون ونصف ، يكون الرصيد ، رصيد الحسنات يكون في نهاية المطاف كبيراً جداً ، هذا الرصيد من الحسنات والخيرات والطاعات يكون كبيراً بعد تسع قرون ونصف ، الله يمتحن نوح عليه السلام ، الامتحان لا يزال يلاحقه ، يلاحقه الامتحان بعد طوال هذه الفترة من الدعوة .

    سورة هود : وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) .

    (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)

    (وَلَا تُخَاطِبْنِي)

    ما هو النهي هنا ؟ النهي هو (وَلَا تُخَاطِبْنِي).

    مثلما نهى الله آدم عليه السلام :

    سورة البقرة : ... وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)

    آدم عليه السلام : (وَلَا تَقْرَبَا).

    نوح عليه السلام : (وَلَا تُخَاطِبْنِي).

    فقد نهى الله تعالى نوح عليه السلام : (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) ما علامتهم (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) .

    يعني كل من رأيته مغرقاً فلا تخاطبني فيه ، مهما كان ، هذا المقصود .

    سورة هود : وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49).
    (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ): الله تعالى حول الصحراء وهي قاحلة ويابسة وجافة ، حولها إلى بحر في لحظات .

    (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ)

    (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)

    (فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)

    السؤال : هل كان ابن نوح عليه السلام من الذين آمنوا أم من الذين ظلموا؟

    الجواب : كان من الذين ظلموا ، الذين علامتهم (فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) .

    السؤال : هل يحق لنوح عليه السلام أن يخاطب الله في أبنه ؟

    الجواب : لا يحق ولا يجوز ولا يصح ولا يقبل ، هذا هو الامتحان .

    (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

    (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)

    هنا نوح عليه السلام لم يتقدم بالخطاب بعد ، بل وقع له لبس في كلمة الأهل ، ما المقصود بكلمة الأهل ؟

    الله تعالى يبين له معنى كلمة الأهل ، ويزيل عنه اللبس ، (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ).

    هنا يوقفه ، يقدم له نهياً آخر وتحذير ، (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) .

    يعني فلا تكن من الجاهلين ، ما معني ( الْجَاهِلِينَ ) ، يعني عبادة تسع قرون ونصف ، تذهب أدراج الرياح .

    (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .


    قال : وأنا أحتمي بك ، ألجئ إليك ، أطلب منك الحماية ، أطلب منك الجوار ، أن تقيني ، أن تحفظني ، من هذا اللعين إبليس ، لكي لا أجرئ على هذا الخطاب ، (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، يعني سأخسر تسع قرون ونصف .

    الله تعالى يبين لنا ، مدخلاً من مداخل الاستصغار ، حيث يأتي الشيطان ويزين لك الرصيد ، وهناك الكثير من المسلمين ، يأتي إليهم الشيطان اللعين من هذا المدخل ، من هذه الوسوسة ، ويقول له : أنت عندك ، 10 سنوات ، 20 سنة ، 30 سنة ، 40 سنة ، 50 سنة ، 60 سنة ، 70 سنة ، كلها طاعات وكلها عبادة وكلها خيرات وكلها صدقة وكلها إنفاق ، في كل سنة وأنت في الحج ، في كل رمضان وأنت في العمرة ، وهذه أعمال ومشاريع خيرية لا تعد ولا تحصى ، حسناتك عظيمة ، ما يضرك لو تجرأت على هذه فقط ؟ ، لا تبدو شيئاً ، أنها صغيرة وهينة ، وهذا يحدث كثيراً ، هذا واقع ، كيف نرد هذه الوسوسة بالشفاء القرآني ؟

    من خلال قصة نوح عليه السلام .

    (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

    نوح هنا ، إلى حد هذه اللحظة ، هل تقدم بالخطاب ، أم ليس بعد ؟

    لم يتقدم بالخطاب بعد ، لم يقع بعد ، بل وقع له لبس في كلمة أهل ، ما المقصود من كلمة أهل ؟

    حيث قال نوح عليه السلام : (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) وهذا صحيح .

    كذلك قال : (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) وهذا صحيح .

    لكن الله أزال هذا اللبس وحذره ، أزال عنه اللبس أولاً ثم حذره :

    (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) ، لماذا ؟ ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) .

    ثم يأتي التحذير : (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) .

    نوح عليه السلام هنا ، هل قال : ((يا رب دعوت إليك تسع قرون ونصف ، ولا تنظر إلى هذه السنين بعين الاعتبار ، ألا يكون لهذه السنين وهذه القرون وزن عندك )) لم يقل ذلك .

    بل قال : (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

    وهي نفس توبة آدم عليه السلام :

    سورة آل عمران : قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23).

    سورة آل عمران : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)

    نوح عليه السلام سلك طريق آدم عليه السلام ، لا بد من توبة ، لا بد من استغفار ، لا بد من اعتراف ، بأن هذه المخالفة إن لم تغفر ، سيخسر كل شيء .

    هذه توبة آدم عليه السلام :

    سورة آل عمران :قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)

    وهذه توبة نوح عليه السلام :

    سورة هود : قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)

    أن توبة نوح عليه السلام هي موافقة لتوبة آدم عليه السلام ، لذلك :

    سورة آل عمران : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا ... (33)

    الخلاصة :

    لا تغتر برصيدك من العمل الصالح ، ولو مكثت في هذا العمل قروناً ، كما أنك لا تدري أن هذا الرصيد أصلاً ، قد يكون عند الله غير مقبول ، قد تفاجئ يوم القيامة بأنه غير مقبول ، لخلل فيه لم تشعر به .

    سورة النجم : فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32).
    ( نهاية المحاضرة الثانية )
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  11. #11
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    المحاضرة الثالثة :


    أثر المعاصي على القلب .
    النقطة الأولى : عندما يصبح القلب أسوداً بنسبة 100% .

    سورة الكهف : وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49).

    قلنا أن المجرم أو الشقي أو الغافل هو الذي يستصغر المعصية ، وليس المؤمن وليس الذاكر ، المؤمن الحق أو الذاكر لا يفعل ذلك ، وما دام الغافل يستصغر المعصية فهو حتماً سيقترب منها ، وإذا أقترب منها سيقع فيها ، ويسقط فيها ، ويفعلها ، ويرتكبها ، ليس مرة واحدة ، ما دام يعيش حالة الاستصغار ، سيظل مستمراً عليها ، سيظل مستمر على ارتكاب المعصية ، يعني يتمادى على فعلها ، يصر على اقترافها ، وهذا يعني أن المعاصي لا تظل واحدة .


    ومع مرور الأيام والشهور والسنين ، هذه المعاصي التي يرتكبها تزيد وتزيد وتزيد ، يزيد عددها ، تتكاثر مع مرور الوقت والزمن والعمر ، وتتجمع وتتجمع وتتجمع ، وتحاصره شيئاً فشيئاً ، هذا إذا لم يتب منها ، نتكلم عن حالة المصر ، هذه المعاصي تتجمع حوله وتحاصره حصاراً ، وإذا لم يتب قبل موته ، فهي تطبق عليه لحظة الموت ، وعندما تطبق عليه لحظة موته ، فهو لن يستطيع أن يتوب .

    سورة النساء : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18).

    لذلك لا تقبل توبته لحظة موته ، لأن هذه السيئات التي أرتكبها أحاطت به ، وأطبقت عليه ، يعني حاصرته 100% ، تماماً مثلما يحاصر جيش ما أهل قرية ، نفترض أن جيشاً أراد أن يحاصر قرية ما أو بلدة ما ، أن يحاصر أهلها ، عملية الحصار لا تتم ولا تكتمل في لحظة واحدة ، وإنما تكتمل مع مرور الوقت ، والجيش له خطة ، يحاول أن يحاصر هذه القرية ، يعني أن يحاصر أهلها شيئاً فشيئاً ، من جميع الجهات ، ما لم يشكل هذا الجيش دائرة كاملة تامة ، مغلقة على كامل البلدة ، بإمكان أهلها أن يفروا ، بإمكان أهلها أن يهربوا ، لكن لو أتم الدائرة ، وحاصر البلدة حصاراً كاملاً ، وأغلق عليها وأطبق عليها ، هل يستطيع أحد من سكان القرية أن يفر؟ ، هل يستطيع أحد منها أن يهرب ؟ ، لا أحد يستطيع أن يهرب أو يفر ، هذا نفس الشيء بالنسبة للشقي .

    يعني هذه السيئات مع مرور الوقت والعمر والزمن ، تحاصره لكن لم تطبق عليه بعد ، بإمكانه أن يتوب ، بإمكانه أن يفر إلى الله ، مهما كان هذا الحصار كبيراً ، ما لم يطبق عليه بنسبة 100% ، بإمكانه أن يرجع بالتوبة والرجوع والإنابة إلى الله .


    سورة الذاريات : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)


    سورة الزمر : وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)


    نعود إلى القرية ، إذا كان هذا الجيش يحاصر القرية من جميع الجهات ، يحاصرها شيئاً فشيئاً لكن لم يكمل بعد دائرة الإغلاق والإطباق ، فبإمكان أهل المدينة أن يفروا وأن يهربوا ، لكن لو أحاط بنسبة 100% فلن يستطيع أحد الفرار أبداً ، نفس الأمر بالنسبة للإنسان ، مهما فعل من الذنوب ، معهما أرتكب من المعاصي والسيئات ، ما لم تطبق عليه ، ما لم تحاصره السيئات من جميع الجهات ، بإمكانه أن يتوب ، باب التوبة يظل مفتوحاً .


    سورة الزمر : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56).


    لكن لو أن سيئاته أحاطت به من جميع الجهات ، وأطبقت عليه بنسبة 100% ، فإنه لا يستطيع أن يتوب ، لأن ملك الموت يكون موجود في تلك اللحظة .


    سورة البقرة : بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)


    لكن هذا لم يشعر ، هذا الشقي لم يكن يشعر بهذا الحصار ، وذلك بسبب عامل النسيان ، يعيش الغفلة أو النسيان ، ينسى ما يرتكبه من معاصي .


    سورة الكهف : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ ... (57).

    يتبع...
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  12. #12
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي


    النقطة الثانية : أمثلة على تأثير المعاصي على القلب .

    وسنرى أن عوامل الشقاء تتمثل في ثلاثة :

    1) عامل الاستصغار ( هذا تكلمنا عنه ) .

    2)عامل النسيان .

    3) عامل الزمن .

    هذا الغافل الله لم يختبره في مدة قدرها دقيقتين أو ساعتين ، بل عاش هنا أياماً وشهوراً وسنيناً :

    سورة الشعراء : أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207).

    في ما يلي أمثلة توضح كيفية زيادة السيئات مع عوامل ( الاستصغار و النسيان والزمن ) وكيف يزيد السواد في القلب .

    المثال الأول : البيت الذي في مجرى الوادي .

    مازن يسكن بيتاً في مجرى الوادي وهو نائم فيه طوال ساعات الليل ، ولكن طوال هذه الفترة ، قطرات الماء لا تتوقف عن النزول ، طيلة ساعات الليل :

    1) وهو نائم قطرات المطر صغيرة الحجم ، هذا هو عامل الاستصغار .

    2) وعندما يكون نائماً طوال ساعات الليل ، فإنه لن يشعر بسقوط قطرات الماء الصغيرة ، هذا هو عامل النسيان .

    3) قطرات المطر لم تتنزل لمدة دقائق بل لمدة ساعات طويلة ، وهذا هو عامل الزمن .

    خلال هذه الساعات ، هل سيبقى حجمها الكلي ، يعني مجموعها ، هل يبقى حجماً صغيراً ؟ ، لا ، بل مع مرور الساعات تتجمع ، وتتكاثر وتزيد وتزيد وتزيد ، تتجمع على شكل أودية ، في البداية تكون أودية صغيرة قليلة ، لكن مع مرور الوقت يأتي الطوفان ، يعني هي تشكل في النهاية طوفاناً ، ما لم يحط هذا الطوفان ببيت مازن ، فإنه بإمكانه أن يفر ، بإمكانه أن يهرب ، لكن لو حاصره الطوفان ، من جميع الجهات ، وهاجمه من الباب ومن النوافذ ، وأراد في تلك اللحظة أن يفر ، فإنه لا يستطيع .


    الشقي يحدث له هذا في لحظة الموت ، تكون السيئات قد تجمعت ، سيئات كثيرة ، يرتكب في كل يوم سيئات ، لكن لأنه يستصغرها سينساها ، الإنسان يقع في سخرية ، يسخر من أخيه ، وهو يرى هذه السخرية صغيرة ، يعني هي ليست كجريمة القتل ، لو قتل نفساً سيتذكر ذلك ، لو قتل نفساً بغير حق سيبقى يتذكر ذلك ولو بعد سنين ، لكن وقع في سخرية ، بعد يوم أو يومين ينساها ، هذه هي القضية .

    سورة البقرة : بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)

    المثال الثاني : سقوط قطرات الماء في الدلو .

    حنفية ماء تقطر في دلو ، بمعدل قطرة في الدقيقة ، وقد يبدو أن هذه القطرات لا تفعل شيئاً ، لكن لو نترك هذه الحنفية تقطر ، ونعود إليها بعد شهر كامل ، لوجدنا أن الدلو مملوء ، لقد أمتلئ مع مرور الوقت :

    1) عامل الاستصغار: هو تلك القطرات الصغيرة .

    2) عامل النسيان : خلال هذ الشهر ونحن مع أعمالنا وأشغالنا ، فإننا لا نستحضر ذلك الدلو وتلك الحنفية ، بل ننسى ذلك ، مشغولون بأعمالنا ، نعيش النسيان .

    3) عامل الزمن : نحن لم نترك الحنفية تقطر لدقيقة أو دقيقتين ، تركناها تقطر لمدة شهر كامل .
    نعود إلى الدلو ، القطرات الأولى التي تتنزل على الدلو ، فإنها تحدث صوتاً في البداية ، لكن بعد عودتنا عندما نعود بعد شهر إلى الدلو ، فإن ذلك الصوت يكون قد أختفى ، ونفس الشيء يحدث في قلب الإنسان ، عندما يقع في المعاصي الأولى ، المعاصي الأولى التي يرتكبها في حياته ، وهو مكلف ، يعني في بداية التكليف ، يحس لها وقعاً في قلبه ، وهذا ما نسميه بتأنيب الضمير ، ضميره يأنبه ، لكن عندما يمتلئ قلبه بالمعاصي ، تمتلئ صحيفته بالمعصي ، فإن ذلك التأنيب يختفي ، يموت قلبه ، القلب يموت ، القلب يصبح ميتاً ، يعني كثرة المعاصي و الإصرار عليها يؤدي إلى موت القلب ، يصبح الإنسان يفعل المعاصي ولا يحس بأي شيء ، يرتكبها بكل برودة ، بكل برودة أعصاب .

    سورة البقرة : بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)

    المثال الثالث : بقع الأوساخ في الثوب الأبيض .

    نفترض أن مازن له ثوب ، ثوب ناصع البياض ، صنع منه قميصاً ، هذا القميص يلبسه كل يوم وبشكل دائم ، ولكن بمجرد أن يقع على ثوبه شيء من الوسخ ولو شيء قليل ، فإنه يسرع إلى تنظيفه ، لذلك هذا الثوب سيظل نظيفاً ، وهذا مثل الذي يسرع إلى التوبة ، فالإنسان يقع في زلة ، مثلما وقع أبونا آدم عليه السلام ، لكن إذا كان يسرع إلى التوبة ، فإن قلبه سيظل نظيفاً ونقياً وطاهراً ، مثل ذلك الثوب تماماً ، وهذا هو أثر السرعة على التوبة .

    سورة النساء : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17).

    أما الحالة الأخرى ، مازن وهو يلبس هذا القميص ، تجده لا يسرع إلى تنظيفه إذا وقع عليه شيء من الأوساخ بل ظل يلبسه سنوات وسنوات وسنوات ، دون أن يغسله ، والأوساخ تتراكم على ثوبه هذا ، هذا الثوب سيصير مع مرور الوقت مسوداً ، ويصعب غسله ، وهذه هي المشكلة ، تصور أن مازن لم يغسل ثوبه لسنوات ، ويلبسه في كل حين ، حيث ظل يلبسه خلال سنوات في الليل والنهار ، ولم يقم بغسله قط ، والأوساخ تتراكم عليه ، هذا الثوب سيسود ، وقد يصل إلى مرحلة معينة ويصعب فيها غسله ، لكن لو أنه أسرع بمجرد أن يقع عليه شيء من الوسخ ، أسرع إلى تنظيفه ، هذا الثوب سيبقى نظيفاً ، وهذه هي الحالة التي من خلالها ندرك الفرق بين التائب والمصر ، الذي يتوب بسرعة ، الذي ينيب إلى ربه بسرعة ، الذي يقلع عن الذنب بسرعة ، يظل قلبه طاهراً نظيفاً نقياً ، والذي يصر على المعاصي والسيئات ، وعدم التوبة ، مع مرور الوقت يسود قلبه ، وهذا هو الران المذكور في سورة المطففين .


    سورة المطففين : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14).

    يعني ما يكسبونه من سيئات ، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم :

    عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ، فإنْ تابَ صُقِلَ مِنْها، فإنْ عادَ عادَتْ حتى تَعْظُمَ فِي قَلْبِهِ، فذلكَ الرَّانُ الَّذي قَالَ الله: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ".

    يتبع...
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  13. #13
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    النقطة الثالثة : القلب والورقة البيضاء .

    يمكن تمثيل القلب بالورقة البيضاء ، فالقلب الذي لم يقع صاحبه في بأي سيئة ، هو مثل ورقة بيضاء ناصعة البياض ، ولو فرضنا أن إنساناً يقع في المعاصي بمعدل معصية كل يوم ، يقترف معصية واحدة كل يوم من المعاصي التي يستصغرها الناس وهي عند الله عظيمة ، سيئة واحدة في اليوم الواحد .

    1) يوم الأحد وقع في السخرية ، سخر من إنسان ، لأنه من شعب آخر أو من قبيلة أخرى ، وهذا يسمى سيئة ، فنكتت في قلبه نقطة سوداء واحدة ، (إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ) .

    2) وفي يوم الاثنين : وقع في اللمز ، يعني أطلق كلمة بذيئة وشتم بها إنساناً ، هذا يعتبر سيئة، (إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ) .

    3) في يوم الثلاثاء : وقع في سوء الظن ، أساء الظن ، أتصل بشخص عبر هاتفه النقال ولم يجد جواباً أو رداً ، فأساء الظن به ، وهذا يعتبر سيئة ، (إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ) .

    4) في يوم الاربعاء : وقع في الغيبة ، سمع غيبة ، ولأنه سمع غيبة فهذا يسمى معصية ، (إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ) .

    5) في يوم الخميس : وقع في إخلاف الوعد ، وعد أخاه بأنه سيلتقي به أو سيزوره في وقت كذا، وحان الموعد وهو على علم ويتذكر ذلك جيداً ، لم يتصل ولم يعتذر ، وهذا يعتبر سيئة ، (إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ) .

    6) في يوم الجمعة : ذهب إلى السوق ، وفي الطريق كانت هناك امرأة متبرجة ، فنظر إليها ، النظرة الأولى خطأ ، فصرف بصره ثم أعاد بصره متعمداً تجاه تلك المرأة ، وهذا يعتبر سيئة ، (إذَا أذنَبَ العَبْدُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَة سَوْدَاءُ) .

    هذا فقط معدل معصية واحدة في اليوم ، فقط وفقط ، يعني نحسن الظن بهذا الشخص كثيراً ، نقول أنه يرتكب سيئة واحدة فقط في اليوم ، واحدة وواحدة فقط في اليوم الواحد ، أنظروا ماذا يحدث في قلبه خلال أسبوع واحد فقط .



    وخلال شهر ، كم نقطة سوداء ستسجل في قلبه ، كم نكتة سوداء ستنكت في قلبه .


    سورة المطففين : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14).

    نتكلم عن الإنسان المصر على عدم التوبة ، وخلال شهرين ، كم ستسجل في قلبه من نقطة سوداء؟ ، نحن لا نتكلم عن السنة أو السنتين ، وثلاث سنوات وأربع وخمس ، تكلمنا عن شهرين بمعدل سيئة واحدة في اليوم الواحد ، وهو مصر على عدم التوبة ، أنظروا ماذا يحدث في القلب ، يعني المعاصي لها أثر سيء جداً على القلب .

    الله يذكر العاصي بذنوبه وذلك من خلال العذاب الأدنى ، لعله يرجع ويتوب :

    سورة السجدة : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)

    الله تعالى لا يتركه هكذا ناسياً ، بل يذكره ، يذكره بالعذاب الأدنى المحيط ، الله يجعل العذاب الأدنى يحيط به ، مثلاً في البحر ، وحينها سيرى بين عينيه بعض هذه النقاط السوداء ، وهي رسالة من الخالق لهذا الإنسان ، أن لديك معاصي ، عليك أن تتوب منها ، عليك أن تقلع عنها ، ويعد ربه بأنه سيتوب .

    سورة يونس : وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... (23)

    هذا الإنسان أخلف وعده ، وبإخلافه هذا أعرض ، وبإعراضه يكون كفورا .

    سورة الإسراء : وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67)

    سورة التوبة : وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77).

    في لحظات العذاب الأدنى المحيط أو في الحالات التي يكون فيها الإنسان مفتقراً إلى ربه ، محتاجاً إلى ربه أن يعينه ويساعده ، يرى الإنسان عدة نقاط سوداء بين عينيه ، وبالتالي عندما وعد ربه بأن يكون شاكراً وأن يكون من الصالحين ، فإن هذا الوعد يتعلق بعدة نقاط سوداء ، وحينما يخلف وعده يكون هذا الإخلاف متعلق بعدة نقاط سوداء ، وبعد الإخلاف ، حينها لا تسجل نقطة سوداء واحدة ، بل تسجل دائرة سوداء ، دائرة سوداء بحجم عدد تلك النقاط السوداء ، وهي دائرة النفاق .

    هناك فرق بين نقطة المعصية و بين دائرة النفاق ، دائرة النفاق تأخذ مساحة أكبر، (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).

    الإنسان كلما تقدمت به الأيام والشهور والسنين ، وهو لا يزال مصراً على ارتكاب السيئات ، نجد أن مساحة السواد في قلبه تزيد ، ونجد أن مساحة البياض في قلبه تنقص .

    القاعدة : ( ما دامت في قلبه مساحة من البياض ، ولو كان حجمها مثقال ذرة ، فباب التوبة يظل مفتوحاً ).

    لكن لو أن قلبه أمتلئ بالسواد بنسبة 100% ، فقد يكون ملك الموت في الطريق ، وهنا نحن نتكلم عن القلب الغيبي ، الذي لا يعلم ما يحدث فيه إلا الله تعالى ، هذا أمر غيبي ، نحن نذكر قواعد لنعتبر ونحذر ونحتاط ونستعد ، (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).
    النقطة الرابعة : عوامل (الاستصغار والنسيان والزمن ) هي التي تجعل القلب أسوداً بنسبة 100 %.

    سورة الكهف : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ... (57)

    الإعراض عن ذكر الآيات يورث النسيان ، يجعل الإنسان مصاب بالنسيان ، يعني بفقدان الذاكرة ، لكن ليس في جميع المجالات ، ليس في مجال جمع الأموال ، الأموال وما يتعلق بها يتذكر هذا جيداً جداً .

    سورة الهمزة : الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2)

    وإنما في مجال نسيان الذنوب ، الذنوب المتعلقة به ، ينسى الذنوب التي يفعلها هو نفسه ، أما الذنوب المتعلقة بغيره ، فهو يتذكرها جيداً ، فتلك مادة الغيبة والنميمة في المجالس ، إعراضه عن ذكر الآيات يجعله ينسى ذنوبه فقط ، دون ذنوب الآخرين ، فهذه لا ينساها أبداً بل يتذكرها جيداً، فهو يستعملها كمادة يصنع منها الغيبة والنميمة في المجالس ، هكذا هو يوظف ويستثمر هذه العيوب لصناعة الغيبة والنميمة ، فهو يشتغل في عيوب الأخرين .

    سورة الكهف : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ... (57)

    لكن كيف حدث ذلك ؟

    أن إعراضه عن ذكر الآيات ، يجعل قرناء السوء يقبلون عليه .

    سورة فصلت : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ... (25)

    القرناء يزينون له الاستصغار ، استصغار المعاصي ، وعندما يراها هينة وصغيرة فإنه سيقبل عليها ويرتكبها ويقتحمها وينتهكها ويتمادى عليها ويصر عليها ، وما دام يعيش حالة الاستصغار وهو لا يتوقف عن المعاصي ، يصبح أسير المعاصي ، يعني يخطط ، يعيش وهو يخطط ، يرتكب الأولى اليوم ويخطط للثانية غداً وهكذا ، هذا التخطيط وهذه البرمجة المستمرة للمعاصي ، هل تجعله يعود بذاكرته إلى الوراء ؟ ، ليراجع نفسه وينقد ذاته ؟ ، لا ، وهذا هو معنى النسيان .

    سورة الكهف : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ... (57)

    وأن إعراضه عن ذكر الآيات يجعل قرناء السوء يقبلون عليه :

    سورة الزخرف : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)

    هؤلاء القرناء يزينون له استصغار المعاصي :

    سورة فصلت : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ... (25)

    وما دام القرناء معه ، لا يتوقفون عن تزيين المعاصي ، فإنه لن يتوقف عن ارتكاب هذه المعاصي لأنها في نظره صارت صغيرة وهينة ، فيقع فيها الواحدة تلو الأخرى ، بشكل متواصل ، معصية في هذه الساعة ، وفي الساعة المقبلة معصية أخرى ، وفي الساعة الثالثة معصية أخرى ، وفي الساعة الرابعة والخامسة والسادسة معاصي أخرى ، هذا اليوم معاصي معينة ، وفي الغد معاصي أخرى ، هذه البرمجة المتواصلة للمعصية ، لا تجعله يعود بذاكرته للوراء ، ليتذكر معاصيه ، لا تسمح له بذلك ، ولذلك ما هو الحل لتقوية ذاكرتنا في ما يتعلق بذنوبنا ؟.
    يتبع....
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  14. #14
    تاريخ الانضمام
    03/05/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    1,187

    افتراضي

    بارك الله فيك
     التوقيع 
    استغفر الله العظيم الذي لا اله
    الا هو الحي القيوم وأتوب إليه

  15. #15
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    اقتباس أرسل أصلا بواسطة جوري السلطنة88 مشاهدة المشاركات
    بارك الله فيك
    أكرمك الله-
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  16. #16
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    النقطة الخامسة : خطوات تذكر الذنوب في سبيل تنظيف القلب ، ليصبح أبيض 100%

    الحل هو الإقبال على ذكر الآيات ( قراءة القرآن الكريم )، لأنك عندما تقبل على ذكر الآيات ، ينفر القرناء ، وعندما ينفر القرناء فإن تزينهم يتوقف ، ويتوقف الاستصغار ، فتتوقف المعصية ، وإذا أقلع الإنسان عن جميع المعاصي ، حينها فقط بإمكانه أن يعود بذاكرته إلى الوراء .

    سورة الإسراء : وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)

    فالإقبال على ذكر الآيات يجعل القرناء ينفرون ، وعندما ينفر القرناء فإن تزينهم يتوقف ، وعندما يتوقف تزيين المعاصي يتوقف استصغارها ، فنرى هذه المعاصي على حقيقتها ، نرى المعاصي كبيرة وعظيمة ، نصبح نستعظم المعاصي ، وحينما نستعظم المعاصي نراها كبيرة فنتوب منها ، وعندما نتوب من جميع المعاصي وبدون استثناء ، عندها فقط بإمكاننا أن نعود بذاكرتنا إلى الوراء ، لنتذكر ما فعلناه في الأيام الماضية .
    النقطة السادسة : دماغ الإنسان وقطعة الإسفنجة ( تذكر كل لقطات معاصيك طيلة حياتك الماضية ) .
    ونمثل لدماغ الإنسان ، قبل أن يرتكب أي معصية في حياته ، بقطعة الإسفنج التي تستخدم في المطبخ عند شرائها من الدكان ، عندما نشتري قطعة الإسفنج من الدكان نجدها يابسة وجافة من أي قطرة ماء ، ولا نجدها رطبة ، نفس الأمر دماغ الإنسان يكون خالياً من أي لقطة معصية قبل أن يقع في المعاصي ، نأتي بقطعة الإسفنج التي اشتريناها من الدكان ونضعها في الدلو الذي تحدثنا عنه سابقاً ، الدلو الذي تتنزل فيه قطرات الحنفية بمعدل قطرة في الدقيقة ، بعد شهر نعود إلى الدلو وقد وضعنا فيه قطعة الإسفنج ، فنجد قطعة الإسفنج مملوءة بالماء ، غارقة في الماء ، نفس الأمر يحدث لدماغ الإنسان ، لدماغ المصر على المعاصي ، الذي يصر على المعاصي مع مرور الأيام والشهور ، دماغه يصبح غارقاً أي مملوء بالمعاصي .

    سورة المطففين : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14).

    هذا المثال تقريبي لكي نقرب به صورة التذكرة ، كيف نتذكر ذنوبنا ، يعني تتذكر ذنوبك ، تعود بذاكرتك إلى الوراء ، تماماً كأن تعصر دماغك ، تقوم بعصر دماغك معنوياً ، وأنت تبذل الجهد وتستفرغ الوسع بأن تستخرج منه جميع ما فيه من لقطات المعصية ، مثلما تحاول أن تقوم بعصر قطعة الإسفنج .

    تصور بأننا عندما نقوم بعصر قطعة الإسفنج ، نمسكها ونعصرها جيداً ، عصر جيد جداً ، نبذل جهدنا ونستفرغ وسعنا في عصر قطعة الإسفنج ، ونستخرج كل ما لدينا من طاقة في العصر ، وفي نهاية المطاف ، هل ستعود قطعة الإسفنج جافة ويابسة كما اشتريناها أول مرة من الدكان ؟ أم تظل رطبة ؟ .

    تظل رطبة !!!

    بمعني أن فيها أو بداخلها قطرات ماء لم نستطع استخراجها ، وهذا واقع ، فدماغ الذاكر التائب العائد إلى ربه ، سيقوم ولا شك وهو مطالب بذلك أن يعصر دماغه ، محاولاً أن يستخرج كل ما فيه من لقطات المعصية ، وذلك لكي يتوب منها ، وقد تأتيه لحظة الموت ، رغم أنه بذل الجهد واستفرغ الوسع إلا أنه قد يموت وفي دماغه لا تزال هناك بعض اللقطات عالقة ، غير قادر عليها ولم يستطع استخراجها .

    أنتبه وركز جيداً : إذا كان صادقاً في تذكره وفي توبته ، وكان مستفرغاً وسعه في ذلك ، فالله تعالى يتجاوز عن تلك المعاصي التي لم يستطع تذكرها .


    سورة البقرة : ... رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286).


    (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) هذا نسيان الذاكرين ، الذي يكون بعد السمع والطاعة ، وهو يكون فوق طاقتهم ، (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) .

    (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) تظل قطعة الإسفنج رطبة وذلك بعد العصر ، فلا زالت فيها بعض قطرات الماء لم نقوى على استخراجها ، نفس الأمر يحدث لدماغ الذاكر التائب العائد المنيب إلى ربه ، يعني قد يبذل هذا التائب جهده في عصر دماغه ، ويستفرغ وسعه في ذلك محاولا استخراج ما فيه من لقطات المعصية ولكن تأتيه لحظه الموت وهو لا يزال لم يتذكر بعض لقطات المعصية ، إذا كان صادقاً في توبته ومستفرغاً وسعه في تذكره ، فالله تعالى يتجاوز عن جميع تلك اللقطات التي بقيت في دماغه ، يتجاوز عنها جميعها ويغفرها ولا يؤاخذه عليها ، لأنه كان صادقاً في توبته ، مستفرغاً وسعه في تذكره .

    يتبع....
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  17. #17
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    النقطة السابعة : أنواع النسيان.
    النسيان لا يأتي على نوع واحد ، بل يأتي على نوعين :

    1) نسيان الغافلين :

    يأتي بعد الإعراض ، يأتي نتيجة الإعراض ، ويؤاخذون عليه ، ويحاسبون عليه :

    سورة الكهف : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ... (57)

    هؤلاء تسببوا فيه ، تسببوا في هذا النسيان ، جلبوا هذا النسيان لأنفسهم ،لأنهم أعرضوا عن الآيات فنسوا .

    سورة المجادلة : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)

    هذا نسيان الغافلين يؤاخذون عليه .
    2) نسيان الذاكرين :

    لا يؤاخذون عليه ، ولا يذكرون به يوم القيامة ، لأنهم أطاعوا :

    سورة البقرة : ... وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)

    يعني أطاعوا ربهم ، تابوا وأطاعوا وعادوا ورجعوا ، وتذكروا واستفرغوا الوسع ، لكن هذا النسيان كان فوق طاقتهم (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) .

    سورة البقرة : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286).
    نهاية المحاضرة الثالثة
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  18. #18
    تاريخ الانضمام
    10/05/2007
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    12,543
    مشاركات المدونة
    8

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا على هذا
    المجهود الرائع
    والهمة العاليـة
     التوقيع 
    لا تفكر كثيرا بل استغفر كثيرا

    ازرع جميلا ولو في غير موضعه
    فلا يضيع جميل أينما
    زرعا
    إن الجميل إن طال الزمان به
    فليس
    يحصده إلا الذي زرعا

  19. #19

    افتراضي

    بارك الله فيكِ أختاه وغفر لوالديكِ
    ورزقكِ الجنه وكل من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله اللهم أمين يارب العالمين

  20. #20
    تاريخ الانضمام
    12/05/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    5,531

    افتراضي

    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    بارك الله فيك
    نسال الله حسن الخاتمه وان يتجاوز عن سيئاتنا
     التوقيع 
    (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا (80) الأسراء

    ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) الشرح

  21. #21
    تاريخ الانضمام
    12/05/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    5,531

    افتراضي

    اقتباس أرسل أصلا بواسطة الاستغفار حياة القلوب مشاهدة المشاركات
    بارك الله فيكِ أختاه وغفر لوالديكِ
    ورزقكِ الجنه وكل من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله اللهم أمين يارب العالمين
    امين يارب العالمين
     التوقيع 
    (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا (80) الأسراء

    ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) الشرح

  22. #22
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي


    المحاضرة الرابعة : قواعد تصفية الملفات

    سورة التحريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8).

    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا)

    الله يأمرنا أن نتوب إليه توبة نصوحا ، نصوحاً يعني خالصة ، نصوحاً يعني صافية ، صافية مثل اللبن الخالص ، اللبن الخالص تجده صافياً ، ليس فيه شيء من الوسخ ولو مثقال ذرة ، التوبة النصوح تكون خالصة صافية ، وهذا يتطلب ما نسميه أو ما نطلق عليه تصفية الملفات ، نقوم بتصفية الملفات ، لكن لماذا ؟

    لأن المعصية إذا وقع فيها الإنسان فإنها تترك أثراً ، وليس أثراً من صلاح ، بل تترك أثراً من فساد ، فالتوبة النصوح تصلح ما أفسدته المعاصي ، كما أنها تصلح ما أفسدته باقترافك المعاصي .

    القاعدة الأولى : تذكر معاصيك وذنوبك ( تذكر ملفاتك) .

    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا)

    وقواعد تصفية الملفات تنطلق ابتداء من تذكر هذه المعاصي والملفات ، يعني تعود بذاكرتك إلى الوراء ، 30 سنة ، 40 سنة ، 50 سنة ، 60 سنة ،70 سنة ، تعود إلى الوراء ، ترجع إلى الخلف ، تنظر إلى الماضي ، تتفقد التاريخ ، تتذكر ماضيك ، محاولاً ومجتهداً أن تتذكر كل شيء ارتكبته من ذنوب وسيئات ومعاصي وتعديات ومظالم ، وأن تظل على هذا التفكير والتذكر إلى آخر لحظة من حياتك ، وإياك وإياك أن تتوقف عن هذا التذكر ، حذاري حذاري أن تتوقف ، عش ما تبقى من عمرك وأنت تتذكر ذنوبك .

    القاعدة الثانية : عندما تتذكر ملفاً ، اسأل العلماء في كيفية تصفيته .

    الآن تذكرت ملفاً ما ، قبل أن تقوم بتصفيته يجب أن تقوم بالسؤال عنه ، تسأل لتكون هذه التصفية على علم ، لتكون هذه التصفية مبنية على علم ، وليس على جهل أو هوى أو مزاج شخصي ، وهذا يقتضي أن تسأل المتمكنين من علم الشريعة الذين لهم علم وخبرة في مجال تصفية الملفات .

    سورة الجاثية : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)

    (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ)
    تسأل المتمكنين في علم الشريعة ، وتسأل عنهم جيداً ، مثلما تسأل عن الطبيب الذي يليق بك ، وأنت تسعى لعلاج مرض خطير جداً قد يفتك بحياتك ، تماماً هذا ما تفعله ، إياك ثم إياك أن تسأل نفسك ، حذاري أن تستفتي نفسك ، اسأل المتمكن في علم الشريعة الذي له خبرة وكفاءة وتجربة وأهلية في مجال تصفية الملفات ، هكذا مثلما تسعى وأنت مريض مرضاً خطيراً جداً قد يودي بحياتك إلى البحث عن الطبيب ، فأنت تراعي الكفاءة والموضوعية في هذا الموضوع .
    المنافقون هم الذين يعرضون عن تصفية الملفات ، وليس المؤمنين
    والله تعالى يبين لنا في كتابه أن من صفات المنافقين التهرب والإعراض عن تصفية الملفات ، وذلك مع ادعائهم الإيمان وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام .

    سورة النور: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49).

    (وَيَقُولُونَ) يعني يقولون بألسنتهم ، يقولون بأفواههم ،(وَيَقُولُونَ آمَنَّا) ، ألسنتهم تنطق بالإيمان .

    (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا)
    يزعمون طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا في سياق وفي مقام أنهم يدعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم ، وليفصل ما يحدث بينهم من نزاع وصراع حول قضايا كانت مالية أو ما شابه ذلك .

    (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)
    يعني بعد هذا النطق بالإيمان ، عندما يحين الموعد الحاسم يعرضون .

    (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)
    نفى عنهم الإيمان .

    (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) لماذا؟
    (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)
    إذن هناك قضية متنازع عليها ، هناك ملفات ، هناك خصومات ، حول أراضي ربما ، ربما حول أموال أو تركات ، والرسول صلى الله عليه وسلم هو القاضي الأول بين المسلمين .

    (وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)
    هل لأنهم يشكون في عدل النبي صلى الله عليه وسلم؟ ، لا ، وما البرهان على ذلك ؟ البرهان هو
    (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ)

    بمعني أن هذا المنافق ليس لديه شك أو ريب في عدل النبي صلى الله عليه وسلم ، هو على يقين ثابت وعلى إيمان جازم أن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بالعدل ، ويحكم بالحق ، ولكن يتهرب منه عندما يشعر ويحس ويدرك أنه ليس على حق في القضية ، عندما يعلم من نفسه أنه على باطل ، وأن الحق ليس من نصيبه ، فإنه يتهرب ، أما إذا علم من نفسه أنه مظلوم وأن الحق معه ، هنا يذهب ويأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا معنى قوله تعالى
    (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ)
    يعني مستسلمين

    ( يَأْتُوا إِلَيْهِ)
    الهاء هنا ضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

    وهذا هو المعيار الذي نقيس به الهوى ، نستطيع أن نقيس الهوى من خلال الاعتبار بهذه الآية الكريمة ، يعني من هو المنافق أو الذي يسير في طريق النفاق ، هو الذي يهرب من العدل ، الذي يعرض عن العدل ، عندما يعلم أنه على حق 100% ، أن المتجر من نصيبه ، أن الأموال من نصيبه ، أن الأراضي من نصيبه ، عندما يعلم ذلك علم اليقين ، ويعلم أنه مظلوم بطبيعة الحال في هذه القضية ، هنا ينطلق مسرعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليأخذ حقه ، وذلك ليقينه الجازم بأن النبي عليه الصلاة والسلام يحكم بالعدل ، لا يحابي ولا يجوز ولا يظلم .

    أما إذا كان يعلم من نفسه أنه على باطل ، وأنه ظالم ، وأنه هو المعتدي ،فيكون ليس على يقين ، يعني القضية فيها اشتباه أو لبس فهو لا يدري هل الحق معه أو مع الطرف الثاني ، في كلا الحالتين فإنه لا يغامر ، يقول لك : أنا لا أغامر ، لو ذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، قد يعطي الحق للطرف الآخر ، وأخسر المتجر وأخسر الأموال ، لكن لن أذهب ، إذن هم يتبعون أهوائهم ، ولا يبحثون عن الحق ، والكثير من المسلمين يفعل ذلك .
    المؤمنين هم الذين يعملون على تصفية الملفات ، وليس المنافقين

    سورة النور : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)

    هذا هو المؤمن ، هذا تعريف المؤمن ، ننتبه هنا إلى أداة الحصر ، يعني الله حصر المؤمن في هذا الذي ينفذ و يطبق ويلتزم .

    (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)
    المؤمن قد يقع في خلاف ، يعني لسوء فهم وتنسيق ربما ، أو سوء تفاهم ، قد يقع خلاف بينه وبين أخيه المؤمن أو طرف آخر ، حول تركة أو قطعة أرض أو حول مبلغ مالي أو أي شيء من هذا القبيل ، لكن المؤمن مباشرة لا يبقي القضية عنده ، لا يبقي الملف عنده ، لا يبقي الأراضي والأموال ومتاع الدنيا عنده ، يأخذه برمته ، يأخذ الملفات بأسرها ويتجه بها إلى النبي عليه الصلاة والسلام .

    ويقول : يا رسول الله هذه الدنيا هذه الأراضي هذه المليارات هذه الدكاكين هذه الشركات هذه المؤسسات الاقتصادية ، الحكم الذي تصدره أنا مستعد للامتثال له ، مستعد للعمل والتطبيق والتنفيذ ، وإذا حكمت أني لن آخذ شيئاً فإني سألتزم ،أنا أريد الآخرة ، أنا لا أريد هذه الدنيا ، أريد أن أعرف ما هو الحق في الموضوع ، وأنا على يقين أنك تحكم بالعدل ، وما تحكم به سأنفذه .

    لكن هل أكثر المسلمين اليوم ملتزمين بهذا ؟ لا .

    لذلك نجد أن أكثر المسلمين اليوم ، نتكلم هنا بصفة عامة ، نجدهم بعيدون كل البعد عن صفات وسلوك المؤمنين الذين عاشوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .

    سورة النور : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52).

    يتبع...
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  23. #23
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي


    بعض صفات المنافقين في مجال تصفية الملفات في سورة النساء :

    في سورة النساء : وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83).

    (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ) : دائماً المنافقون يزعمون الطاعة ، يدعون طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ما يأمرهم به .

    (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) : يعني في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ، عندما يكون هؤلاء المنافقين مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنهم يزعمون الطاعة ويدعون الامتثال والانقياد والإذعان ، وأنهم سيعملون وسينفذون وسيطبقون .

    (فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) : يعني خرجوا من عندك .

    (بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) : يعني في قلوبهم يأتون بنية أخرى ، تعاكس تماماً وتخالف تماماً ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام .


    سورة النساء : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83).

    (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) : الشيطان أو القرين هو الذي يصدهم ، يصد المنافقين عن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يأمرهم به.
    (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) : يعني هؤلاء لا يتدبرون القرآن ، ويشغلون أنفسهم بالإذاعة ، يذيعون الأخبار التي يسمعونها ، تلك الأخبار المتعلقة بالأمن أو الخوف ، يعني الأصل في هذه الأخبار أن يتوجهوا بها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى أولي الأمر ليبثوا فيها ، هل هي أخبار صحيحة أم أخبار خاطئة ؟، ولكنهم لا يفعلون ذلك ، بل يذيعونها والأنباء تنقسم الى قسمين:
    1) أنباء تتعلق بمواجهة العدو
    لأن مواجهة العدو قضية أمنية ، تتعلق بالأمن أو الخوف ، والله أشار إلى ذلك في نفس السورة سورة النساء عندما قال

    سورة النساء : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101).
    الأنباء و الأخبار التي تتعلق بمواجهة العدو الأصل أن لا تذاع ، والأصل فيها أن لا يقضي فيها من هب ودب ، هذه القضايا يبث فيها القادة ، والقائد الأول هو النبي صلى الله عليه وسلم ، القائد الأول الذي يقود المسلمين ويوجههم في المعارك ضد الأعداء هو الرسول صلى الله عليه وسلم ، في الأصل هذه الأنباء لا تذاع ولا تنشر ، قد تكون خاطئة ، قد يستغلها العدو للإيقاع بالمسلمين ، ولكن المنافقين يذيعونها ، يعني لا يتحكمون في ألسنتهم ، ولا يحيلون القضايا إلى أهل الاختصاص ، لا يحترمون أهل الاختصاص والتجربة والخبرة

    سورة النساء : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83).

    وهذا في القضايا التي تتعلق بمواجهة الأعداء ، وكذلك في القضايا التي تتعلق بالمعاملات ، الإنسان يتعرض فيها لأمور من قبيل الأمن أو الخوف

    2) القضايا التي تتعلق بالمعاملات

    ومن أمثلة ذلك :
    سورة النساء : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)

    يعني عندما يسمع الإنسان بأمر يتعلق بالشقاق يكاد أن يقع بين زوجين ، الأصل فيه أن ينقل إلى الذي يصلح بينهما فقط ، ولا أن ينشر في المدينة ، ولا يذاع في القرية ، لكن المنافقين في أمثال هذا الأنباء ينشرونها في المدينة ويذيعونها في القرية ، ويتناقلونها ويتداولونها ، فتنتشر الفتنة ، والأصل فيها أن ترد إلى أهل الاختصاص ، الذين يعنيهم الأمر فقط ليس إلا .
    سورة النساء : لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114).

    من صفات المنافقين باختصار ، أن القضايا أو الأمور التي لا يطيقونها ولا يقدرون على البث فيها فإنهم يذيعونها وينشرونها ، يعني يكثرون من الكلام في ما لا يعنيهم ، والأمر لا يتوقف على هذا ، بل أن هذه الإذاعة تعود بالوبال وتحدث الفتنة والبلبلة والشقاق بين المسلمين .

    سورة النساء : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83).

    الكثير من المسلمين تأتيه أخبار تتعلق بالمعاملات ، مثل فلان بينه وبين فلان آخر نزاع أو صراع أو شقاق أو يكاد أن يحدث بين زوج وزوجته شقاق ، المنافقون لا ينقلون هذه الأخبار إلى أهل الاختصاص الذين يصلحون ذات البين ، بل أن هؤلاء المنافقون ينشرونها في المدينة ويذيعونها في القرية ، ويقومون ببثها في المجالس وفي الاجتماعات ، فتكثر الأراجيف .

    سورة النساء : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)

    هذا هو الأصل في القضايا المتنازع عليها ، سواء كانت مادية أو معنوية ، الأصل أن ترد إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، ليبث فيها ويحكم فيها ، حتى أولي الأمر إذا تنازعوا ، عليهم أن يعودا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأنه أمر بطاعتهم طاعة مقيدة وليست مطلقة .


    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)
    ففي سياق الآية :
    بالنسبة لله (أَطِيعُوا اللَّهَ) طاعة مطلقة .
    وبالنسبة للرسول (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) طاعة مطلقة .
    ولا يوجد (وأطيعوا أولي الأمر ) لذلك طاعتهم مقيدة ، لأنهم يمكن أن يتنازعون مع أنفسهم في ما بينهم .

    (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)

    (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) : وهنا لم يذكر أولي الأمر .
    سورة النساء : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65).

    (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)

    هذه فئة من المنافقين الأصل أن تتحاكم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، ليبث في ما بينها من نزاعات وخصومات ، لكنهم لا يفعلون ذلك ، بل يتجهون بملفاتهم ويحملونها إلى الطاغوت ، يعني إلى الذين لا يحكمون بالعدل ، يأخذون الرشوة مثلاً أو يجورون ، والكثير من الناس من يفعل ذلك .
    مثلاً : يعني قد يرى قاضي يحكم بالعدل ، يرى قاضي نزيه ويحكم بالعدل وبالقسط لا يجور ولا يحابي أحداً ولا يأخذ رشوة ، تجد هذا المنافق لا يتجه إليه ولا يحتكم إليه ، لكن إذا علم من شخص آخر ومن قاضي آخر أنه لا يحكم بالعدل بل يرتشي ويرعي القرابة أو يراعي جار له أو صديق ، فتجده يتجه إليه ، هذا هو الطاغوت ، الطاغوت أن تتجه إلى قاضي وأنت تعلم أنه يحكم لك بالباطل وهو يرعي القرابة والنسب والصداقة ، يعني هذا القاضي الطاغوت لا يجرأ على قول الحق ، يحابيك وهو يعلم أنك على باطل ، هكذا كان هؤلاء المنافقين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام .
    (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)

    وكأن لسان حال هؤلاء المنافقين يقول : أنهم على استعداد لسماع القرآن ، لسماع الآيات التي تتحدث مثلاً عن الميراث ، لكن أن يتجهوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لينفذ فيهم تلك الآيات وليعطي لكل حقه حسب ما أنزل الله ، فإنه لا يقبل ، يعني يريدون قرآناً نظرياً ، لا قرآن تطبيق ، يريدون أن يعيشوا النظرية ، النظرية يرحبون بها ، أما التطبيق العملي والتجسيد الواقعي ، فهذا لا يقبلونه ، هكذا كان شأن المنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم .

    (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا)

    وهنا الله يبين سنة من السنن ، أن الإنسان الذي تأتيه فرصة لكي يقوم بتصفية ملف من الملفات التي تتعلق بالخصومات أو النزاعات ، بينه وبين أطراف أخرى ، ويفوت على نفسه هذه الفرضة ، فلينتظر أن تصيبه مصيبة من المصائب ، (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) ، وهنا المصيبة حلت عليهم بعد الإعراض عن التصفية ، وهكذا الكثير من المسلمين يجهلون هذه السنة ، يعرضون عن تصفية الملفات ، الملفات تبقى عالقة لسنين وسنين ، يعرضون عن تصفيتها ، وتحل بهم المصائب .

    سورة النساء : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65).

    (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ)


    والمنافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ، كانت لهم شبهة ، وكأن لسان حالهم يقول ، يعني يقولون لرسول صلى الله عليه وسلم بلسان حالهم :

    ((كنت في مكة تبلع القرآن والإسلام والدين ، يعني لم تكن قائداً في مكة ولم تكن قاضياً ولم تكن لك القيادة في مكة ، وعندما أتيت إلى المدينة ، واستقبلناك ورحبنا بك ، صرت تحكم فينا ، يعني من خول لك هذا ))
    والله بين لهم ذلك ، قال لهم : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) ، يعني هذا الرسول ليست قضية شخصية ، ليس هو الذي يريد هذا الشيء ، وإنما الله هو الذي أمر بهذا .

    ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا)

    توبة هؤلاء المنافقين تظل مفتوحة ، يعني أبوابها مفتوحة ، لكن بشرط أن يستغفر لهم الرسول ، يعني لا يكفي التوبة بينهم وبين الله تعالى ، بل هناك حق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دعاهم إلى التصفية كي يحكم بينهم ، ولما حان الموعد لم يكونوا حاضرين ،

    (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ) هذه توبة بينهم وبين الله تعالى ، لكن هذه لا تكفي ، (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا)، وهذا يقتضي أن يأتوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ويقدموا له الاعتذار ، لا بد أن يعتذروا لأنه دعاهم إلى التصفية ، ولما حان الموعد أعرضوا ولم يأتوا .
    (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
    (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) : الله تعالى يقسم باسمه الرب ، أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا الرسول عليه الصلاة والسلام ، نفى عنهم الإيمان ، لم يقل فلا وربك لا يؤمنوا حتى ينطقوا بالشهادة ، الشهادة الله يريدها أن تكون عملية ، سلوكية في المجتمعات وأخلاقية في المعاملات .

    (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) : حتى يجعلوك حكماً في ما بينهم ، يجعلوك حكماً في ما شجر ، الشجار ومنه الشجرة لأن أغصانها ملتفة ومتشابكة ، وهؤلاء فعلاً ملفاتهم متشابكة ، خصوماتهم ونزاعاتهم حول متاع الدنيا .
    (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) : القاضي الأول للمسلمين هو الرسول عليه الصلاة والسلام ، إذا قضى بحكم عليهم أن يطبقوا ، عليهم أن لا يناقشوا ، وأن لا يجادلوا ، وأن يستسلموا لهذا الحكم ، إذا فعلوا ذلك كانوا مؤمنين ، أما قبل ذلك فلا .

    يتبع...
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  24. #24
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    قواعد تصفية الملفات من خلال نبأ الخصم في سورة ص :

    أما في سورة ص ، الله تعالى يبين لنا من خلال نبأ الخصم قواعد تصفية الملفات ، القواعد التي إن إلتزم بها الخصوم فإن الله تعالى يوفقهم إلى تصفية ما بينهم من نزاعات وفك ما بينهم من خصومات .


    سورة ص : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26).


    (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) : الخصمان هنا بذلا جهداً من أجل التصفية ، في هذه الحياة الدنيا وهما لم يتركا الملف الذي بينهما لليوم الآخر ، إتجهوا إلى داوود عليه السلام ، ذهبا بأنفسهما إليه ، يعني لم ينتظرا دعوة منه ، وإنما هما اللذان بحثا عن داود عليه السلام في مكانه الذي هو فيه من أجل أن يحكم بينهما ، والقضية المهمة في السياق هي السرعة ، إتجها إليه بسرعة من غير موعد ، ودليل على ذلك لما رأى داوود عليه السلام هذان الخصمان فزع منهم .

    ( تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ) : وهما كذلك تسورا المحراب ، يعني تسلقا المحراب ، والمحراب هو مكان العبادة الذي كان فيه داوود عليه السلام ، يعني يكثر فيه من النوافل بعد الفرائض ، يعني أوقفاه عن النافلة ، لأن تصفية الملف مقدم على النوافل ، تصفية الملفات مقدم على سائر النوافل وأعمال التطوع ، لأن تصفية الملفات فريضة من الفرائض ، الله تعالى لا يرضى أن تبقى الملفات عالقة ، لا بد من تصفيتها ، هذان الخصمان لم يتركا الملف الذي بينهما لليوم الآخر ليقوما بتصفيته في المحشر ، بل أنهما قاما بتصفيته في الدنيا وهم أحياء .
    القاعدة الأولى : إجتهد في تصفية الملفات التي بينك وبين الخصوم في الدنيا قبل الآخرة ، لا تترك ملفاً للآخرة .
    القاعدة الثانية : أنت الذي تبحث عن القاضي وأن تسأل عنه .
    القاعدة الثالثة : تصفية الملفات من المستعجلات التي لا تقبل التسويف ولا التأخير ولا الإبطاء .

    وحذاري أن تنتظر دعوة منه ، والخصمان هما اللذان بحثا عن القاضي وسعيا إليه ، مثل الطبيب الذي تذهب إليه عند المرض ، الطبيب لا يسأل عن المريض ، بل أن المريض هو الذي يسأل عن الطبيب .

    ( تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ) : الخصمان لم ينتظرا حتى يدخلا من الباب كما هو معهود في تعامل الناس مع بعضهم ، بل تسوروا المحراب أي تسلقوا السور ، وقد يقول قائل : لماذا يفعلون ذلك ؟ هم لم يتسورا غرفة نومه ، أو غرفة طعامه ، بل تسورا المحراب أي مكان العبادة ، يعني يحق لهما أن يوقفا داوود عليه السلام عن النافلة وذلك من أجل أن ينقلاه إلى الفريضة ، وهي الحكم بين الناس بالحق .

    سورة ص : يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26).

    وهناك الكثير من المسلمين قد تكون بينهم وبين الناس ملفات عالقة لسنين وسنين ، لا يسعون إلى تصفيتها وفي نفس الوقت يكثرون من النوافل ، ويكثرون من العمرة ، وقد يعتمرون من أموال الناس ، بأموال المظلومين .

    سورة ص : إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22)
    هذان خصمان إتجها مع بعضهما إلى داوود عليه السلام ، ووقفا مع بعضهما أمام داوود عليه السلام ، يعني أنهما كانا على استعداد أن يتقابلا وأن يمتثلا أمام القاضي ، ولم يذهب كل واحد منهما بمفرده ، وذلك لكي يسمع منهما في وقت واحد ، ولم يحتكر كل منهما الصواب لنفسه ، بل احتمل الصواب لغيره ، بمعنى لم يحكم لنفسه أنه على صواب 100% ، بل ترك الحكم للقاضي ، وهذا من قواعد التوفيق ، عندما تكون خصماً في الموضوع فلا تجعل نفسك حكماً ، أنت خصم فلماذا تحكم ؟
    فمن قواعد التوفيق في تصفية الملفات أن تذهب أنت وخصمك إلى القاضي ، أن تذهبا معاً إلى القاضي في وقت واحد ، وأن تكونا على استعداد للذهاب معاً ، وأن تقفا معاً أمام القاضي ، حتى تعينا القاضي على الحكم ، ولكي يعلم القاضي أين الخلل ، فكل يدعي أن الحق له ، ويدعي لنفسه الصواب .
    ومن قواعد التوفيق في تصفية الملفات أن تحتمل أن يكون الحق في صالح خصمك ، يعني لا تجعل من نفسك حكماً وقاضياً وأنت خصم في الموضوع ، والكثير من المسلمين قد تكون بينه وبين الطرف الآخر خصومة ، وهو متجه إلى القاضي ، يحكم لنفسه أنه على صواب 100% ، ويتجه إلى القاضي بنية أن لا يسمع من القاضي إلا هذا الحكم ، فإذا حكم القاضي له قبل ذلك ، وإذا لم يحكم له رفض الحكم ، فهذا لا يتبع الحق والعدل ، بل أنه يتبع الهوى .


    سورة ص : إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)

    عندما تحدث أحدهما عن خصمه ، فإنه عبر عنه بصفة الأخوة وليس بصفة الخصومة و العداوة ، (هَذَا أَخِي) ، هو ينوي بهذه التصفية بأن يظل أخ له ، كان حريص أن يبقيه أخ له ، يريد أن يحافظ عليه أخ له ، لكن الكثير من المسلمين اليوم ، قد يستجيب لتصفية الملفات ، ولكن بنية أن يلغي الطرف الأخر بعد التصفية ، أن يعاديه وأن لا يتحدث معه ، وأن يقاطعه للأبد .

    سورة ص : إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)

    هنا امتحان عظيم من خلال الفرق الهائل بين العددين ، فالفرق بين 1 وبين 99 فرق كبير جداً ولا تصح المقارنة .

    نفرض (ركز : هذا مجرد افتراض فقط ليس إلا ):

    أن مازن يخاطب داوود عليه السلام :


    يقول مازن : أن هذا (يشير إلى عمر) أخي له 99 نعجة ، ولي نعجة واحدة .
    ومازن ينقل كلام عمر ، فقال مازن يخاطب داوود : أن عمر قال لي : أكفلنيها .
    يعني عمر الذي له 99 نعجة طلب من مازن أن يعطيه نعجته الواحدة .
    لكن عمر غلب مازن في الكلام .
    ويقول مازن لداود عليه السلام : لما غلبني عمر في الكلام أتينا إليك .
    لو كانت القضية أمامك في ما يبدو وحسب الظاهر ، فإن الحق مع مازن الذي له نعجة واحدة ، ولكن عمر له 99 نعجة ولم تكفه بل طلب من مازن نعجته الواحدة ، عمر يطلب من مازن النعجة الوحيدة عنده ، لكي يكتمل لعمر 100 نعجة .
    نجد من خلال حكمنا الظاهر في ما يبدو أن الحق لمازن الذي له نعجة واحدة فقط ، ولو استجبنا لطلب عمر ، فإن عمر سيحصل على 100 نعجة ، ومازن لن يحصل على شيء ، ولا حتى نعجة واحدة ، هذه النتيجة تجعلنا نشفق على مازن ، ونقول أن مازن مسكين فلن تبقى له ولا نعجة ولا يحصل على أي شيء ، فقد نقع في خطأ فنحكم له ، وهذا الخطأ الذي وقع فيه داوود عليه السلام ، وذلك عن شرود ذهن ، وليس عن قصد أو تعمد ، والأصل أن يستمع إلى عمر قبل أن يحكم .

    سورة ص : قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)


    وداوود عليه السلام مباشرة أدرك خطأه فأسرع إلى التوبة والإنابة ،( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) ، يعني أدرك داوود عليه السلام أنه أيضاً في امتحان واختبار ، يعني ليس فقط الخصمان في اختبار بل هو كذلك كقاضي ونبي هو أيضاً في امتحان واختبار ، ولذلك في أي قضية حكم يكون الخصوم في امتحان واختبار وابتلاء ، والقاضي أيضاً يكون في امتحان واختبار وابتلاء ، الكل في امتحان واختبار وابتلاء ، (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) .

    العبرة التي نستخلصها أن لا نحكم لطرف على حساب طرف آخر إلا بعد الاستماع الجيد من الطرفين معاً ، مهما كانت شكوى أحد الطرفين ، يعني قد يأتيك شخص وقد فقئت عينه ويشكو من شخص آخر أنه فقأ عينه ، فلا تحكم له ، فقد يكون الطرف الآخر فقئت له عينين بسبب هذا الشخص .
    (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) : داوود عليه السلام أدرك وتيقن أنه ممتحن ومختبر ومبتلى بهذه القضية ، فالخصوم هم في امتحان واختبار وابتلاء ، والقاضي كذلك هل سيحكم بالحق ؟ ، هل سينطق بالحق ؟ .



    سورة ص : يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26).

    وأن داوود عليه السلام لما وقع في هذا الخطأ من غير قصد ومن غير تعمد أسرع إلى الإنابة ،(فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) ، قال لهم دعوني أستغفر ربي من هذا الخطأ ، أتركوني أستغفر ربي من هذا الخطأ وأركع وأنيب ، ثم أعود إليكما لأفتح الملف من جديد .
    نهاية المحاضرة الرابعة
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  25. #25
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    المحاضرة الخامسة :المسارعة في تصفية الملفات

    النقطة الأولي : التوبة النصوح تستدعي الإصلاح وعدم الظلم .


    سورة التحريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8).

    الله يأمرنا أن نتوب توبة نصوحاً ، نصوحاً يعني صافية خالصة ، مثل اللبن الخالص النقي ، ليس فيه شيء من الوسخ ، وهذا يستدعي ويقتضي تصفية الملفات ، وتصفية الملفات هي أن تصلح ما أفسدته .

    سورة الأنعام : وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54).

    (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

    أن الله غفور رحيم بعد التوبة ، بعد التوبة التي يصحبها إصلاح ، لأن التوبة التي لا يصحبها إصلاح هي توبة مزيفة ، هي توبة ليست حقيقية ، فمثلاً إنسان كان يسرق أموال الشركة التي يعمل فيها ، هذا إفساد ، لكن الآن تاب وباب التوبة مفتوح ، لكن يجب عليه أن يرجع أموال الشركة التي سرقها ، يردها كاملة غير منقوصة إلى تلك الشركة ، وإلا فتوبته مزيفة ، توبة غير مقبولة ، فالله غفور رحيم لكن ليس بعد توبة الشعارات ، ليس بعد توبة اللافتات ، ليس بعد توبة العنوان ، لذلك الكثير من المسلمين يبحثون عن هذه الرحمة في واقعهم فلا يجدونها ، ويتوهمون أنهم تابوا لكنهم لم يصلحوا .

    مثال الإصلاح في سورة النور :

    سورة النور : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5).

    لأن الذي يتحدث في عرض الآخرين فإنه يتسبب في إفساد علاقات ونميمة ، لذلك عليه أن يصلح ، عليه أن يصلح ما أفسد ، عليه أن يعيد تلك العلاقات إلى ما كانت عليه ، وإلا توبته مزيفة ، فعملية الإصلاح مهمة جداً لأنها تحقيق للتوبة في الواقع .

    التوبة النصوح تقتضي التصفية والإصلاح ، أن ترد المظالم ، أن ترد جميع المظالم بدون استثناء ، وأن تتنصل من جميع التبعات بدون استثناء ، أن تأدي الحقوق كاملة إلى أهلها بدون استثناء .


    انظر مثلاً في سورة الحجرات :

    سورة الحجرات : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11).

    لما الله تعالى نهى عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب ، ماذا قال في نهاية الآية ؟ (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .

    هناك ظلم عندما تسخر من إنسان ، عندما تلمزه بكلام جارح ، عندما تلمزه بلقب ، هذا فيه إنقاص من حقه ، هذا فيه إنقاص من كرامته ، وهذا فيه إنقاص من قدره ، ولا بد أن تعيد ذلك النقص ، إذ لا يكفي أن تقول أنا تبت إلى الله ، ولن أعود مرة أخرى ، هذا لا يكفي ، عليك أن تقصد هؤلاء ، عليك أن تبحث عنهم أين هم ، إسأل عنهم ، عليك أن تعتذر إليهم ، وأن ترد الحقوق كاملة ، ربما تسببت في إيذاء أحدهم وتسبب عن ذلك الإيذاء مرض معين لذلك الشخص ، هذا المرض ربما إن سألت المتمكنين في الشريعة قد يلزمونك بتكلفة العلاج ، وما يدريك ؟

    تسب إنسان ، أو تتكلم في عرضه ، أو تشتمه ، قد تسبب له جرح عميق جداً في القلب ، قد ينهار نفسياً ، فأنت تتسبب في مرض ، يكلفه العلاج مبلغاً ضخماً ، إسأل وعليك أن تسأل عن كل هذا ،(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .


    سورة الحجرات : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11).

    (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) والظلم لغة هو النقص ففي سورة الكهف لما تحدث الله عن الجنتين بماذا وصفهما :

    سورة الكهف : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33).

    (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) : يعني لم تنقص من خيراتها ، فالظلم هو النقص ، يعني لو كنت تتجول في هاتين الجنتين ، لا تجد نقصاً ، ترى عرجوناً أو قنواناً من التمر ، لا تجد نقصاً في مكان معين ، تجده مملوء بحبات التمر ، ولا يوجد فراغ هناك ، وعنقود من العنب لا تجد فيه حبة ناقصة ، هذا هو معني الظلم ، الظلم هو النقص ، يعني التوبة النصوح عندما تكون خالصة وتحقق فيها الإصلاح ، عليك أن تسدد جميع النقائص ، فليست القضية أن تعطي الآخرين شيء ما هكذا ، بصورة عشوائية ، عليك أن تقدر ذلك تقديراً جيداً ، (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) .

    ركز مع نهاية سورة البقرة لما حرم الله الربا :

    سورة البقرة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279).

    (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)

    يعني عليك أن تعيد ذلك الشيء الذي سميته فائدة ، وأخذته من الآخرين ، عليك أن تعيده إليهم ، أعده ولا تقل الطرف الآخر رضي ، فلما اتفقنا كان هناك رضى ، لا هذا الرضى لا يبرر ، عليك أن تعيد ذلك الشيء إلى أهله، وإلا فإنك ظالم ، أنت واقع في الظلم ، (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ).

    يتبع...
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  26. #26
    تاريخ الانضمام
    26/10/2011
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    15,784

    افتراضي

    بـارك الله فيـك

    وف ميـزان حسناتـك

    ربي يكـرمك
    ويعفـو عنك
     التوقيع 
    اللهم أرحمنـا أذا
    يــأس مــنا الطبيـب
    وبكـى علينـا الحبيب
    وورانــــا التـــــراب
    وودعنــــا الاحبــــاب
    ولمــا يذكـرنا ذاكـــر
    ولمـا يـزرنــــا زائــر


    ربـــــــــــــاااه أشتقت لجنتــــــــك .. فــــــزفنـــــــى اليهــــــــا وأنـــــا ســــاجدا بين يــــديـــك

  27. #27
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    اقتباس أرسل أصلا بواسطة واسطة العقد مشاهدة المشاركات
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    بارك الله فيك
    نسال الله حسن الخاتمه وان يتجاوز عن سيئاتنا


    اقتباس أرسل أصلا بواسطة طالب عفو ربه مشاهدة المشاركات
    بـارك الله فيـك

    وف ميـزان حسناتـك

    ربي يكـرمك

    ويعفـو عنك
    أمين يا رب العالمين
    أكرمكم الله بالدارين~~
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  28. #28
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    النقطة الثانية : الإتقان والجودة في التوبة النصوح .

    سورة التحريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8).

    (تَوْبَةً نَصُوحًا) : نصوحاً يعني خالصة ، يعني صافية ، وهذا يقتضي الإتقان ، أن تتقن توبتك ، أن تحققها بجودة عالية ، كيف ذلك ؟

    ركز : عليك أن تجعل نفسك دائماً مكان الطرف الآخر، حينما يتعلق الأمر بخصومة ، هناك خصومة بينك وأنت المدير للشركة مثلاً وبين عاملك ، أنت المدير ووقعت خصومة بينك وبين العامل في المتجر ، وتريد أن تتوب توبة نصوحاً ، حاول أن تستحضر نفسك مكان ذلك العامل ، ماذا تريد ؟ يعني حاول أن تتقمص دوره ، حتى تعرف ماذا يريد؟ ، وكيف تريد أنت أن يعاملك الآخرين ؟ ، من خلال ذلك يمكن جداً أن تحقق التوبة النصوح ، يعني تتقنها ، والإتقان هو الجودة .

    عندما نقول بناء ، بنائه نصوح ، بناء يبني بناء نصوحاً ، ما معني بناء نصوح ؟ ، يعني حينما يبني لا يبني لكي يتخلص من هذا العمل في أقرب وقت ممكن ، يبني وكأنه هو الذي يسكن في ذلك البيت ، يتقن عمله جيداً ، حينما يبني هو يبني للآخرين ، هو يبني مساكن ليسكن فيها الآخرون من الناس ، لكن حينما يبني يبني وكأنه هو الذي سيسكن في تلك الدار ، كيف سيكون البناء ؟

    هكذا لا بد من الإتقان ولا بد من الجودة ، وإلا فالتوبة لن تكون صادقة ، لن تكون خالصة ، ستأخذ حقوق الآخرين ، ستنقص من حقوقهم ، فتكون التوبة مزيفة ، عبارة عن شعارات .
    النقطة الثالثة : قواعد تصفية الملفات والتأكيد على تصفية جميع الملفات .

    سورة التحريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8).

    ذكرنا سابقاً بعض قواعد تصفية الملفات :

    القاعدة الأولى : أن تعود بذاكرتك إلى الوراء ، 20 سنة ، 30 سنة ، 40 سنة ،50 سنة ، 60 سنة ، 70 سنة ، وتجتهد في أن تتذكر السيئات والذنوب والمعاصي التي وقعت فيها ، والمظالم التي بينك وبين الناس ، عليك أن تجتهد أولاً في تذكرها .

    القاعدة الثانية : قبل تصفيتها أن تسأل المتمكنين في علم الشريعة من ذوي الاختصاص والتجربة والكفاءة والأهلية ، وهذا يقع حتى في الأمور المادية ، الإنسان عندما تفسد ساعته اليدوية التي يرى بها التوقيت ، عندما تفسد فإنه لا يصلحها بنفسه ، بل يتجه بها إلى من يصلح الساعات ، وعندما تتعطل سيارته ، وليست له خبرة في إصلاحها ، فإنه لا يصلحها بنفسه ، بل يتجه بها إلى من يصلح السيارات ، وهكذا عندما تفسد الأجهزة والمعدات ، نتجه بها إلى ذوي الاختصاص ، فالأمر نفسه هنا .

    القاعدة الثالثة : أن تنوي تصفية كل شيء ، تنوي أن تقوم بتصفية جميع الملفات وبدون استثناء ، وأن لا تبقي ملفاً واحداً ، وأن لا تفرق بين الملفات المتعلقة بالشعائر ، والملفات المتعلقة بالمعاملات ، لا فرق بين هذا وذاك .

    سورة آل عمران : ... وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ...(119).

    سورة البقرة : ... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85).

    إذن تنوي من حيث النية ، من حيث العزم ، من حيث القصد ، تنوي أن تقوم بتصفية كل شيء ، أن تقوم بتصفية جميع الملفات وبدون استثناء ، وأن لا تبقي ملفاً واحداً ، ولا فرق بين الملفات المتعلقة بالشعائر والملفات المتعلقة بالمعاملات .

    فقد تكون أخللت بصلاة ما في يوم ما في سنة ما ، عليك أن تسأل عن تلك الصلاة ، هل تعيدها أم لا ؟ ، هل تلزمك اعادتها أم لا ؟ لا بد أن تسأل ، و قد تكون أخللت بصيام يوم ما ، بصيام يوم من أيام رمضان ، عليك أن تسأل ، هل تلزمك إعادة ذلك اليوم أم لا ؟ هذه كلها شعائر ، فعليك أن تسأل عن كل الشعائر .

    وكذلك المعاملات ، المعاملات التي بينك وبين الناس ، سواء كانت معاملة زوجية بينك وبين زوجتك ، أو الحقوق التي بينك وبين والديك أو أخوتك أو أبنائك أو أرحامك ، كل هذا عليك أن تسأل عنه ، قبل أن تقوم بتصفيته ، كذلك المعاملات المالية ، والمعاملات بينك وبين الزبائن ، المعاملات بينك وبين مدير الشركة ، أو الشركاء في التجارة ، أو في المؤسسة الاقتصادية .

    سورة آل عمران : ... وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ...(119).

    سورة البقرة : ... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85).

    مثلاً اجتهدت في تذكر الملفات ، فأحصيت 100 ملف ، عليك أن تنوي القيام بتصفية 100 ملف ، وإياك من حيث النية أن تترك ملفاً واحداً ، أو تذكرت الخصوم ، تذكرت الذين بينك وبينهم خصومة فأحصيتهم ، فوجدتهم 100 خصم ، أو 100 مظلوم ، لا بد أن تأدي الحقوق إليهم جميعاً ، أن تنوي القيام بتصفية جميع جميع جميع ما بينك وبين هؤلاء من ملفات ، وإياك أن تترك ( من حيث النية ) خصماً واحداً أو مظلوماً واحداً بدون تصفيته ، يعني أن تنوي تصفية جميع ملفات الخصوم والمظلومين ، ولا تترك ولا حتى خصماً ولا مظلوماً واحداً ، لأنه انطلاقا من تلك النية قد لا توفق .

    سورة هود : وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88).

    يتبع.
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  29. #29
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم

    النقطة الرابعة : القاعدة الرابعة من قواعد تصفية الملفات (المسارعة والمسابقة في تصفية الملفات ).

    سورة التحريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8).

    إذن هكذا هي قواعد تصفية الملفات :

    القاعدة الأولى : تتذكر الملفات .

    القاعدة الثانية : تسأل عن كيفية تصفيتها .

    القاعدة الثالثة : تنوي أن تقوم بتصفية كل الملفات ولا تبقي ولا حتى ملفاً واحداً .

    القاعدة الرابعة : أن تسرع في التصفية ، ولا بد من السرعة , وأن تسرع في تصفية ملفاتك بسرعة أسرع من سرعتك في جمع أموالك ومتاع الدنيا .

    سورة الزخرف : وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32).

    لأن الله يدعوك إلى جنة من خلال هذه التصفية ، من خلال هذه التوبة النصوح الخالصة ، من خلال تصفية الملفات التي بها تحقق توبتك النصوح ، الله يدعوك ليس إلى قصر في الدنيا ، يدعوك ليس إلى قصر تعيش فيه في الدنيا ، الله يدعوك إلى جنة عرضها السماوات والأرض .

    سورة آل عمران : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)

    الله تعالى قال : (وَسَارِعُوا) ولم يقل الله (تعالوا ) ، إذن لا بد من تحقيق السرعة ، عليك أن تسرع ، أما في سورة الحديد (سَابِقُوا) .

    سورة الحديد : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) .


    يعني أن تسرع سرعة تسابق فيها من تراه مسرعاً في تصفية ملفاته ، يعني القضية تحتاج أيضاً إلى منافسة ، حاول أن تنافس الذين يقومون بتصفية الملفات ، حاول أن تنافسهم في سرعتهم ، بأن تسرع أكثر منهم .

    المسارعة والمسابقة في تصفية الملفات :

    سورة آل عمران : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)

    سورة الحديد : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) .

    في سورة آل عمران : ( وَسَارِعُوا ) .
    في سورة الحديد : ( سَابِقُوا ) .

    يعني السرعة المطلوبة في تصفية الملفات هي :

    1) أن تسارع في تصفية ملفاتك سرعة تسابق فيها الذين يسارعون في تصفية ملفاتهم .

    2) كذلك تسارع في تصفية ملفاتك سرعة أكبر من سرعتك في جمع أموالك .

    السؤال : لكن لماذا هذه السرعة في تصفية الملفات ؟

    الجواب : لأن الجنة أغلى من مسكن الدنيا، هل أنت مؤمن أن الجنة أغلى من الدنيا ؟؟؟

    سورة آل عمران : ... وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)

    سورة الزخرف : ... وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)

    مثال :

    لو أن المدير عمر هو يعمل في مكتب توزيع السكنات ( المنازل والبيوت والفلل والقصور الكبيرة والفاخرة والفخمة ) ،المدير عمر أتصل بمازن ، وأخبره أن موعد تسليم السكنات يكون بعد غد مباشرة ، والمدير عمر يطلب من مازن الحضور إلى المكتب بعد غد على الساعة الثامنة صباحاً تماماً ، ويحضر معه عشر وثائق كاملة ، حتى يكتمل الملف وحتى يحظى بالقبول ، لكن مازن يملك فقط وثيقة واحدة ، أما التسع وثائق الباقية فلا يملكها ، ليس عنده إلا وثيقة واحدة من أصل عشر وثائق ، وقد بقي لديه يوم واحد فقط حتى موعد المقابلة مع المدير عمر .
    ماذا سيفعل مازن خلال هذا اليوم الواحد ؟

    كيف ستكون سرعته خلال ساعات هذا اليوم الواحد ؟

    سيسرع في جمع الوثائق سرعة كبيرة جداً جداً جداً ، تجعله يتنازل عن الكثير من الأشياء ، قد يتخلى عن فطوره ، قد يتخلى عن وجبة الغداء ، قد يتخلى عن راحته من أجل تحصيل هذ الوثائق .
    متى سيصل مازن إلى مكتب المدير عمر ؟

    في أي ساعة سيصل مازن إلى مكتب المدير عمر ؟

    سيصل مثلاً في الساعة السابعة صباحاً ، يقيناً أنه سيصل قبل الساعة الثامنة صباحاً ، يقيناً أنه سيحتاط لكي يصل قبل الساعة الثامنة صباحاً ، يقيناً ويقيناً سيحتاط لكي يصل قبل الساعة الثامنة صباحاً ، ويقيناً هذا الذي سيحدث .

    لكن هل أكثر المسلمين اليوم يسارعون إلى التوبة النصوح وتصفية الملفات على هذه الشاكلة ؟ وبهذه الطريقة ؟ وبهذه السرعة ؟

    سورة آل عمران : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)

    وعد من الله للذين يتوبون توبة نصوحاً :

    ووعد من الله تعالى لمن إلتزم بهذه القواعد في تصفية الملفات ، والذي إلتزم بأن يعيش ما تبقى له من لحظات بينه وبين موته وهو:

    1) يتذكر ذنوبه .

    2) أن يسأل عن تصفية الملفات قبل تصفيتها ، ( يعني يقوم بتصفية مبنية على علم وليس عن هوى أو جهل ) .

    3) نوى وينوى وظل ينوي أن يقوم بتصفية كل شيء .

    4) وكان مسرعاً في التصفية ، سرعة أكبر من سرعته في جمع أمواله ، وسرعة يسابق فيها الذين يسارعون في تصفية ملفاتهم .

    الله يعد كل من قام بالخطوات السابقة كلها وعلى أتم وجه ، الله يعده بالتالي :

    ((يكفر له جميع سيئاته التي وقع فيها قبل توبته ، و يدخله الجنة ، سواء أكمل التصفية من حيث الواقع أم لم يكمل ، لأنه في الطريق إليها )) .

    يتبع...
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

  30. #30
    تاريخ الانضمام
    19/06/2016
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    367

    افتراضي


    النقطة السابعة : مفاجآت يوم القيامة .

    ويوم القيامة يوم المفاجآت ، يعني الناس سيفاجؤن يوم القيامة ، سيفاجؤن عندما يرون مازن يرافق النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن إفترض أن الله سبحانه وتعالى بين لهم اللحظات الأخيرة التي كان يعيشها مازن قبل موته ، اللحظات الأخيرة في حياته قبل أن يأتيه ملك الموت ، أطلعوا على واقعة توبته ، وكيف أنه بدأ مباشرة بتصفية ملفاته السوداء ، حينها تزول المفاجأة والغرابة ، فيوم القيامة يوم مفاجآت ، لأننا نحن نتعامل بالظاهر ، أما الحقيقة المطلقة فلا يعلمها إلا الله .

    سورة الطارق : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9)

    والعكس صحيح ، ففي مثال آخر ، هذا شخص آخر، قد يكون مازن معروفاً بالصلاح ، معروفاً بالتقوى وأداء الصلاة وفعل الخير ، وقد يكون معروفاً بالإنفاق وفعل الصالحات والقيام بالمشاريع الخيرية ، وقد يكون إماماً وخطيباً ، وقد يكون واعضاً أو مرشداً ، وقد يكون عالماً ، والناس عندما يعلمون شخصاً هكذا مواصفاته ، هكذا خصاله ، هكذا مظهره ، عندما يسمعون بنبأ موته فإنهم يتأسفون على موته ولا يقولون استرحنا منه ، وفي جنازته يحضر جمع غفير من الناس ، وفي يوم القيامة إن مات هذا مصراً ، إن مات على النفاق ، إن مات على الشرك الخفي ، إن مات على الرياء ، فإنه يوم القيامة يرافق المنافقين ، والناس سيفاجئون ، لكن إذا بين الله تعالى لهم أنه كان مرائياً ، كان ينفق رياء ، كان يتصدق رياء ، كان يعمل أعمالاً جليلة رياء ، ليقال أنه كان صالحاً ، أو يعمل في الخفاء معاصي لم يكن الناس يطلعون عليها ، في الخفاء كان يرتكب معاصي ولم يكن الناس يطلعون عليها ، لأنهم كانوا بعيدون عنه ، عندما يبين لهم هذا فإن الغرابة تزول .


    سورة الطارق : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9)

    الذي تاب توبة نصوحاً وكفر الله عنه سيئاته ، فإن عدد المعاصي التي تبقى في صحيفة سيئاته تساوي صفر ، أي لا يبقى لديه ولا حتى سيئة واحدة ، لأنه تاب توبة نصوحاً ، الله كفر عنه كل سيئاته ، الله غطى كل سيئاته ، غطاها تغطية كاملة ، وبالتالي صحيفته تكون يوم القيامة صحيفة بيضاء ، تكون بيضاء نقية ، ولا يكون فيها أي نقطة من السواد ، بياض الصفحة يلتقي مع بياض الوجه ، بياض صفحته يلتقي مع بياض وجهه .

    سورة آل عمران : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ... (106)

    وما دامت صحيفته بيضاء فإنه لا يلقى أي حرج من إطلاع الناس على صحيفته البيضاء ، وعندما تكون صحيفته بيضاء نقية إنه لا يجد أي حرج من إطلاع أي أحد على صحيفته .

    سورة الحاقة : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)

    هذا مثل الطالب أو التلميذ عندما يتسلم دفتره الذي يسجل فيه العلامات ( الشهادة الدراسة ) ، وتكون العلامات كلها جيدة ، العلامات التي حاز عليها كلها جيدة ، ولا توجد بدفتره نقطة سلبية واحدة ، فإنه لا يجد حرج من إطلاع زملائه على دفتره .

    سورة الحاقة : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24).

    وما دام تاب توبة نصوحاً ، فإنه يأتي يوم القيامة بصحيفته البيضاء النقية التي فيها الحسنات فقط ، وليس فيها أي سيئة ، يأتي فقط بالحسنات فقط وفقط وفقط ، وليس معها أي سيئة ، ولا حتى سيئة واحدة ، ذلك لأنه في الدنيا تاب توبة نصوحاً ، حيث أن كل السيئات كفرت وغطيت ومحيت ، نسفت إلى غير رجعة ، وحسابه يوم القيامة يسير .


    سورة الانشقاق : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9)

    والحساب اليسير هو أن الله بقدر حسناته في صحيفته يقدر له درجته في الجنة ، لأن الله يعدل بين السعداء في درجات الجنة ، مثلما يعدل بين الأشقياء في دركات النار ، فهناك عدل مطلق .

    يعني الآن على سبيل المثال ، الذين يصعدون الطائرة ، ليس كلهم يجلسون في درجة رجال الأعمال ، بل هناك درجة اقتصادية ، فهناك درجات ، وكذلك الفنادق ليس كلها بنفس عدد النجوم ، فعدد النجوم يتفاوت بين فندق وآخر ، هذا كله في الدنيا ، فما بالك بالجنة .

    سورة آل عمران : هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)

    سورة يونس : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)

    بالقسط يعني بالعدل

    إذن بمقدار تلك الحسنات التي أتي بها ، الله تعالى يقدر له بها درجته المناسبة له في الجنة ، وإنما قلنا يأتي بالحسنات فقط .

    سورة النمل : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89)

    بحجم أو بمقدار تلك الحسنات التي أتى بها ، الله تعالى يقدر له درجته في الجنة ، لأن الله تعالى يعدل بين السعداء في درجات الجنة ، مثلما يعدل بين الأشقياء في دركات جهنم .

    سورة يونس : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54)


    حتى بين الأشقياء ، ليسوا في دركة واحدة ، الأشقياء يتفاوتون في الأوزار ، يتفاوتون في حجم الأوزار والسيئات ، لا يأتون بحجم واحد .

    وهذا الذي تاب توبة نصوحاً ، بعد أن يعرف درجته المناسبة له في الجنة ، فإنه يرافق النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه المرافقة جاءت في سورة التحريم ، وذلك في سياق التوبة النصوح .

    سورة التحريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8).
    نهاية المحاضرة الخامسة
     التوقيع 
    إذا رُمتَ أنْ تَحيا سَليماً مِن الأذى - - وَ دينُكَ مَوفورٌ وعِرْضُكَ صَيِنُّ
    لِسانُكَ لا تَذكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئٍ - - فَكُلُّكَ عَوراتٌ وللنّاسِ ألسُنُ
    وعَيناكَ إنْ أبدَتْ إليكَ مَعايِباً - - فَدَعها وَقُلْ يا عَينُ للنّاسِ أعيُـنُ
    وعاشِرْ بِمَعروفٍ وسامِحْ مَن اعتَدى - - ودَافع ولكن بالتي هِيَ أحسَنُ
    في زحمة الحياة لا تنسى ذكر الله
    سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ

الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

مواضيع مشابهه

  1. الردود: 3
    آخر مشاركة: 17/05/2017, 03:25 PM
  2. تصفية الملفات قبل الوفاة للشيخ داود بوسنان
    بواسطة abuwaleed في القسم: السبلة الدينية
    الردود: 2
    آخر مشاركة: 28/04/2015, 12:28 PM
  3. قاعدة تصفية الملفات.. وتمنعك من تسويف العمل
    بواسطة amwaj في القسم: قسم حوارات ونشاطات حواء الجاده
    الردود: 6
    آخر مشاركة: 18/02/2015, 09:34 PM

قواعد المشاركة

  • ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
  • ليس بإمكانك إضافة ردود
  • ليس بإمكانك رفع مرفقات
  • ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك
  •