عرض ملقم البيانات

صالح عبدالله البلوشي

علم الكلام الإسلامي بين النزعة العقلية والمرجعية النصية " 1 "

قيّم هذه المشاركة
يبحث علم الكلام الإسلامي في إثبات العقائد الدينية بالأدلة العقلية والنقلية، فالقسم العقلي للكلام هو تلك المسائل التي تؤخذ مقدماتها حرفا من العقل ولو افترضنا انه استند إلى النقل فهذا من باب التأييد والشاهد على حكم العقل كقضايا التوحيد والنبوة وبعض مسائل المعاد ففي مثل هذه القضايا لا يكفي الاستناد إلى النقل بل ينبغي الاعتماد على العقل وأما القسم النقلي فهو تلك المسائل التي تعتبر من أصول الدين ويجب الاعتقاد والإيمان بها ولكن نظرا إلى إنها فرع من النبوة وليست متقدمة عليها فيكفي حينئذ اثباتها عن طريق النقل (1) وفي هذا المقال المختصر سوف نحاول البحث في أسباب نشأة علم الكلام الإسلامي مع عرض سريع لابرز التيارات الكلامية في المحيط الإسلامي ثم نقف في المحطة الأخيرة على دور العقل في علم الكلام الإسلامي واشكالية العلاقة بينه وبين النص مع مقارنة سريعة بدور العقل في علم اللاهوت الكلامي في أوروبا إلى عصر النهضة.

ظهر علم الكلام الإسلامي نتيجة أسباب متعددة منها:

1 – العقائد المنحرفة التي دخلت في الإسلام مثل الغلو والتشبيه والإرجاء وغيرها نتيجة الإلتقاء الحضاري بين الإسلام والامم الأخرى التي اعتنقت الدين الجديد بعد حركة الفتوحات الإسلامية.

2 – ظهور النزعة العقلية في الإسلام بعد حركة الترجمة التي شملت ميادين معرفية متعددة مثل الطب والفلسفة والمنطق وغيرها.

التيار النصي وظهوره في الإسلام

يعتبر التيار النصي هو أول تيار فكري ظهر في الإسلام، فكل دين جديد سماويا كان أو غير ذلك عبارة عن مجموعة كبيرة من النصوص وبعد ذلك يأتي دور الشراح والمفسرين في الاستعانة بالعقل على شرح هذه النصوص وتفسيرها للمؤمنين ولكن الملفت للنظر في الإسلام أن النص لا يقوم بتفسيره إلا نص آخر فالقرآن الكريم وهو الوحي الإلهي الذي نزل على النبي محمد عليه الصلاة والسلام يحتوي على تعاليم دينية متنوعة في العبادات والأحكام الشرعية والأخلاق وغيرها والتي بدورها تفسر عن طريق السنة النبوية التي تعتبر المصدر الثاني للتشريع الإسلامي وهناك من يتبعها بأقوال الصحابة وأهل البيت والتابعين وغيرهم.

يعتبر القضاء والقدر أقدم مسألة كلامية خاض فيها المسلمون وقد حدث ذلك في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وبداية عهد الدولة الأموية وأنقسمت الآراء فيها إلى رأيين يرى احداها أنه ليست للإنسان إرادة فيما يفعل بينما ذهب الفريق الثاني إلى أن الفعل الإنساني يحدث بإرادته المستقلة وفي طليعة هؤلاء المعتزلة وتأثر بهم فيما بعد الزيدية والإمامية.
وكذلك تعتبر مسألة حكم مرتكب الكبيرة من ضمن المسائل الاولى التي تم فيها الكثير من النقاش والجدل ويصفها الكثير من الباحثين إنها كانت السبب في ظهور فرقة المعتزلة حيث يروى انه اختلف واصل بن عطاء مع أستاذه الحسن البصري في حكم مرتكب الكبيرة فقال واصل مخالفا للحسن: أنا أقول إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن باطلاق بل هو في منزلة بين المنزلتين ثم اعتزل مجلس الحسن واتخذ له مجلسا آخر في المسجد.

ظهور التفكير الفلسفي

في بداية العهد الأموي ونتيجة لاختلاط المسلمين بسكان المناطق المفتوحة التي دخل فيها الدين الجديد وخاصة الفرس والرومان وغيرهم ودخول غالبية هذه المناطق إلى الإسلام انتشرت الأفكار الفلسفية بين المسلمين حيث كان بالعراق والشام الكثير من المدارس الفلسفية ذات الاتجاهات الفكرية المختلفة كما كان لبلاد فارس الكثير مثلها ايضا قبل الفتح الإسلامي وقد تعلم الفلسفة بعض العرب في هذه المدارس كالحارث بن كلدة وابنه النضر ولما جاء الإسلام في تلك الأصقاع وجد من سكانها من يجيدون العلوم الفلسفية ومنهم من كان يعلم المسلمين مبادئها وكان للسريان العمل البارز الظاهر في ذلك»(2).

ونتيجة لدخول هذه الفلسفات المختلفة في الإسلام برز في علم الكلام الإسلامي الكثير من البحوث والمسائل العقلية والتي لم يعرفها المسلمون سابقا نتيجة لالتزامهم الحرفي بالنصوص الدينية الموجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية وخاصة في المسائل المتعلقة بالإيمانيات أو ما سوف يعرف لاحقا بمسائل العقيدة مثل قِدم كلام الله أو حدوثه والمسائل المتعلقة بحرية الإرادة الإنسانية وصفات الله سبحانه وتعالى وهل هي عين الذات أم منفصلة عنها وغيرها ونتيجة لهذه البحوث واعتناق المسلمين لهذه الأفكار تكونت في الإسلام المذاهب الكلامية مثل المعتزلة والمرجئة والجهمية وأهل الحديث وغيرها.

علم الكلام الإسلامي


يرى المتكلم الأشعري المعاصر حسن السقاف ان سبب لجوء المسلمين إلى علم الكلام هو ظهور الآراء المبتدعة في أواخر القرن الثاني والقرن الثالث من الهجرة خصوصا في المسائل الإيمانية (العقدية) مثل التشبيه والتجسيم وغيرها من المقالات الفاسدة والأقوال الباطلة وقد ذكر كثيرا منها عبدالقادر البغدادي في كتابه أصول الدين» فسمى علماء الإسلام هؤلاء المبتدعة بأصحاب الكلام أي الذين تكلموا في أمور باطلة زعموا إنها علم التوحيد الحق. (3)

في بداية القرن الثاني للهجرة ظهر الكثير من الشخصيات الفكرية التي أثارت الجدل بين المسلمين مثل غيلان الدمشقي ومعبد الجهني اللذين دافعا عن اختيار الإنسان وحريته مقابل التيار الجبري الذي أدعى أنه لا دخل للإنسان في اختياره لعمله والذين كان أبرزهم جهم بن صفوان (المقتول سنة 128 حسب رواية الطبري) الذي دعا إلى جانب عقيدة الجبر إلى تأويل آيات الصفات كلها والجنوح إلى التنزيه البحت ونفى أن يكون لله تعالى صفات زائدة عن ذاته وقال أيضا باستحالة رؤية الله في يوم القيامة وذهب أيضا إلى خلق القرآن وبذلك يكون الجهم بن صفوان من أوائل من استخدموا المنهج العقلي في تفسير العقائد الدينية ولذلك لا غرابة عندما نقرا انه قتل من قبل بني أمية بحجة آرائه المخالفة للدين بينما كان قتله لخروجه على بني أمية ودعوته إلى الشورى وحكم الكتاب والسنة.

دور المعتزلة في نشأة علم الكلام

يرى كثير من الباحثين المسلمين ومستشرقون ان المعتزلة هم الذين أوجدوا علم الكلام في الإسلام بسلاح خصومهم في الدين ذلك أنه في أوائل القرن القرن الثاني للهجرة ظهر أثر من دخل في الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس والدهرية فكثير من هؤلاء أسلموا ورؤوسهم مملوءة باديانهم القديمة وسرعان ما اثاروا في الإسلام المسائل التي كانت تثار في أديانهم التي تسلحت بالفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني في مواجهتها وتنظيم طريق بحثها وكل ذلك دعا المعتزلة إلى التسلح بالعقل والفلسفة اليونانية لمجادلتها جدالا علميا يعتمد على سلاح العقل والمنطق والبرهان (4) وكان من أشهر رجال المعتزلة في أستخدام سلاح الفلسفة أبو هذيل العلاف وإبراهيم بن سيار النظام والأديب الكبير الجاحظ وغيرهم.

وبلغ من اعتماد المعتزلة على العقل ما نقله المتكلم الشهير أبي الفتح الشهرستاني عن أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم عبدالسلام أنهما اتفقا على أن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح هي واجبات عقلية وأثبتا شريعة عقلية وردا الشريعة النبوية إلى مقدرات الاحكام ومؤقتات الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر (5).

واما إبراهيم النظام فقد قال ان العقل يدرك حسن جميع الأفعال وقبحهما وليس حكم الشرع سوى تاييد حكم العقل فقط وتأكيده.
ويرى المفكر المصري محمد أبو زهرة أن المعتزلة قد قاموا بحق الإسلام من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو الأصل الخامس في مذهبهم ورد كيد الزنادقة والملاحدة والكفار في نحورهم وعلى خلاف المحدثين الذين كفروا المعتزلة وأعلنوا ضلالهم عن الدين والعقيدة ورأى أبو زهرة أنه كان لا بد من وجودهم ليوقفوا تيار الزندقة الذي تم في أول ظهور الدولة العباسية ولذا كان بعض الخلفاء العباسيين أمثال المأمون والمعتصم والواثق يشجعونهم ويعلنون عن تأييهم لقدراتهم العقلية والجدلية الكبيرة في مواجهة الشبهات المادية التي كانت تثار ضد الإسلام من بعض التيارات الفكرية التي كانت موجودة بشكل مكثف آنذاك مثل المانوية والمشككة والوثنيين من السمنية وغيرهم إضافة إلى الغلاة والمشبهة من المسلمين.

كانت للمعتزلة الكثير من العقائد التي خالفت السائد بين التيارات النصوصية في الإسلام وأبرزها اعتقادهم بحدوث الكلام الإلهي وإثبات الحسن والقبح العقليين والاعتقاد بخلق الإنسان لأفعاله وغيرها ولا يمكن الخوض فيها جميعها في هذا المقال المختصر إلا أن نخبوية الآراء المعتزلية وعدم تقبل عامة المسلمين بها كونها تعتمد على بحوث استدلالية وعقلية عميقة ساهمت وبشكل كبير في انتصار التيار الحديثي في الإسلام بفروعه المختلفة الغالية والمعتدلة خاصة بعد الانقلاب المتوكلي الشهير.

الأشاعرة والتوفيق بين العقل والنقل


في أواخر القرن الثالث الهجري حدث تحول خطير في مسيرة علم الكلام الإسلامي وساهم في إنشاء طائفة كلامية تشكل الأغلبية بين المسلمين اليوم عندما اعتكف احد أبرز وجوه المعتزلة واحد أبرز تلامذة أبو علي الجبائي وهو الإمام أبو الحسن الأشعري (ت 324) في منزله مدة يعيد فيها دراسة عقائد المعتزلة ومقارنتها مع ما يذهب إليه المحدثون في امور العقيدة وخرج بعدها إلى الناس يعلن فيها براءته من مذهب المعتزلة وقال: وانخلعت من جميع ما كنت اعتقد كما انخلعت من ثوبي هذا».

ثم كتب عقيدته في كتاب الإبانة في أصول الديانة» وافق فيها المحدثين في اغلب ما ذهبوا إليه في أمور العقيدة من الاعتماد على المنهج النقلي في البحث وإن لم يخلُ كتابه من نزعة اعتزاليه ما زالت واضحة عليه.

وخلافا للمحدثين كأحمد بن حنبل فقد أجاز أبو الحسن الأشعري البحث والاستدلال واستخدام المنطق في أصول الدين والعقيدة وقد دعم رأيه بأدلة من الكتاب والسنة والف في ذلك كتابا عنوانه رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام».
يقول الفيلسوف الفرنسي هنري كوربان في أسباب انشقاق الأشعري عن المعتزلة أنه حدث لأمرين أساسيين هما:

1 – أن أعطاء الاهمية المطلقة للعقل لا يفضي إلى دعم الدين كما زعم المعتزلة بل ان ذلك على العكس يفضي إلى نفي الدين وإلى استبدال الإيمان بالعقل إذ ما هي قيمة الإيمان بالله اذن وبالكتاب المنزل ما دام العقل بحد ذاته أسمى وأرفع من المعطيات الدينية.
2 – ينص القرآن غالبا على أن الإيمان بالغيب مبدأ أساسي في الحياة الدينية إذا انهار انهارت معه أركان الدين ولكن الغيب» أمر يتجاوز حدود البراهين العقلية فاتخاذ العقل إذن كمقياس مطلق في امور العقيدة يتنافى والحالة هذه مع مبدأ الإيمان بالغيب. ويصف الاستاذ محمد أبو زهرة آراء الأشعري بأنها كانت وسطا بين المغالين بين النفي والإثبات والمتجاذبين لأطراف النزاع من المعتزلة والحشوية والجبرية وان الدارس لحياة الأشعري يجد ان الذي يتفق مع اطلاعه هو أن يختار مذهبا وسطا بعيدا عن المغالاة (6).

ومن أبرز الشخصيات الأشعرية التي أعطت للعقل مجالا واسعا في فهم النص أبو بكر الباقلاني (ت 403) وامام الحرمين الجويني (ت 478) الذي تحدث بشكل مفصل عن المنهج العقلي وأسسه العلمية في كتابه الشامل في أصول الدين».

وقد شهدت المدرسة الأشعرية تحولا كبيرا في عهد الإمام الغزالي الذي أعطاها صبغة صوفية وخفف قليلا من نزعتها المتجهة إلى العقل ثم تغلب عليها الجانب الفلسفي على يد المفسر والمتكلم الكبير الفخر الرازي (ت 606).

ثم ظهر المتكلم والفيلسوف الشيعي نصير الدين الطوسي (ت 672) الذي أعطى لعلم الكلام صبغة فلسفية شبه كامله وتأثر به الكثير من متكلمي الأشاعرة والمعتزلة مثل القاضي عضد الدين الإيجي (ت 756) وسعد الدين التفتازاني (ت 793) والشريف الجرجاني (ت 816) بحيث يمكن القول إن الفكر الأشعري بعد الطوسي ابتعد عن الخط الأصلي لهذه المدرسة وما زال الفكر الأشعري إلى يومنا ينتقل بين الفلسفة والنقل وبين التفويض والتأويل.
المجموعات
غير مصنف

تعقيبات