رؤية النتائج 1 إلى 11 من 11
  1. #1
    تاريخ الانضمام
    27/12/2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    386

    افتراضي محاورة الشجرة للشاعر الفرنسي بول فاليري

    محاورة الشجرة

    للشاعر : بول فاليري
    ترجمها: د. أنور لوقا

    مقدمة بسيطة

    هذا العمل لا يعدو أن يكون نقلا لقصيدة "محاورة الشجرة " لبول فاليري من مادة مسموعة إلى مادة مكتوبة, هذه المادة التي أذيعت في إذاعة البرنامج الثقافي القاهرة, والتي هي تمثيل صوتي لنص فاليري الذي ترجمه الدكتور المصري "أنور لوقا" , وبما أن النص لم أجده مكتوبا, فاني اليت على نفسي نقل هذه الرائعة إلى العالم المقروء الذي لا يضاهى بالفعل بجمالها المسموع , مع تقديم معاني بعض الكلمات التي ربما تستحيل على الفهم.

    القصيدة هي استعراض لمذهبين شعريين, مذهب ينتصر للفظ وآخر ينتصر للمعنى , يقوم خلاله الشاعر بول فاليري عن طريق محاوريه المفترضين : تيتير ولوكريس, ان يبين مكنونات الشعر عبر وضعه امام العاطفة وأمام العقل , ف"تيتير" مهووس بالأساطير والعلل الغيبية التي تنتج المعنى الذي يرتجله في شعره, أما "لوكريس" الحكيم , فهو يستبعد بفكره العلل المفترضة إلى العلل العقلية التي تضع الكلمة أمام نفسها, لتنشأ بالعقل وحده مملكة من المعنى الذي أُنتِج من نظام فكري , يتعقل فيها الشعر ذاته دون إحالات إلى علل لا يتقبلها العقل, و"تيتير" له فلسفة تكاد تكون أفلاطونية تؤمن بالمفارقة عكس "لوكريس" الذي هو ينظر للشيء مجردا من أية صور أو إحالات, بل يدع للشيء أن يتعمق في نفسه عبر فكر الشاعر, الذي يعتمد على قوانينه الذاتية التي هي في الحقيقة من تخلق المعنى , ويشبه "لوكريس" خلق المعنى كحالة النبات ونموه, فهو يتعمق نفسه في نظام ويخلق عن طريق نموه وايقاعه شكلا أكيدا في الفراغ.


    لوكريس: ماذا تفعلُ هنا يا تيتير, مستروحاً تحت ظلّ شجرة الزان هذه, تُفني نظراتَك في ذهب الهواءِ المنسوجِ من أوراق.

    تيتير: إنّني أعيشُ, وانتظرْ, مِزماري متأهّبٌ بين أصابعي, وأنا أتشبّه بهذه الساعة الرائعة, إني أريد أن أكون آلةً لنعمة الأشياء الشاملة , أَدعُ للأرض ثقل جسمي كله, وتحيا عيناي, هناك, عالياً, في كُتلةِ النورِ الخافقة, أُنظر كم تبدو الشجرةُ من فوقِنا مستمتعةً بالوهَجِ البديعِ الذي تَقيني إيّاه, إنّ كيانَها المتولِّه, ولابدّ أنّهُ من جوهر أُنثوي, يسألني أنْ أنشُد له اسْمَه, وأنْ أهَبَ النسيم الذي يجوسه(1) ويعذبه برفق, شكلا موسيقيا, أني انتظِر نفسي, وللانتظار فضل جمٌ يا لوكريس, سوف أُحسُّ بإقبال الفعل الخالص على شفتيّ, وكل الذي لازلت أجهله عن نفسي المتيّمة بشجرة الزان, لن يلبث حتى يَخْتلِجْ (2), أي لوكريس, أو ليست هذه معجزة! أن يستطيع راعٍ, رجلٌ قد نسي قطيعا, أن يسكُبَ في السماوات الشكل الشارد, وما يشبه المثال العاري للشجرة واللحظة.

    لوكريس: ما من معجزة يا تيتير, وما من أعجوبة إلا استطاع الفكر, إذا شاءَ, أن يحصرها في لغزها الخاص البديهي, إني أدرك شجرتك, وأمتلكها بطريقتي.

    تيتير: أنما أنت تعتقد أنك تفهم الأشياء, فإنك تحلم بشجرة الزان هذه حلما يخيل لك أنك تعلم من أمرها مما تستطيع هي أن تعلم, لو أوتيت فكرا يزين لها أن تحسب أنها تدرك نفسها, أما أنا, فلا أريد أن أعرف سوى لحظاتي الهانئة, نفسي اليوم تستحيل شجرة, وأمس أحسستها نبعا, وغدا, غدا ,, أتراني أصعد مع دخان مذبح؟ أم أتوخى السموّ فوق السهول بشعور القدرة الذي يجده العقاب على أجنحته البطيئة.

    لوكريس: إنك لست إذن سوى تحولات يا تيتير.


    تيتير: لك أنت أن تقول ذلك, إني أدع لك التعمق, ولكن, مادامت هذه الكتلة من الظل تجتذبك كأنها جزيرة من برد وسط نار هذا النهار, توقف واقتطف اللحظة, لنتشاطر هذا الخير, ولنتبادل فيما بيننا علمك بهذه الشجرة , نظير ماهي تلهمني من الحب والثناء. أيتها الشجرة الرحيبة, إني أحبك , إني مفتون بأغصانك, ما من زهرة, ما من كائن أيها الكائن المتعدد الأذرع, أشد منك تأثيرا في نفسي, وأقوى على بعث الوجد في قلبي, إنك لتعلمين يا شجرتي إني منذ الفجر آتي لأقبلك, فألثم بشفتي لحائك المر الأملس, وأشعر بأني ولد أرضنا الواحدة, وعلى أدنى أغصانك أعلّق حزامي وكيسي, وإذ بطائر كبير من ظلالك الوارفة ينطلق في جلبة, ويتولى من بين أوراقك مرتاعا وهو يروعني , ولكن السنجاب, غير وجل يهبط ويسرع نحوي, لقد أقبل يتعرفني. وفي رقة يولد الفجر, ويفصح كل شيء عن نفسه, كل شيء يذكر اسمه, لأن نار النهار الجديد توقظه بدوره, والريح الوليدة تتجاوب في ذوائبك العالية, تضع فيها نبعا, فأنصت إلى الهواء الدافق . ولكنني, إياك أسمع, يا أيتها اللغة المبهمة, اللغة التي تهزك, إني أريد أن أذيب كل أصواتك, مائة ألف ورقة متحركة تنشئ ما يهمس به الحالم لسادة الاحلام. آه, لبيك يا شجرتي, لبيك, إني أحدثك وأسرّ إليك بأفكاري الخافية, كل شيء عن حقيقتي, كل شيء عن أمنياتي الريفية, إنما أنت تعرفين كل شيء عني, ألوان العذاب الفطرية التي تعانيها أبسط حياة, وأقربها إليك, أنا استطلع من حولي, هل نحن حقا وحيدين؟ ثم أبثك ما أنا عليه, تارة أعترف بأني أكره "جاليتيه"(3), وتارة أخرى, تدفعني الذكرى إلى الهذيان, وأظنك كيانها, وأصبح انطلاقا, يريد بجنون أن يختلق, وأن يوافي وأن ينال وأن يقدم شيئا غير الحلم, شيئا حيا, ولكنني في أحيان اخرى, أجعل منك إلها ,وصنما, يا شجرة الزان, أصلي لك, ولم لا! فما أكثر الآلهة في أريافنا , ومنهم الدنيء والخسيس, وأما أنت, حين تطمئن الريح, ويغمر جلال الشمس بالسكون والسطوع كل شيء في البسيطة, فأنك تحملين على أغصانك المتقاطرة, وعلى أوراقك التي لا تحصى, ثقل ما يضطرم به سرّ الظهيرة, والزمن, وقد رقد فيك رقودا لا يستمر إلا بالأزيز(4) المثير المنبعث من شعب الحشرات, عندئذ, تتجلين لي كأنك هيكل, وما بي من شجن أو فرح إلا أهديته بساطتك السامية .

    لوكريس : يا للبراعة ! إنك تختلج اختلاجا رائعا , إني أصغي إليك وأعجب لك.
     التوقيع 
    Si vous croyez a vos sentiments

    Ecoutez par votre coeur sincere

    http://m.youtube.com/index?desktop_u...?v=6_5D4y6x-oo

  2. #2
    تاريخ الانضمام
    27/12/2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    386

    افتراضي

    تيتير : كلا , هيهات أن تفعل, إنما أنت تبتسم ساخرا من شجرتي, وتفكر في شجرتك, وليس مزماري في نظرك إلا لعبة للنسيم, عندما يقتبس النسيم من شفتي إنسان, فهو يموّه(5)اللحظة الحاضرة, ويلهي السمع, وما المزمار للنفس القوية العميقة! إنه لا يغدو أن يكون أريجا هفهافا. إن صوتي لا يتبع إلا طيفا من الفكر, ولكن بالنسبة لك يا لوكريس العظيم , ولظمأك المتغلغل, ما قيمة الكلمة منذ أن تصدح؟ إنها بذلك تفقد القدرة على تعقب الحقيقة , أجل أجل, إني أعرف قدر ما تعلمني الشجرة, فهي تقول لي ما تريد أن استشعره, إني أحول ما أحبه إلى لذّّات ثانية, وأدع للهواء ما يأتي من السماوات, لا أكثر ولا أقل , وحسبي , فإني لا آمل أن تستنفذ متعتي شيئا آخر سواي, بسيطٍ كما أنا, وأما أنت, وقد تراكمت على جبهتك الظلال التي تُشكِّلُها بأمل برق يقرع الآلهة, فإنك تجعل من نفسك محض فكر, وتلتمس عيناك المغمضتان عن النور في نفسك كيان ما هو كائن, إن ما يظهر في وضح النهار ليس شيئا في حساب عقلك, وما تتمتمه للريح الخفيف شجرتنا, رقيق الحفيف من هامتها إذا مست, وتردد أغصانها جميعا ترددا عريضا, وكل شعبها المجنح وهو يغرد بلا هم, ما شأن هذا عندك؟ إنما أنت تريد طبيعة الاشياء.

    لوكريس : و ما هذه الشجرة الكبيرة بالنسبة إليك إلا خيالك, إنك تعتقد أنك تحبها يا تيتير, ولا تفعل سوى أن تتوسم فيها نزوتك الساحرة, التي تكسوها أنت أوراقا, إنك لا تحب إلا ترنيمتك, وإنك لتعجبني هكذا, أنت من شجرة الزان المهيبة, تأخذ ما يكفي للغناء, تموجات شكلها وأطيارها الصائتة, وقلبك الذي يرحب بها في ظل النهار القائض, و تؤثرك ربّات الشعر بحظوتها, فإذا أنت تتغنى على قصبتك الرهيفة بمفاتن العملاق.

    تيتير : حسنا, فأنشد ما عندك, وأملي على الطبيعة, على الأرض, على الثيران, على الصخر, على البحر صوغ شرائع للموج, فكّر بدل الكون, هذا الوحش المحروم من رأسه، الذي يلتمس لنفسه في الإنسان حلما بالعقل, ولكن, لا تزدري البسيط الذي يصغي إليك, افتح ما انطوت عليه غياهب الحقيقة من كنوز, ما الذي تعرفه عن شجرة الزان هذه أكثر مما نعرفه نحن؟

    لوكريس : أمعن النظر أولا إلى هذه القوى الخام, إلى الخشب الشديد الذي اتخذت منه هذه الأغصان المنتصبة, فقد صنعت الحياة هذه المادة الممتلئة , صنعت ما يحمل بوطأة الريح النافحة(6), ويثبت لهطول الشآبيب(7), إن ماء الأرض المكتنزة الرؤوم, وقد مُتح(8) من مدى عميق خلال سنين, ينتج في النور هذه المادة الجامدة.

    تيتير: الجامدة كالحجر , والتي تنحت مثله.

    لوكريس :التي تنتهي بالأغصان, وتنتهي الأغصان بالأوراق, وأخيرا هذه الثمار تفر من كل ناحية, فتنشر الحياة.

    تيتير : أرى ماذا تعني.

    لوكريس: فأبصر إذن في هذا الكائن العظيم, شيئا أشبه بنهر.

    تيتير : نهر!

    لوكريس : نهر دافق, تغوص ينابيعه, وتجد في كتلة الأرض المظلمة مسالك ظمأها الخفي, إنه حية الماء يا تيتير, تصارع الصخرة, وتنمو وتنقسم لكي تحتضنها وتزداد دقة على دقة, يستميلها الندى, فتتهدل(9) لكي تشرب أدنى مسارب الماء التي تبلل الليل المطبق, حيث يذوب كل شيء حي, ليس بين دواب البحر البشعة ما هو أشد نهما وتعددا من خصلة الجذور هذه, وهي واثقة وثوق الأعمى من التقدم نحو بطن الأرض وافرازاتها , ولكن هذا التقدم يسعى غلاّبا(10), ببطء, يضفي عليه صرامة الزمان, إن عمل الشجرة ينشب في دولة الأموات والقوارض والديدان, قوى إرادة دفينة غريبة.

    تيتر: يا للأعاجيب التي تقصها يا لوكريس , أو أقول لك ما الذي يدور بخلَدي وأنا أصغي اليك ؟ إن شجرتك المخاتلة(11) التي في الظلام تتسلل بمادتها الحية في ألف خيط, وتمتح رحيق الأرض النائمة, تذكرني ب...
    لوكريس: قل.
    تيتير: تذكرني بالحب.
    لوكريس: ولم لا ؟ في فهمك نحو نفس الراعي منك, ينفذ ما أقوله ويجد صداه , لقد بلغ قولي إذن يا تيتير هذه النقطة, هذه العقدة الغائرة في الكائن, التي فيها تكمن الوحدة, ومنها ينتشر في نفوسنا, فيضيء الكون بفكرته الواحدة كنز تشابهاته المكنون بأكمله.
    تيتير: لست أدري , كلامك غامض عندي يا لوكريس ,
    لوكريس: إني أفهم نفسي, وهذا يكفي, فتكلم كما يروق لك, وتكلم عن الحب إذا شئت, بل غنّي لي بالأحرى هذا التحول, كيف تلقي في خاطرك نبتة نامية فكرة الحب؟ هذه الحاجة إلى اللذة؟
    تيتير: اللذة ! ليس معدن الحب بمثل هذه البساطة.
    لوكريس : وماذا تريده أن يكون خيرا من غريزة عامة، ما هو إلا,,, حمة(12) صاغها القدر.
    تيتير: حمة تلدغ! وتقول إن نفسي نفس راعي غنم,,,! حمة تلدغ! إنك لا تجعل منه سوى سهم راعي البقر, إن الحب الذي تتصوره, ليس سوى حب التيوس ودواب الغابات, هذه البهائم تنتابها نوبات, إذ تنتشي(13) ببذارها, فتلتمس في بشاعة أثناء موسمها الحار أن تخلص أجسادها من هذا السم الحي, إنها تعشق بلا حب حسب ما تجمعها المصادفات, اني لأعلم ذلك حق العلم , أنا الراعي الذي يتدخل في الأمر أحيانا, ويؤلف كما يشاء بين ذكر وانثى , حين يود أن يحصل على جداء منتقاة.
     التوقيع 
    Si vous croyez a vos sentiments

    Ecoutez par votre coeur sincere

    http://m.youtube.com/index?desktop_u...?v=6_5D4y6x-oo

  3. #3
    تاريخ الانضمام
    27/12/2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    386

    افتراضي

    لوكريس : وهذا هو القدر يخترقه تيتير, إنك تدس يديك في الظلام الذي يتلمس فيه المصير طريقه, إنك تغش.

    تيتير: أليس ذلك شأن البشر ؟ وكل ما لديهم من فكر, إنما يناوئ(14) الطبيعة, ويعرقل حياتهم ويريد أن يخدع الموت.

    لوكريس: احذر من أن تظل تحت عروشي المجردة, دع لي حكم القول وحجج العقل, إني في انتظار الشجرة, والحب, الذي عنّ(15) لك أن تضيفه, أنشدني إن شئت, أشياء من قريحتك, لإن كانت أذني تقبل على أغانيك, فإني أخشى أن لا أتذوق من فلسفتك شيئا.

    تيتير: فاسمع إذن إليك ما يواتيني :
    الحب, لا شيء إن لم ينمو إلى أقصاه
    فالنمو شريعته, إنه يموت من البقاء كما هو
    ويموت في نفس ليس يموت فيها حب
    وإذ يحيا بعطش دائم لاري له
    شجرة في النفس, جذورها من جسد
    فإنه يحيا بكل شيء, بالحلو والمر
    ,وما يقسو عليه خير لحياته مما يدين
    يا شجرة الحب الكبيرة
    يامن لا تكفين عن أن تنشري في ضعفي
    عنفوانا عجيبا
    إن ألف لحظة يدخرها القلب لنفسه
    هي أوراق لك , وأسهم من نور
    ولكن, بينما تتفتح فرحتك, تحت شمس السعادة, في ذهب النهار,
    يتغلغل عطشك ذاته, فيغترف في الظلام
    من ينبوع الدموع

    لوكريس: ليس هذا شعرا, هذا ضرب من الألغاز.

    تيتير: كنت أرتجل, ما هذا إلا مرحلة أولى من قصيدتي المقبلة, إن الذي قلته أنت منذ وهلة عن هذه الشجرة, قد خيل إلي الحب, فالشجرة والحب معا, قد يلتئمان في خواطرنا فكرة واحدة, كلاهما شيء يولد من ,,,جرثومة, لا يفطن إليها الإدراك, ثم يكبر ويشتد وينبسط ويتفرع, و لكنه بقدر ما يرتفع نحو السماء, أو نحو السعادة, عليه بنفس القدر, أن يغوص في المادة المظلمة التي هي جبلّتنا(16) دون أن ندري.

    لوكريس: في أرضنا!
    تيتير: نعم , وهناك, في صميم قلب الغياهب(17), التي يذوب فيها ويختلط ما هو من نوعنا, وما هو من مادتنا الحية, وما هو من ذكرياتنا, وما هو من قوانا وضعفاتنا(18) الخفية, وأخيرا ما هو من شعورنا المشوش بأننا لم نوجد على الدوام, وبأن علينا أن ننقطع عن الوجود, هناك ما سميته "ينبوع الدموع", وهو ما لا يعبر عنه, لأن دموعنا فيما أرى, هي التعبير عن عجزنا عن التعبير, أي عن أن نتخلص بالقول من وطأة مانحن إياه.
    لوكريس: إنك توغل إلى أبعد مما يذهب رعاة الغنم, فهل تراك تبكي دائما؟
    تيتير: أستطيع دائما أن أبكي, ولو أنني راعي غنم, لقد لاحظت أنه ما من فكرة نتعقبها, حتى أدنى مدى من النفس, إلا قادتنا إلى الضفاف الخاصة للألفاظ, هذه الضفاف الخرساء, التي لا يواصل الحياة عليها سوى الرحمة, والحنان, ولون الحسرة, الذي يوحي به إلينا هذا الخليط من الأبد, والعرض الزائل, ألا وهو مصيرنا.
    لوكريس: أذاك إذن ما تتأمله عندما تقضي ليالي الصيف ساهرا على قطيعك الذي ينام, بينما تبدو ماشية عديدة من الكواكب, يهشها من هنا وهناك فوق الأفق, البرق الصامت, أو يخترقها طيران الشهب المباغت, وكأنها تسوم الزمن, وكما يقضم(19) القطيع طريقه خطوة خطوة, تقضم المستقبل بلا هوادة؟
    تيتير: وماذا أفعل؟ في تلك الساعة من الليل, يلوح على الشجرة أنها تفكر, إنها كائن من الظل, تتركه الطيور الناعسة وحده حيا, إنه يختلج في نفسه وكأنه يخاطب نفسه, ويسكنه الخوف كما يسكننا عندما نبيت وحدنا, في الليل, مع أنفسنا, ونحن رهن حقيقتنا.
    لوكريس: حقا, ليس علينا أن نخشى سوى أنفسنا, فالأرباب, الأقدار, لا تستطيع أن تنالنا إلا بخيانة أنسجتنا الحساسة, إنها على النفس السفلى تسيطر غدرا, وليس سلطانها قط هو فعل الحكمة, وإنما تجد الاقدار في أجسام ضعيفة, بمثابة الحجة العليا, تعذيب الحكيم.
    تيتير: ولكن النار, أليست هي مآل الشجرة ؟ حينما يصبح كيانها كتلة من الألم الفظيع, إنها تلتوي, بيد أنها تستحيل نورا ورمادا نقيا, بدلا من أن تتعطن" تتعفن", و ينخرها الماء الآسن, وتقرضها الديدان.

    لوكريس: تيتير, بين البلايا تخير, إذا استطعت الاختيار, يستحسن أن لا تفكر فيها مطلقا, وأي شيء أقل من هذا التفكير جدوى؟ لأن من شأنها ,إذا كانت, أن تكون بذاتها كافية الوضوح, ولكنني لو كنت لك رفيق الليالي, وطوانا الظلام كلينا عند قدم الشجرة, واقتصر وجودنا على صوتينا, واقتصر وجودنا على كائن واحد, تسحقه على نحو واحد وطأة هاتيك الكواكب, لقلت لك, لأنشدت كما ينشدني, ما يقوله, وما يفرضه على نفسي , تأملي الباطني لمثال النبات.

    تيتير: و لأصغيت لك خاشعا في الليل, و لفقدت الشعور بجهلي, إني لن أفهم كل ما عساك أن تقول, ولكني سأحبه, وستعظم رغبتي في أن يكون هذا , هو الحقيقة , ويشتد بنفسي الطرب, حتى لا أستطيع أن أتصور سعادة أوثق, لحظات أقصى منأى(20) عن الفساد.
    لوكريس: إن الكائن الذي يسحره العجب, لجميل كالزهرة.
    تيتير: اعذرني, فأنا لم أستطع أن أمسك عن مقاطعتك, بينما كنت تتكلم عن مثال النبات هذا.
    لوكريس: ألا ترى أن كل نبات عمل؟ وألا تعلم أنه لا يوجد قط عمل بدون مثال؟
    تيتير: ولكنني لا أرى صانعا.
    لوكريس: الصانع ليس إلا شيئا ثانويا , يكاد أن يكون بلا فائدة.
    تيتير: إنك تبلبني(21), إنك تحسب أن تيتير لعبة! إنما أنا حيوان عاقل, وأعلم مثلك أن كل شيء يتطلب ما أنت تسميه,,, العلة , كل ما هو موجود قد صنع, كل شيء يفترض شخصا ,إنسانا أو إلها, علة, رغبة, قدرة الفعل.
    لوكريس: هل أنت متأكد أن شيئا لا يمكن أن يكون بذاته؟ بلا علة ولا سبب, ولا غاية تسبقه؟
    تيتير: يقينا.
    لوكريس: هل تحلم أحيانا؟
    تيتر: قبل كل فجر.
    لوكريس: كما يؤثر في جرانيت التمثال العظيم الفجر الطالع, فيدفعه إلى الرنين, هكذا يرتجل "ممنون تيتير" في نفسه وحده, ولنفسه وحده, حكايات عجيبة, ولكن, أحلامك يا تيتير, هل لها قيمة؟ هل تساوي عند الصحو عناء الحلم بها ؟
    تيتير: منها ما هو رائع الجمال , ومنها ما هو صادق الحقيقة ,منها البديع , ومنها المصبوغ بالشؤم, قد يبلغ من غرابتها أحيانا, ما يحملني على أن أظنها شكلت لنائم سواي, وكأنما هي في الليل, تخطئ الوقوع على غائب, والتصدي على نفس عزلاء, ومنها ما هو قاس, لأنه تمادى في اللذة, فرب سعادة تتمزق في اللحظة التي فيها تغمرني, وتخليني للنهار على شاطئ الحقيقة,, فلا يزال جسدي مختلجا بالحب, ولكن النفس تتمنع, وفي برود, تتأمل الخفق المحتضر في جسمها, وإذا شطرت الحية الزاحفة, تلوى شطراها.
    لوكريس: على هذا النحو, أنت لم تكن سوى متفرج مكره على تلقي مشهد. هلا قلت لي إذن, من عساه يكون مؤلف تلك الرواية؟
    تيتير: المؤلف ! لست أعرف مؤلفا, لا أجد أحدا.
    لوكريس: أنت؟
    تيتير: قطعا لست أنا ,لأن ألاعيب النوم هذه, لا يمكنها أن تتألف إلا وقد نُحّيت عن ترتيبها, وبغير ذلك, لا تستثار رهبة أو دهشة أو فتنة.
    لوكريس : إذن لا يوجد مؤلف, ها أنت ذا ترى يا تيتير أن عملا بلا مؤلف ليس إذن شيئا محالا, لم ينظم لك أي شاعر هذه الخيالات, وأنت نفسك لم تكن لتستخرج أبدا من نفسك هذه اللذّات , وهذه الهُوى(22) التي تتمثل في أحلامك , لا يوجد مؤلف ,,,هناك إذن أشياء تتشكل بنفسها بلا علة , وتصنع مصيرها, ولهذا , أنا أرد إلى الحاجات الصبيانية التي تخامر نفوس البشر ما أنشأت من منطق بارع يريد أن يجد في كل شيء فنانا وغايته, متميزين في وضوح عن العمل, إن الانسان , ساذجٌ أمام كل شيء يراه على الأرض والسماوات, من كوكب ودواب وفصول ومظاهر وقوانين, وشبهات تقدير سعيد أو اتساق, يساءل, من صنع هذا؟ من أراده؟ وهو يعتقد أن عليه أن يشبه كل شيء بهذه الأشياء القليلة, التي تخرج من أيدينا, بأوانينا أو أدواتنا أو دورنا أو أسلحتنا, بكل ما تنتجه حاجاتنا من هذه المركبات من مادة وفكر.
     التوقيع 
    Si vous croyez a vos sentiments

    Ecoutez par votre coeur sincere

    http://m.youtube.com/index?desktop_u...?v=6_5D4y6x-oo

  4. #4
    تاريخ الانضمام
    27/12/2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    386

    افتراضي

    تيتير: أو تظن أنت, أنك تدرك خيرا منا طبيعة الأشياء؟
    لوكريس : أنا أحاول أن أحاكي الوضع الذي لا يقبل الانقسام. أي تيتير, إني أعتقد أن في جوهرنا توجد على عمق قليل, نفس القدرة التي تنتج بالمثل كل حياة, وكل ما يولد في النفس هو الطبيعة ذاتها.
    تيتير: ماذا؟ أيكون كل ما يلم بنا جوهريا؟
    لوكريس: ليس كل ما يلم بنا, وإنما هذا الإلمام نفسه, إني لأقولها لك يا تيتير, بين كل ما يحيا, يوجد رباط مستتر, تشابه ينجب البغض كما ينجب الحب, إن الشبيه يداعب أو يلتهم شبيهه, سواء أكل الذئب الحمل أم افترش الذئبة , فهو لن يستطيع أن يصنع إلا ذئبا , أو أن يعيد صنع جزء من الذئب.
    تيتير: وأنت, هل لك أن تصنع شجرة؟ أو أن تعيد صنع جزء من الشجرة؟
    لوكريس : لقد قلت لك إني أحس في نفسي مولد ونمو قوة نبات, وأعرف أن أختلط في العطش إلى الوجود الساري في الجرثومة, التي تجهد وتسعى نحو عدد لا نهائي من الجراثيم الأخرى خلال حياة نبات بأكملها.
    تيتير: اسمح لي بأن أقاطعك, فقد خطر لي سؤال.
    لوكريس: إن الذي أوشكت أن أقوله لك, وربما أنشدتك إياه, كان خليقا في فيما أظن بأن ينضب معين الكلام الذي انبثق فجأة من قاع نفسك, ولكن تكلم, فلو إني سألتك أن تنتظر, لرحت تنصت داخليا إلى نفسك في تلذذ بدلا من أن تصغي لي.
    تيتير: نعم, ألا ترى , وأنت هذا الحكيم, أن معرفتنا بأي شيء من الأشياء معرفة ناقصة, إذا اقتصرت على المفهوم الدقيق لهذا الشيء, وحُدّتْ بالحقيقة, وإذا تمكنت من تغيير المنظر الأصيل إلى فكرة واضحة, وإلى نتيجة خالصة للفحص والتجارب, والتقيد بجميع الشكليات التي تقصي الخطأ والتوهم, واستمسكت بذلك الكمال؟
    لوكريس: وماذا تتطلب أكثر مما هو كائن؟ والحقيقة, أليست هي الحدُّ الطبيعي للذكاء؟
    تيتير: أنا أعتقد شخصيا أن الواقع, وهو أثرى من الحقيقة ثراء لا حصر له, يتضمن عن كل موضوع وفي كل مادة, كمية الأخطاء والأساطير والحكايات والمعتقدات الصبيانية التي تنتجها بالضرورة, نفوس الناس.
    لوكريس : أما تريد إذن أن يحرق الحكماء هذا العشب الخبيث, فيصَّعد عطرا يصعد ل"منيرفا"(23), ربة الحكمة.
    تيتير: إنك إذا أعدت غرسه, وأنبته بعيدا على حدة, لم يصبح عشبا خبيثا, ويمكن أن نجد له استخداما ما, ولكن إليك كلامي, أنا البسيط الجاهل, منذ أن يملك المرء ناصية الحقيقة, وهو لا يخشى بعد ذلك أن يضل في أباطيل النزق, على الحكمة أن تعود أدراجها, وأن تسترجع, وأن تتلقى بوصفها أشياء إنسانية, كل ما خلق وصيغ وكان حلما أو اعتقادا, كل هذه المنتجات العجيبة ,التي تجود بها أنفسنا, هذه الحكايات السحرية والمروعة, التي تلدها فطرتنا.
    لوكريس: من المؤكد, ومن الغريب في الواقع, أن الحقيقة لا يمكن أن نعرفها إلا بوساطة كثير من التخلف, ولا يوجد أبعد من هذا عن الطبيعة.
    تيتير: لقد لاحظت بأنه ما من شيء في الدنيا إلا زين بالأحلام, واتخذ دلالة, وفسر بمعجزة ما, لاسيما والحرص على معرفة الأصول والظروف الأولى, أوقعوا في البديهة, ولذا بلا شك, نطق بهذه الحكمة فيلسوف لم أعد أذكر اسمه, قال : " في البدء كانت الأقاصيص".
    لوكريس: ألست أنا الذي قلتها؟ إنني لكثرة ما ألقيت من الأقوال, أصبحت هذه القولة من كلامي, بقدر ماهي من غير كلامي.
    تيتير: ما أثراك, ولكني أعود لحديثي, ومنه إلى شجرتنا, هل تعرف القصة العجيبة للشجرة اللانهائية؟
    لوكريس: لا.
    تيتير: وعن شجرة الأرز المشحونة بالحب؟ ألا تعرف شيئا؟ في جزيرة كزيفوس؟
    لوكريس: أجهل كل شيء عن الأرْز, ولا أعرف شيئا عن الجزيرة.
    تيتير: وأعجب قصة؟
    لوكريس: وأجهل أيضا أعجب قصة.
    تيتير: إن أعجب قصص الشجر, هي قصة أشجار التفاح العملاقة , تلك التي كان ثمر إحداها, يحبو من يقضم ثمرها السحري, حياة أبدية , بينما كان ثمر الأخرى ينتج بمجرد تذوقه , نورا غريبا في نفس الآكل, فيحس بشعور من الخجل يجتاحه فيما يتعلق بأمور الحب, لقد كانت حمرة مباغتة تصبغ كيانه كله, وكان يحس بعريه إحساسه بالجريمة والحرق.
    لوكريس: يا للتآليف الغريبة التي تمرح في ذاكرتك يا تيتير!
    تيتير: إني أحب ما يبعث في العجب, ولا أستبقي إلا ما من شأنه أن لا يثير في ذهن حكيم غير النسيان.
    لوكريس: وما تلك الشجرة اللانهائية؟
    تيتر: لقد وجدت في الأزمنة الاولى , أيام كانت الأرض عذراء, ولم يحن بعد للإنسان أن يولد, وجميع الحيوان, كان النبات هو السيد, وكان يكسو وجه الأرض كله, وكان في استطاعته أن يظل شكل الحياة الأوحد , السائد, وهو يتحف عيون الآلهة بأبهة منوعة من ألوان الفصول , لقد كان ثابتا بطبيعة كل فرد من أفراده, فراح يتنقل بوصفه أنواعا, يكتسب الاتساع من مكان إلى مكان, إنه بعدد جراثيمه التي مضى يبذرها بجنون على الرياح, سرى وامتد, كما يفعل الحريق الذي يلتهم كل ما يستطيع التهامه, وهذا هو ما من شأنها أن تأتيه دوما لولا الانسان وأعماله, الأعشاب والشجيرات, ولكن الذي نراه, لا يحسب شيئا إلى جوار تلك القوة الفاتحة , بوثبات من البذار المجنحة , في ذلك العهد البطولي من فتوة العنصر النباتي, ألا فاسمع هذا يا لوكريس , لقد حدث أن إحدى تلك الجراثيم, سواء بسبب جودة الأرض التي سقطت فيها , أو بفضل الشمس عليها, أو لأي ظرف آخر , نمت كما لم ينمو سواها , ومن عشب أصبحت شجرة , وهذه الشجرة , يا للعجب , كأنما نشأ فيها نوع من الفكر , والإرادة , ولقد كانت أعظم وأجمل كائن تحت السماء عندما راودها الاحساس فيما يبدو, بأن حياتها, حياة الشجرة , متوقفة على نموها , وبأنها لا تعيش ما لم تكبر , فانتابها نوع من جنون الاستفحال والاستشجار.
    لوكريس: وبهذا كانت هذه الشجرة نوعا من النفس, فإن أرقى ما في النفس لا يحيا إلا بالنمو.
    تيتير: كرياضي منفرج الساقين , يجاهد(24) الأعمدة التي وقف بينها, ويدفعها بعزم مماثل من ذراعيه المفتولتين بالإرادة, أصبحت هذه الشجرة مركز أقدر دفْع, وصورة أشدّ قوة أنتجتها الحياة, قوة ضخمة , ولكنها غير محسوسة في كل لحظة, تستطيع أن ترفع شيئا فشيئا صخرة في حجم التل, أو أن تقلب جدار حصن, ويقال إنها في ختام ألف قرن , كانت تكسو بظلها جميع أرجاء آسيا الشاسعة.
    لوكريس: يا لسلطان الفاني الذي نشره هذا الظل!
    تيتير: نعم, كانت الشجرة المهيمنة تصنع الليل من تحتها, ما كانت شعاعةٌ واحدة من الشمس تخترق أوراقها التي تَضلُّ خلالها الرياح, وكانت جبهتها تذب العواصف المعادية, كما تذب الثيران الضخمة الهوام الضئيل, وانعدمت الأنهار من شدة ما راحت الشجرة تمتاح الرحيق من السماء والأرض مباشرة, وإذ نصبت في اللازورد(25) الجاف عزلتها الرفيعة, كانت الشجرة الإله.
    لوكريس: إنها مغامرة عجيبة يا تيتير.
    تيتير: عفوك, لقد قاطعت في براءة بهذه القصة كلاما أعمق وأحكم, هممت أنت أن تلقيه علي فيما نحن بصدده.
    لوكريس: لعل خير ما أستطيع أن أقوله , هو أسطورة, لقد أردت أن أحدثك عن الشعور الذي يخامرني أحيانا, بأنني نبات , نبات يفكر, ولكنه لا يميز شتى قدراته, لا يميز هيئته من قواه, وقامته من مكانه, إن القوى والأشكال والارتفاع والحجم والاستمرار, ليست إلا نهر وجود واحد, مدا ينتهي سائله إلى مادة جامدة , صلبة جدا , بينما تعلو إرادة النمو المغمورة , وتتفكر, وتريد أن تصبح مرة أخرى, إرادة, طيّ نوع البذور الخفيفة التي لا تحصى, وإذا بي أشعر , أنني أعيش تجربة نموذج النبات الرائعة, وهو يجتاح الفضاء, ويرتجل حلم التفرع, ويضرب في قلب الطين منتشيا بأملاح الارض , بينما في الهواء الطلق, يفتح تدريجيا لهبات السماء آلافا خضراء من الشفاه, وكلما أمعن في الغور, أمعن في الارتفاع, إنه يغلل(26) غير ذي الصورة, ويهاجم الفراغ, إنه يناضل كي يحول كل الأشياء إلى نفسه, وذلك هو مثله, أي تيتير, يبدوا لي أنني أشترك بكل كياني في هذا التأمل القادر الفعال, الحثيث السعي نحو غرضه, هذا التأمل الذي يدفعني إليه النبات.
    تيتير: أتقول أن النبات يتأمل؟
    لوكريس: أقول إن كان في الدنيا أحد يتأمل , فهو النبات.
     التوقيع 
    Si vous croyez a vos sentiments

    Ecoutez par votre coeur sincere

    http://m.youtube.com/index?desktop_u...?v=6_5D4y6x-oo

  5. #5
    تاريخ الانضمام
    27/12/2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    386

    افتراضي

    تيتير: يتأمل؟ ربما ند(27)ّ ني معنى هذه الكلمة.
    لوكريس: لا تقلق لهذا بتاتا, إن نقص كلمة واحدة يبعث في الجملة مزيدا من الحياة, فهي تنفتح رحيبة, وتدعو الفكر أن يزداد فكرا لكي يسد الثغرة.
    تيتير: أنا لست ضليعا إلى هذا الحد, لست أستطيع أن أعرف نباتا يتأمل.
    لوكريس: أيها الراعي, إن الذي تراه من شجيرة أو شجرة, ما هو الظاهر أو اللحظة كما يعرضان للعين غير المبالية, التي لا تفعل سوى أن تسرح على سطح الدنيا, ولكن النبات , يقدم لعيون الذهن لا مجرد موضوع حياة متواضعة وسلبية, بل أمنية عجيبة , أمنية لحمة جامعة.
    تيتير: أنا لست سوى راع يا لوكريس, فرفقا بي.
    لوكريس: التأمل, أو ليس هو تعمق النفس في نظام؟ أنظر إلى الشجرة العمياء ذات الأغصان المتباينة , كيف تنمو حول نفسها طبقا لهندسة التناظر؟ إن الحياة فيها تحسب, تستجيب لدعاء بناء معين ,وتفرق رقمها أغصانا تتفرع إلى أغصان أدق, وعلى كل غصن دقيق ورقته, في نفس المواضع المحددة للوليد المقبل.
    تيتير: وأسفي, كيف أتابعك؟
    لوكريس: لا تخف , بل أنصت, عندما يلم بنفسك طيف أغنية, وتعتلج بشهوة الخلق ,ألا تشعر بصوتك يسمو نحو الصوت الخالص؟ ألا تشعر بحياته وبأمنيتك تنصهران نحو الصوت المنشود الذي تحملك موجته؟ آه يا تيتير, إن النبات غناء يبسط إيقاعه شكلا أكيدا, ويعرض سرا من أسرار الزمان , إنه كل يوم ينصب إلى مدى أعلى عبء عروقه الملتوية, ويسلم أوراقه للشمس ألفا ألفا, وكل منها , تهذي في موضعها خلال الهواء, حسب ما يواتيها من نسيم, وما تظن في نفحه من إلهام فريد وإلهي.
    تيتير: ولكن , ها أنت ذا تصبح شجرة من الكلام.
    لوكريس: نعم, إن التأمل المتشعب ينشيني, وأشعر بكل الألفاظ في نفسي تختلج.
    تيتير: إني أتركك في هذه الحالة الرائعة , يجب على الآن أن أجمع قطيعي, احترس من برد السماء الذي سرعان ما يأتي.

    - تمت-

    1- يجوس: تردد به وطاف وتردد بينه
    2- يختلج: تحرك واضطرب
    3- جاليتيه Galatee, أسطورة من الاساطير اليونانية تتعلق بحورية بحرية, يضرب الشعراء بها المثل على الحب بلا مقابل مما يؤدي الى الجنون المدمر
    4- الازيز: أزيز الحشرات : طنينها
    5- موّه : أفسده بمظاهر خادعة
    6- نافحة: نفحة وهي نسَمٌ سريع يهُبُّ على فترات متقطّعة وبه رائحة طيب.
    7- شآبيب: جمع شؤبوب وهي دفعة من المطر.
    8- متح : امتص.
    9- تتهدل: تسترخي.
    10- غلاّبا: مجبورا.
    11- المخاتلة: المراوغة.
    12- حمة: سمّ كل شيء يلدغ أو يلسع.
    13- تنتشي: تفرح.
    14- يناوئ: يعادي ,يضاد.
    15- عنّ: عجز عن.
    16- جبلّة: طبيعة.
    17- غياهب: جمع غيهب وهو الظلام الشديد.
    18- ضعفات: هنا ربما لم يوفق المترجم في ترجمة كلمة faiblesses , وهي جمع الضعف أو الهوان, فهي تكون جمعا سالما أي ضعيفو أو ضعيفي, ولكن ولخصوصية اللغة الفرنسية ارتأى المترجم أن ينحت كلمة "ضعفات" لتناسبها مع سياق النص .
    19- يقضم : يكسر بأسنانه جزءا.
    20- منأى: مأوى ,ملجأ.
    21- تبلبل: يجعله مضطربا.
    22- هُوى: جمع هاوية.
    23- منيرفا : او أثينا في تسمية أخرى , وهي الهة الحرب احيانا والهة الحكمة , واختلف في قصتها الى عديد من القصص , واغلبها يكون انها بانة لاحد الالهة اليونانيين او انها متبناة من احدهم , وانها تربت ايضا مع الحوريات في قصة اخرى.
    24- يجاهد: يصارع, يقاوم.
    25- اللازورد: هو معدن سماوي الزرقة يستخدم كحجر كريم للزينة
    26- يغلل: يقيد, يصفّد.
    27- ندّ: هام وشرد
     التوقيع 
    Si vous croyez a vos sentiments

    Ecoutez par votre coeur sincere

    http://m.youtube.com/index?desktop_u...?v=6_5D4y6x-oo

  6. #6
    تاريخ الانضمام
    06/12/2009
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    7,671

    افتراضي

    محاورة جميلة جداً جداً بالفعل فالقصيدة هي استعراض لمذهبين شعريين, مذهب ينتصر للفظ وآخر ينتصر للمعنى.
    نقل موفق جدا فولتير ، بحثت عن المحادثة صوتياً ووجدتها هنا https://archive.org/details/P2-dra-Dialogue_de_lArbre

    محاورة محيرة بصراحة وتبدوا واضحة ملامح الكلاسكية التي توزان بين العاطفة والعقل في الحوار ولكن لدي سؤال

    بخصوص المذهب الذي ينتصر للفظ والذي مثله "تيتير" هل هو المذهب الرمزي؟؟؟
    والمذهب الذي ينتصر للمعنى والذي مثله "لوكريس" هل هو المذهب الكلاسكي؟؟

    كيف جمع بول فاليري بين المذهبين بصراحة شيء محير .
     التوقيع 
    " إذا كنت ترغب في التحدث معي عرف ما تقول وحدد قولك " فولتير

  7. #7
    تاريخ الانضمام
    23/06/2007
    الجنس
    أنثى
    المشاركات
    18,278

    افتراضي



    عمل جمييييييييييييييييييييييييييييييييل جدا يا فولتير

    يسعدني أن أتلذذ بقرائته.

    شكرا .
     التوقيع 

    لاتبق في حقل منبسط
    لاتصعد عاليا كذلك
    اجمل رؤيه للعالم
    تكون من علو متوسط

    .................نيتشة .

    http://www.youtube.com/watch?v=Bq-lhKZ-71o

  8. #8
    تاريخ الانضمام
    27/12/2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    386

    افتراضي

    اقتباس أرسل أصلا بواسطة ReX مشاهدة المشاركات
    محاورة جميلة جداً جداً بالفعل فالقصيدة هي استعراض لمذهبين شعريين, مذهب ينتصر للفظ وآخر ينتصر للمعنى.
    نقل موفق جدا فولتير ، بحثت عن المحادثة صوتياً ووجدتها هنا https://archive.org/details/P2-dra-Dialogue_de_lArbre

    محاورة محيرة بصراحة وتبدوا واضحة ملامح الكلاسكية التي توزان بين العاطفة والعقل في الحوار ولكن لدي سؤال

    بخصوص المذهب الذي ينتصر للفظ والذي مثله "تيتير" هل هو المذهب الرمزي؟؟؟
    والمذهب الذي ينتصر للمعنى والذي مثله "لوكريس" هل هو المذهب الكلاسكي؟؟

    كيف جمع بول فاليري بين المذهبين بصراحة شيء محير .
    شكرا ريكس

    أحببت فقط ان اشارك الجميع رائعة خالدة من الشعر الجميل


    بالضبط ، من انصار اللفظ هم الرمزيون والكلاسيكيون هم انصار المعنى

    وفي الحقيقة فاليري اراد ان يقلب الطاولة ع انصار اللفظ الذين اتوا بعد انصار المعنى

    فانصار اللفظ باتوا يؤمنون فقط ان اامعنى تصيغه الكلمات دون حاجة للواقع، وذلك عبر خلط الكلمات والحواس ونحت معان جديدة خلالها

    اما لوكريس فهو يحاول ان يؤكد ان الواقع لاغنى عنه، وبانه يخلق المعنى من نفسه بتامل نفسه، وذلك عندما يتحدث عن الشجرة وامتداد جذورها في تلمس شكلها الاكيد وبان لايحتاج الى علة في تأمله

    معظم الشعراء والاكاديميين حاولوا لغز هذه القصيدة وتفكيك معانيها، وعرضوا ع فاليري شروحهم متمنين ان يحدد الشرح الصائب ضمنها

    لكنه رفض الاجابة جاعلا من القصيدة مفتوحة للقراء
     التوقيع 
    Si vous croyez a vos sentiments

    Ecoutez par votre coeur sincere

    http://m.youtube.com/index?desktop_u...?v=6_5D4y6x-oo

  9. #9
    تاريخ الانضمام
    27/12/2010
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    386

    افتراضي

    اقتباس أرسل أصلا بواسطة سرب مشاهدة المشاركات


    عمل جمييييييييييييييييييييييييييييييييل جدا يا فولتير

    يسعدني أن أتلذذ بقرائته.

    شكرا .
    سرب ياسرب

    شعرت لبرهة انك احد المتحاورين في القصيدة
    ذلك النوع الذي دائما مايضيف الى الجمال جمالا اعظم بمشاركته
     التوقيع 
    Si vous croyez a vos sentiments

    Ecoutez par votre coeur sincere

    http://m.youtube.com/index?desktop_u...?v=6_5D4y6x-oo

  10. #10
    تاريخ الانضمام
    20/09/2012
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    1,126

    افتراضي

    في حد يتخيل بمحاورة الشجر مثلي
    لي محاولة في تخيل محاورة الشجرة ألفتها بتاريخ: 7/5/2013

    http://avb.s-oman.net/showthread.php?t=1895585
     التوقيع 
    ربي ثبتني على الدين الذي ارتضيته لي: الإسلام

    ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين

  11. #11
    تاريخ الانضمام
    12/11/2008
    الجنس
    ذكر
    المشاركات
    2,700

    افتراضي

    رائع جدا بول فاليري .. محاورة ببن مدرستين بطريقة رهيية

    أعجبني لوكريس أكثر في الحوار ربما ﻷني أميل لنهجه..

    شكرا فولتير

مواضيع مشابهه

  1. خلع الازواج في دولة مجاورة
    بواسطة محب الأسلام في القسم: السبلة الاجتماعية
    الردود: 188
    آخر مشاركة: 09/06/2013, 07:58 AM
  2. خلع الازواج في دولة مجاورة
    بواسطة محب الأسلام في القسم: السبلة العامة
    الردود: 6
    آخر مشاركة: 02/06/2013, 04:32 PM
  3. الردود: 19
    آخر مشاركة: 14/08/2011, 01:33 PM
  4. محاورة
    بواسطة عماني و اعتز في القسم: سبلة ترويح القلوب
    الردود: 23
    آخر مشاركة: 01/05/2011, 03:33 PM
  5. دايما اتعقر فالدرج .شو هالحالة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    بواسطة sam1515 في القسم: سبلة ترويح القلوب
    الردود: 7
    آخر مشاركة: 19/12/2010, 04:04 PM

قواعد المشاركة

  • ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
  • ليس بإمكانك إضافة ردود
  • ليس بإمكانك رفع مرفقات
  • ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك
  •