عرض ملقم البيانات

صالح عبدالله البلوشي

علم الكلام الإسلامي بين النزعة العقلية والمرجعية النصية " 2 "

قيّم هذه المشاركة
العقل في المدرسة الماتريدية

إلى جانب ظهور المذهب الكلامي الأشعري الذي بدأ يسود الإتجاه السني في الإسلام بعد غروب شمس المعتزلة برز إتجاه فكري في علم الكلام الإسلامي أتخذ موقفا وسطا بين الأشاعرة والمعتزلة ولكنه ظهر تحت مظلة أهل السنة وهو الإتجاه الماتريدي.

وقد وافق أبو منصور الماتريدي (ت 333) المعتزلة في كثير من المسائل ذات الإتجاه العقلي العملي مثل القول بالحسن والقبح العقليين وقبح التكليف بما لا يطاق واعتبار الحكمة في الفعل الإلهي والعدل ونفي نسبة الظلم عن الله تعالى ولكنه وافق الأشاعرة في نظرية الكسب معتبرا الله هو خالق الفعل الإنساني ولكنه خالفهم بالقول بحرية الإنسان بشكل تام في قدرة الكسب وأنه هو الذي يقوم بالفعل بمحض إرادته.

العقل في المدرسة الشيعية

يعتبر هشام بن الحكم من أبرز الوجوه الكلامية البارزة في تاريخ علم الكلام الشيعي وقد كان جهميا في بادئ أمره قبل أن يلتحق ضمن أصحاب جعفر الصادق إضافة إلى هشام بن سالم ومحمد بن النعمان المعروف بمؤمن الطاق ويذكر الشريف المرتضى في كتابه الفصول المختارة من العيون والمحاسن» الكثير من مناظراتهم مع المعتزلة والاتجاهات الفكرية والفلسفية المخالفة للإسلام وغيرهم.

يعتبر الشيخ محمد بن علي الصدوق هو اول من ألف كتابا في العقائد حسب قواعد المحدثين واسمه الاعتقادات» ورد عليه المتكلم الشيعي البارز محمد بن النعمان المعروف بالمفيد في كتاب تصحيح الاعتقاد» ثم توالت المؤلفات الكلامية مثل مؤلفات الشريف المرتضى وأخيه الشاعر الشريف الرضي وسهل بن بوبخت ومحمد بن الحسن الطوسي وغيرهم. وأستمر هذا المنهج العقلي في علم الكلام الشيعي حتى ظهور الفيلسوف الشهير نصير الدين الطوسي الذي اعطى لعلم الكلام صبغة فلسفية كاملة في كتابه تجريد الاعتقاد» وبظهور حسن بن المطهر الحلي وصل المنهج العقلي قمة كماله ويلاحظ ذلك في كتبه الكلامية مثل مناهج اليقين» وغيرها حتى حدثت إنتكاسة المذهب الأصولي الكلامي في زمن الدولة الصفوية حيث ساد الفكر الإخباري القائم على مرجعية النص فقط فيها وبقوة بمؤلفات محمد باقر المجلسي والفيض الكاشاني ونعمة الله الجزائري وغيرهم بينما حاول الفيلسوف الكبير صدر الدين الشيرازي التوفيق بين المذاهب الكلامية والفلسفية المختلفة في كتابه الموسوعي الشهير الأسفار العقلية الأربعة»
ومن الملفت للنظر في علم الكلام الشيعي التأثر الشديد بآراء المعتزلة وعقائدها ويلاحظ ذلك بشكل كبير في مؤلفات الشريف المرتضى الذي عده بعض المتكلمين من المعتزلة ضمن الخط الشيعي فانه باستثناء رأيه في مسألة الإمامة فإن الشريف المرتضى يكون معتزليا أصيلا ونذكر هنا ايضا الشيخ المفيد وخاصة في كتابيه النكت الاعتقادية» وأوائل المقالات» فإنه يتفق كثيرا مع المعتزلة في كثير من المسائل مثل الاعتقاد بخلق القرآن والاعتقاد بإن العبد يخلق أفعاله واستحالة رؤية الباري يوم القيامه وغيرها.
وأستطيع هنا أن أقول ان علم الكلام الشيعي تأثر كثيرا بآراء المعتزلة ويبدو إن تتلمذ الكثير من اهل البيت على يد بعض المعتزلة مثل واصل بن عطاء وغيرهم له دور في هذا التأثر.

النص مقابل العقل

مقابل التيار الاعتزالي العقلي نشأ في المحيط الإسلامي تيار فكري يقدس النص إلى درجة كبيرة مما دعا الكثير من المسلمين إلى تسمية هذا التيار الجديد بالحشوية أو أهل الحديث وهذه المدرسة رفضت تماما إخضاع العقيدة الإسلامية للعقل وأعتبرت كل ممارسة إجتهادية خارج النص كفرا وضلالة ولذلك لا يستغرب الباحث عندما يطالع مؤلفات هذه الطائفة في العقيدة فيجدها جميعها تعتمد على النص فقط سواء القرآن الكريم أو السنة أو الأقوال المنسوبة إلى الصحابة وبعض أئمة المسلمين مثل كتاب التوحيد» لأبن خزيمة وكتاب الرد على بشر المريسي» لعثمان بن سعيد الدارمي وكتاب السنة» للبربهاري وكتاب السنة» لابن أبي عاصم وغيرها.

علم الكلام عند الاباضية

هناك توافق كبير في كثير من مسائل علم الكلام بين الاباضية والمعتزلة وخاصة في المسائل الكبرى الثلاث: الموقف من الرؤية وحدوث الكلام الإلهي وحكم مرتكب الكبيرة إضافة إلى التوافق في التأويل في مسائل الذات والصفات وهذا يؤكد إن المذاهب الكلامية القديمة متفقة في الأصول الرئيسية في الكلام الإسلامي مع اختلاف يسير في بعض التفصيلات الجزئية ولعل لنشأة هذه المذاهب في العراق مع ما كان يمثله هذا البلد ذلك الوقت من إحتضان كثير من التيارات الفقهية والفلسفية والكلامية والدينية والسياسية المختلفة دورا كبيرا في هذا الالتقاء الثقافي.

العقل في علم الكلام الزيدي

عندما نذكر الزيدية فلا بد لنا في البداية أن نذكر ان هناك تيارين كبيرين في علم الكلام الزيدي وهما التيار القريب من المعتزلة وهو التيار الهادوي الذي يمثله أئمة الزيدية المتقدمين والتيار الآخر هو التيار السلفي القريب من منهج المحدثين وقد ظهر التيار الأخير في القرن التاسع عشر بواسطة محمد بن ابراهيم الوزير وسبب هذا التحول الزيدي بالانفتاح على تيار المحدثين هو دراسة ابن الوزير المبكرة على يد علماء المذاهب السنية وخاصة الشافعية ثم تبعه في هذا المذهب الكثير من علماء الزيدية أبرزهم محمد بن اسماعيل الأمير (المتوفي سنة 1182) ومحمد بن علي الشوكاني (المتوفي سنة 1250) وغيرهم ولا يخفى على الباحث والمطلع على علم الكلام الإسلامي قوة تنامي هذا التيار الحديثي بين الزيدية اليوم.

وأما التيار العقلي والقريب من المعتزلة فقد بدأ مع دراسة الإمام زيد بن علي مؤسس المذهب على يد شيوخ المعتزلة الكبار خاصة واصل بن عطاء وقد تبلور هذا الاتجاه العقلي بين الزيدية وبشكل كبير في مؤلفات الإمام القاسم الرسي (المتوفي سنة 246) خاصة في كتابه أصول العدل والتوحيد» حيث أعتبر أن مصادر المعرفة في الإسلام هي ثلاثة أولها العقل ثم الكتاب والسنة حيث اعتبر أن العقل أصل الحجتين الأخيرتين لأنهما عرفا به ولم يعرف بهما (7) وتبدو النزعة الاعتزالية واضحة في الكثير من كتبه مثل كتاب العدل والتوحيد» وكتاب تفسير العرش والكرسي» وكتاب الرد على الزنديق ابن المقفع» وغيرها.

ويصف الباحث المصري الدكتور احمد محمود صبحي كلام القاسم الرسي بأنه تمجيد للعقل لا نظير له (8).

ومن أئمة الزيدية الذين تاثروا بالعقلانية الاعتزالية يحيي بن الحسين المعروف بالهادي (ت 298) فإن آراءه الكلامية تكاد تكون نسخة طبق الأصل من آراء المعتزلة خاصة في الأصول الخمسة ومن أبرز علماء الزيدية أيضا الذين أعلوا من شأن العقل الصاحب بن عباد (ت 385) صاحب الأبيات المشهورة التي يجمع فيها بين المنهج الاعتزالي في الأصول والتشيع في الإمامه حيث يقول:

لو شق قلبي يرى وسطه ............ سطران قد خطا بلا كاتب
العدل والتوحيد في جانب ...... وحب آل البيت في جانب

ولكن يعتبر الحاكم الجشمي (ت 494) هو من ابرز العلماء الزيدية المتأثرين بالمعتزلة وله في نصرة مذهب المعتزلة الكثير من الكتب الكلامية أبرزها كتاب شرح العيون» وكتاب التأثير والمؤثر في علم الكلام وكتاب الأسماء والصفات» وغيرها

ومن الملاحظ إن هناك التقاء فكريا كبيرا في أصول الكلام بين الزيدية والشيعة الإمامية وهذا يؤكد ان الفريقين برغم اختلافهما في مسألة الإمامة بعد اتفاقهما على مرجعية وإمامة أهل البيت قد تأثرا بشكل كبير بعقيدة المعتزلة ولا أدل على ذلك من أن أعلاما كبيرة في المذهبين قد عدوا من قبل العديد من المصادر القديمة والحديثة ضمن أعلام المعتزلة ونذكر هنا على سبيل المثال المفيد والمرتضى والرضي من الشيعه والقاسم الرسي ويحيى بن حمزة والحاكم الجشمي من الزيدية.
يقول الدكتور عبدالكريم سروش في مقال له تحت عنوان الكلام الإسلامي بين نزعة العقلية ومذهب الأشعرية التجريبية» ما نصه: ورغم ما قيل عن استقلال الشيعة آنذاك بمذهب كلامي إلا أن هذا المذهب كانت تربطه بمدرسة الاعتزال أواصر من القرابة» (9).
المجموعات
غير مصنف

تعقيبات